لقد أدى النمو الاقتصادي المتسارع في الصين على مدى 20 سنة الماضية الى تحسينات مثيرة في تغذية الأمة ووضعها الصحي. فبالتوازي مع زيادة استهلاك اللحوم والدواجن والبيض والمنتجات الحيوانية الأخرى، حققت الصين هبوطاً حاداً في المؤشرات الدالة على نقص التغذية وكذلك انخفاضاً مماثلاً في الوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية كالتهاب الكبد والإسهال والملاريا.
ولكن تقريراً جديداً صادراً عن قسم التغذية وحماية المستهلك لدى المنظمة (AGN) توصل الى أن الصينيين يواجهون مشكلة رئيسة جديدة تتصل بالصحة العامة: الإفراط في التغذية يرتفع الى حد أصبح معه 23% من السكان البالغين زائدي الوزن أو بدينين، وأن الأمراض المزمنة المتصلة بالوجبات الغذائية أصبحت السبب الرئيس للوفاة.
إن الصين واحد من عدد متزايد من البلدان النامية التي تواجه ما أطلق عليه " العبء المزدوج لسوء التغذية ": استمرار نقص التغذية - حيث ما زال قرابة 8 بالمئة من الأطفال الصينيين قبل سن المدرسة ناقصي الوزن - الى جانب ارتفاع سريع في الإفراط في التغذية وفي أمراض مثل السكر وارتفاع ضغط الدم ومرض القلب التاجي.
تغير الوجبة الغذائية: جرى استعراض العبء المتنامي للأمراض غير السارية (NCDs) في كل من البلدان المتقدمة والنامية معاً، إضافةً للارتفاع المتصل بذلك في الإنفاق على الصحة العامة والنفقات الاجتماعية، في دورة خاصة للجنة الزراعة المشتركة بين الحكومات لدى المنظمة (COAG) في فبراير/ شباط 2004. حيث دعا أعضاء اللجنة المنظمةَ الى إسداء المشورة للحكومات في مجال سياسات التغذية والوجبة الغذائية الصحية اللازمة للوقاية من الأمراض غير السارية، كما طالبوا بإجراء تقدير شامل للروابط بين الأمراض وتغير أنماط استهلاك الأغذية.
والجدير بالذكر أن تقرير قسم التغذية وحماية المستهلك Assessment of the double burden of malnutrition [تقدير العبء المزدوج لسوء التغذية في ستة بلدان كحالات دراسة]، كان قد كلف بإعداده باحثون وطنيون في الصين ومصر والهند والمكسيك والفلبين وجنوب أفريقيا. وبينما وجد التقرير، وحسبما كان متوقعاً، أن تحولاً ملحوظاً على مدى 20 سنة الماضية صوب وجبات غذائية تتسم بارتفاع نسبة الدهون المشبعة والسكر والأغذية المصنعة، وجد التقرير كذلك أن الاتجاهات في مجال التغذية ووضع الأمراض في هذه البلدان تختلف عن مثيلاتها في حالات الانتقال التغذوية والصحية الكلاسيكية التي وقعت في أوروبا وأميركا الشمالية خلال القرن التاسع عشر. حيث تقول الخبيرة في قسم التغذية وحماية المستهلك جينا كندي "تقليدياً، يظهر الإفراط في التغذية عندما يصبح نقص التغذية والأمراض المعدية "مشاكل من الماضي". لكن ما نشهده في البلدان النامية التي تمر في مرحلة تحول اقتصادي سريع هو نقص تغذية وإفراط في التغذية وأمراض معدية ومزمنة توجد جنباً الى جنب على مدى فترات زمنية طويلة."
ويقول التقرير بأن "العبء المزدوج" كان نتيجة لعوامل مختلفة. فقد كان التقدم المحرز في مجال تحسين شبكات المياه والصرف الصحي وتطوير نظم صالحة في مجال الصحة العامة بطيئاً، ما أعاق الجهود المبذولة للحد من نقص التغذية. وفي الوقت ذاته، ساهم تغير أنماط الوجبات الغذائية وأساليب المعيشة - الذي أحدثه التمدين وتحرير الأسواق والتحولات الديموغرافية وهبوط مستويات الجهد البدني - في [مشكلتي] زيادة الوزن والأمراض المزمنة.
في كافة البلدان التي جرت دراستها، زادت إمدادات الطاقة للفرد منذ السبعينات، كما شهد معظمها حركة ابتعاد سريعة عن الوجبات الغذائية القائمة على أساس نباتي. ففي حين بقي نصيب الحبوب والبقوليات والقطاني والجوزيات في الوجبات الشعبية ثابتاً أو انخفض، زاد استهلاك السكر والزيوت والدهون والمنتجات الحيوانية بصورة عامة. وثمة اتجاه ثابت وهو ازدياد "كثافة الطاقة" في الوجبات: النسبة المئوية للطاقة المستخرجة من الدهن. ففي الصين ارتفعت زهاء 10 بالمئة على مدى العقد الفائت، على الرغم من أن النسبة الأعلى - أكثر من 30 بالمئة - كانت في المكسيك.
