في شهر مارس/ آذار 2005، توفي 27 طفلاً في مدرسةٍ بوسط الفلبين عقب تناولهم حلوياتٍ من الكسافا التي ربما كانت ملوثةً بمبيد آفات. وقبل ذلك بأسبوع، انهار 16 مستجمّاً في مقاطعة تايوان الصينية إثر إصابتهم بآلامٍ شديدة في المعدة بعد بوفيه عشاء، كما نقل المغنّي الأميركي ويتني هيوستون على وجه السرعة إلى المستشفى في باريس بسبب إصابته بالتهاب مَعدي معوي في أعقاب رحلةٍ عبر الأطلسي. وفي لندن رفعت إحدى المستهلكات قضيةً ضد أحد المطاعم تطالب فيها بمبلغ 2 مليون دولار مدّعيةً أن وجبة طعامٍ منه سببت لها تسمماً بالسالمونيلا، كما وسّعت وكالة معايير الأغذية البريطانية نطاق حملةٍ واسعة لاسترداد منتجاتٍ غذائية ملوثة بالصبغة الحمراء المسببة للسرطان - (سودان 1). وفي الصين كذلك، نشرت وسائل الإعلام تقارير تفيد باكتشاف صبغة (سودان 1) في الأغذية في 12 مقاطعة وبلدية في أنحاء البلاد.
إن هذه التقارير، التي التُقطت من خلال بحثٍ بسيط في مصادر الأنباء على الإنترنت، توضح لماذا أصبحت سلامة الأغذية مثار قلقٍ شديد لدى المستهلكين والمزارعين ومصنّعي الأغذية وباعة الأغذية بالتجزئة والحكومات على حدٍ سواء. وهي لا تمثل سوى مقدمةً للتهديد الذي تتعرض له الصحة العامة في أنحاء العالم، والذي يشير بإصبع الاتهام على نحوٍ كبير إلى نظام الإبلاغ عن الأمراض. حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن زهاء 2 مليون طفل في البلدان النامية يموتون كل عام بسبب الإسهال الناجم عن تلوث الأغذية والمياه بالميكروبات، في حين يعاني ما يصل إلى ثلثي السكان في البلدان الصناعية من الأمراض التي تنقلها الأغذية كل سنة.
" نَهج السلسلة الغذائية ": تقول منظمة الأغذية والزراعة بأن نظم سلامة الأغذية في البلدان المتقدمة والنامية على حدٍ سواء تواجه تحدياتٍ غير مسبوقة تبرز من التمديُن السريع، وعولمة تجارة الأغذية، والتحولات التي طرأت على أنماط الاستهلاك، والأساليب المكثفة لإنتاج الأغذية. ومن أجل مساعدة البلدان الأعضاء فيها على الاستجابة لهذه التحديات، تعكف منظمة الأغذية والزراعة على تطوير استراتيجيةٍ شاملة من شأنها أن تمكن البلدان من توفير إمدادات غذائية "آمنة ومغذّية". حيث تدعو الاستراتيجية، التي تتضمنها ورقة عملٍ ستناقشها لجنة الزراعة بالمنظمة هذا الشهر، إلى تطبيق تدابير رقابة عند النقاط الرئيسية في السلسلة الغذائية لكي تلبي الأغذية المعايير الدولية أو الوطنية، كما توسع دائرة هذا النهج لكي يشمل المسائل المتصلة بالتغذية. وتتناول الاستراتيجية كلاً من السلسلتين الغذائيتين الرسمية وغير الرسمية، كما تحدد تدابير للتنفيذ خطوةً بعد أخرى وفقاً للاحتياجات والموارد والقدرات الخاصة بكل بلد.
حيث تقول الورقة " فيما يخص السلسلة الغذائية، أصبح الآن من المتفق عليه عموماً أن السلاسل الغذائية تشمل كافة المدخلات التي تدخل في إنتاج الغذاء، ومن ضمنها الأعلاف المقدمة للحيوانات، والمعالجات الكيماوية في مرحلتي الإنتاج وما بعد الحصاد، وصولاً إلى الأراضي والمياه التي تُحصد/ تجنى الأغذية منها." ويعتمد تخفيض مخاطر الأغذية على الأطر القانونية والفنية والإدارية الفعالة. وقد كانت سلامة الأغذية تقليدياً ترتكز على آليات تنفيذٍ تقوم على إخراج المنتجات غير الآمنة من السوق "بعد الواقعة"، عوضاً عن الجهود المنسّقة للحيلولة دون وقوع المشاكل المتصلة بسلامة الأغذية. "ونتيجة لذلك، فقد كان توجّه الكثير من نظم سلامة الأغذية التنظيمية يقوم على ردود الأفعال ويتحدد على أساس معايير التنفيذ، بدلاً من استخدام نهجٍ وقائي لتقييم المخاطر والحد منها.
ويوجد كذلك مجموعةٌ متنوعة من التدخلات غير التنظيمية يمكن استخدامها كجزء من نهج السلسلة الغذائية. وفي مقدمتها نظم إدارة الأغذية والزراعة التي تحسن الكفاءات، وتخفض الخسائر، وتنهض بالجودة، وتخلق قيمةً مضافة للمنتجات الغذائية حيثما أمكن ذلك. حيث تكمن نقطة قوة هذه النظم في أنها عندما تُنفذ من جانب المنتجين والمصنّعين والمسوقين، عوضاً عن مؤسسات رقابة الأغذية الرسمية، تتعزز جدواها التقنية وفعاليتها من حيث التكاليف إضافةً إلى صلاحيتها الاقتصادية.
التخفيف من وطأة التكاليف: على الرغم من أن نهج "السلسلة الشاملة" ضروري لتحديد وتقدير المخاطر والآثار السلبية، يجب أن ينصب تركيز التدخلات على النقاط المحددة على أساسٍ علمي في السلسلة الغذائية التي يمكن أن تتمتع التدخلات عندها بأكبر قدرٍ من الفاعلية. وبناءاً عليه، فإن نهج السلسلة الغذائية الذي طورته المنظمة يمثل مصفوفةً لتدخلاتٍ محددة الهدف يقوم بها مجموعةٌ واسعة من اللاعبين، من ضمنهم الوكالات المسؤولة عن نظم الأغذية، وخدمات الإرشاد الزراعي، والمنتجون، والمصنّعون، والباعة، وأخيراً المستهلكون.
وبموجب الاستراتيجية المقترحة لتوفير إمداداتٍ غذائية آمنة ومغذّية، ستقدم المنظمة مشورةً معيارية وسياسية وفنية للبلدان الأعضاء فيها من أجل تنفيذ المعايير الدولية الحالية من خلال تدابير تنظيمية وغير تنظيمية. ويتنبأ تنفيذ الاستراتيجية بتنفيذ أنشطةٍ في مجال تدعيم المساعدات الفنية وبناء القدرات، وإسداء المشورة في حقل السياسات للحد من التكاليف الزائدة، إلى جانب زيادة الاستثمارات من جانب المؤسسات العامة والخاصة في المراحل الملائمة من السلسلة الغذائية. كما تتوقع الاستراتيجية دوراً رئيسياً لخدمات الاتصال والإرشاد، وتعاوناً وثيقاً مع الوكالات الدولية الأخرى التي تعمل في نفس المجال أو في المجالات ذات الصلة.
كما سيتم توسيع نطاق عمل المنظمة في مجال المعايير الدولية لتشمل النظر في "القيمة التغذوية المنتظرة"، بناءاً على تقديرات منظمة الأغذية والزراعة/ منظمة الصحة العالمية للمتطلبات التغذوية البشرية. حيث ستساعد الدراسات المنسّقة في مجال تركيبة الأغذية ومجال طبيعة وتأثيرات تكنولوجيات وممارسات المناولة والتصنيع في مرحلة ما بعد الحصاد في تحديد القيمة التغذوية المنتظرة لأغذيةٍ محددة، خاصةً الأغذية المحلية والدولية التي يجري تسويقها من خلال السلاسل الغذائية غير الرسمية وشبه الرسمية.
وتخلص الورقة إلى القول "بأن المنظمة تنفذ بالفعل نشاطاتٍ رئيسية ضمن برنامجها العادي وبرنامجها الميداني موجهة صوب توفير إمداداتٍ غذائية آمنة ومغذية. كما أن تطوير نهجٍ استراتيجي للسلسلة الغذائية يتيح الفرصة للاعتماد على نقاط قوة برامج المنظمة المتنوعة، ويحسّن التنسيق، كما يتيح تضمين نشاطاتٍ لم يكن ينظر إليها حتى الآن على أنها جزء من هذا الإطار العام."