إن سكان المدن في العادة هم أول من يبدأ بإدخال المزيد من الدهون والأغذية ذات المصدر الحيواني والمنتوجات المصنعة في وجباتهم. لكن التقرير يقول بأن التغيرات التي لوحظت في الوجبات لم تنحصر في مناطق المدن، أو الطبقات الأكثر ثروة من السكان. فقد وجدت البحوث التي أجريت في الصين زيادة في استهلاك الأغذية الحيوانية والزيوت في المراكز الريفية الكبرى، بينما في البرازيل كانت منتجات الخبز واللحوم المصنعة والحلويات والمشروبات الخفيفة بوجه عام من بين الأغذية الأكثر استهلاكاً في المناطق الأقل دخلاً. كما أن انخفاض الأسعار كان حافزاً آخر للتغييرات في الوجبات: ففي الصين مثلاً هبطت الأسعار الحقيقية للأسماك ولحم الخنـزير والزيت كلها خلال التسعينات.
"إحراز بعض التقدم": إن آثار هذه التغييرات في الوجبات الغذائية ليست سلبية بالضرورة. حيث يقول قسم التغذية وحماية المستهلك " إن التحول من وجبة تقوم على أساس الحبوب بصورة رئيسة الى وجبة تشتمل على مزيد من اللحوم ومنتجات الألبان ينبغي أن يكون تأثير إيجابي على المتحصلات من البروتين عالي الجودة ومغذياتٍ صغرى عديدة. بل يرى التقرير أنه في الحقيقة تم "إحراز بعض التقدم" في الحد من نقص التغذية بين الأطفال في كافة البلدان التي جرت دراستها. فخلال الفترة 1992- 2000، حققت الصين أسرع تقدم، إذ هبطت معدلات التقزم بين الأطفال تحت سن الخامسة من 32 الى 14 بالمئة. كما هبط معدل ناقصي الوزن خلال الفترة ذاتها من 18 الى 7.8 بالمئة.
كما يستنتج التقرير أن الوضع التغذوي للبالغين في البلدان التي جرت دراستها "مختلف بصورة مذهلة" عن الوضع بين الأطفال: حيث أن نقص الوزن بين الكبار آخذ في الهبوط وزيادة الوزن الآن أكثر شيوعاً بينهم من نقص الوزن في كل من الصين ومصر والمكسيك والفلبين. كذلك، ثمة "تفاوتات مذهلة" في نتائج قياسات الجسم البشري بين الأطفال والبالغين. ففي الفلبين تشير دراسات حديثة الى أن 32 بالمئة من الأطفال تحت سن الخامسة ناقصو الوزن، في حين أن 27 بالمئة من النساء زائدات الوزن أو سمينات.
ويقول قسم التغذية وحماية المستهلك " يبدو أن ثمة عوامل بيئية وبيولوجية تؤدي الى مثل هذه النتائج المتطرفة. كما أن هناك دليل على زيادة خطر التعرض للسمنة بين البالغين عندما يوجد نقص في التغذية في مرحلة الطفولة. وبينما يعدّ الفقر سبباً رئيساً للتقزم، فإن العكس ليس بالضرورة صحيحاً: ففي بلدان كثيرة يعاني الفقراء وقليلو التعليم في المدن من معدلات مرتفعة لزيادة الوزن."
مرض السكر وارتفاع ضغط الدم: يظهر حجم التهديد الذي يفرضه الإفراط في التغذية على الصحة العامة في البيانات المتصلة بوقوع الأمراض المزمنة المتصلة بالوجبات الغذائية. ففي أربع بلدان يتوفر بيانات عنها، يصيب ارتفاع ضغط الدم - الناجم عن زيادة استهلاك الملح - أكثر من 20 بالمئة من البالغين، وفي مصر والمكسيك تقرب نسبة الإصابة بمرض السكر، الناشئ عن ارتفاع نسبة الطاقة والدهن في الوجبات الغذائية، من 10 بالمئة. كما ارتفع معدل الإصابة بارتفاع ضغط الدم بين من هم في الثامنة عشرة فأكثر في الصين من ما يقل عن 12 بالمئة عام 1991 الى 19 بالمئة (أو زهاء 160 مليون شخص) عام 2002. كما زادت حالات الإصابة بمرض السكر النوع (2) من 4.6 بالمئة الى 6.1 بالمئة في المدن الكبيرة بين عامي 1996 و 2002، في حين تم الإبلاغ عن مستويات فوق طبيعية للدهن في الدم لدى ما يزيد على 18 بالمئة من السكان البالغين.
ويخلص التقرير الى القول بأنه بالنظر الى الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية الحالية، من المرجح للتغيرات التي لوحظت على أنماط الوجبات الغذائية أن تستمر و - إذا ما أضيفت إليها التغيرات في أسلوب المعيشة، خاصة انخفاض الجهد البدني - أن تؤدي الى تفاقم المشاكل الجديدة وهي الإفراط في التغذية والأمراض المزمنة المتصلة بالوجبات الغذائية. ويحذر التقرير مع ذلك من أن الحاجة لمعالجة الأمراض بين البالغين يجب أن لا تلقي بظلالها على الجهود القطرية والإقليمية لتحسين نمو الأطفال والتخفيف من وطأة نقص المغذيات الصغرى.
وتقول جينا كنيدي."إن التحدي يكمن في تطوير برامج وسياسات فعالة ترمي للوقاية من "العبء المزدوج بجانبيه، ومكافحتمها معاً. وهذه مهمة لا تقع على عاتق اختصاصيي التغذية فحسب، بل وتقع كذلك على عاتق كل من يعمل في إنتاج الأغذية وتصنيعها وتسويقها، وكذلك سلامة الأغذية والتعليم في مجال الأغذية. "