المنظمة :: مركز الأنباء :: تركيز على القضايا :: 2004 :: التكنولوجيا الحيوية: هل تلبّي احتياجات الفقراء؟
التكنولوجيا الحيوية: هل تلبّي احتياجات الفقراء؟
إذ تملك المحاصيل الغذائية المهَندسة وراثياً إمكانيات هائلة كأداة ضد الجوع، فلم يُستغل إلى الآن غير القليل من تلك الإمكانيات
عبر اعتماد الأصناف النباتية الوفيرة الغلة، والمواد الكيميائية الزراعية، وتقنيات الري المستجدة في صلب النظم الزراعية... جعلت الثورة الخضراء خلال حقبتي الستينات والسبعينات في المتناول تعزيز الغلال الزراعية بوفرة والمساهمة في رفع الجوع والفقر عن كاهل الملايين.

ومع ذلك، فهنالك الكثيرون من صغار المزراعين ممن لم يكتب لهم النجاة من الحلقة المفرغة لزراعة الكفاف اليومية... بينما لم يزل ثمة 842 مليون إنسان ممن لا يجدون ما يسد الرمق. ووفقاً لأحدث تقديرات المنظمة في هذا المجال فأن مليارات الأشخاص لا أقل يعانون من نقص المغذيات الدقيقة فيما يشكل نمطاً متخفياً من سوء التغذية الناجم عن تناول وجبة غير كافية. وكذلك فالمقدر أن ملياري نسمة آخرين سيحتاجون في غضون السنوات الثلاثين المقبلة إلى كميات إضافية من الغذاء في حين تواصل قاعدة الموارد الطبيعية التي يستند إليها الإنتاج الزراعي إتجاه التضاؤل الراهن.

فهل يسع "ثورة الجينات" أو استخدام التكنولوجيا الحيوية في القطاع الزراعي، أن تساهم في التصدي لمثل هذه التحديات؟

جدل شامل

حسبما يُستخدم... فقد يتحول العلم إلى غولٍ رهيب أو ملاكٍ رفيق... فالثورة الخضراء على سبيل المثال ليست خلواً من العيوب إذ يؤكد البعض أنها مسؤولة عن الإستخدام المفرط للموارد المائية ومبيدات الآفات والأسمدة الكيميائية، مما خلق اعتماداً مستمراً من جانب صغار المزارعين الفقراء على تلك المدخلات فضلاً عما سببته من أضرارٍ خطيرة للبيئة فى غضون مثل هذا السياق.

واليوم فأن بروز صورة التكنولوجيا الحيوية مجدداً بوضوحٍ على الساحة إنما عاد يثير جدلاً شاملاً على نفس النحو السابق.

وتسليماً بأن بعض نماذج التكنولوجيا الحيوية شاع استخدامه منذ آلاف السنين، مثلاً حين شرع أجدادنا الأوْل في الإستفادة من الكائنات الحيّة الدقيقة في إعداد النبيذ والأجبان والخبز، فأن الحقبة الراهنة من التكنولوجيا الأحيائية أصبحت في المتناول بفضل تقنيات الجزيئيات الدقيقة التي "تلتقط ثم تضيف" المورثات من خليةٍ إلى أخرى.

وفي الواقع فأن مثل هذه التقنيات الحديثة والبازغة للهندسة الوراثية هي ما يكمن في قلب الجدل القائم ويؤدى إلى إضرام سعيره.

ففي حين يعتبر المؤيدون تقنيات الهندسة الوراثية أسلحةً ضرورية لمنازلة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية في عموم البلدان النامية، يهبّ المعارضون لمثل هذه التقنيات محذرين من أنها تنزل الدمار بالبيئة وتزيد الفقر والجوع سوءاً على سوء، وتفضي إلى استيلاء المصالح التجارية للشركات على حيازات الزراعة التقليدية وعلى موارد الإمدادات الغذائية في كل مكان.

وفي هذا الصدد يستعرض أحدث تقرير تصدره المنظمة، ألا وهو "حالة الأغذية والزراعة في العالم، 2004"، هذه الحجج المؤيدة والمعارضة...

بين مؤيد ومعارض

يقول تقرير المنظمة الرئيسي أنه من جانب واحد، ثمة أسباب مقنعة للغاية بل وقاهرة، تدعو إلى إدخال تعديلات على التكوين الوراثي للمحاصيل الغذائية.

فمن خلال مثل هذه التعديلات قد يتأتي زيادة غلة المحاصيل الغذائية وأصنافها عبر رفع الإنتاجية الزراعية والحد من التقلّبات الموسمية في الإمدادات الكمية. وبالوسع تطوير أصناف مقاومة للآفات وعالية التحمّل للإجهاد، لتقليص أخطار الفشل المحصولي تحت ضغط الجفاف أو الأمراض. وقد يتسنى أيضاً زيادة محتوى النباتات من المغذيات والفيتامينات تلقائياً، تصدياً لظاهرة نقص المغذيات التي تبتلي بها أعداد ضخمة من فقراء العالم. بل وقد يمكن زرع المحاصيل في التربة الفقيرة وسط المناطق الحدية مما سيحقق زيادة عامة في الإنتاج الغذائي ككل.

ولقد تتيح التكنولوجيا الحيوية أيضاً إمكانية الحد من استخدام مبيدات الآفات ذات المحتوى السمّي، وفي الوقت ذاته تحسين أداء الأسمدة وغيرها من المدخلات المُعززة لخصوبة التربة.

غير أن دراسة المنظمة الرئيسية تحذر في الوقت ذاته من أن التقييم العلمي للآثار البيئية والصحية المترتبة على الهندسة الوراثية في النباتات المحصولية لم يزل في مراحله المبكرة ولا بد من أن يُستعرض كلٌ منها على أساس كل حالةٍ على حدة.

وما تؤكده المنظمة في تقريرها السنوي، علاوة على ذلك، أن ثمة ضرورةً خاصة لضمان أن تعود الفوائد المرتقبة من التكنولوجيا الأحيائية في قطاع الزراعة بالنفع على الجميع سواءً بسواء، وألاّ تقتصر على فئة بعينها أو مجموعةٍ قليلة من المستفيدين. ويبرز تقرير "حالة الأغذية والزراعة في العالم، 2004" على نحو خاص أنه بينما يسع المزارعون والمستهلكون الفقراء في العالم النامي أن يفيدوا أيما فائدة من ثمار التكنولوجيا الأحيائية إلا أن "الواقع يشير إلى أن قليلين من هؤلاء استفادوا إلى الآن. بل، إذ يواصل قطاع التكنولوجيا الحيوية نموه غير المنقطع فثمة أدلةٌ متزايدة على أن الإهمال يلف احتياجات الفقراء ومشكلاتهم".

قضايا الإنصاف

على النقيض من الثورة الخضراء التي جاءت ثمرةً لبرنامجٍ دولي من بحوث القطاع العام بهدف محدد هو ابتكار التقنيات ونقلها إلى العالم النامي "كأصولٍ حرة للملكية العامة"، فأن "ثورة الجينات" هي من بنات أفكار وجهود القطاع الخاص الذي يركز بحكم تعريفه على تطوير منتجاتٍ وتقنياتٍ تستهدف الأسواق التجارية والتوسّع في التسويق.

وعن ذلك يشير تقرير المنظمة المتخصص إلى أن "هذه النزعة تطرح تساؤلاتٍ خاصة عن نموذج البحوث الجارية وما إذا كان الفقراء سيفيدون منها".

وما يكشفه التقرير هو أنه إذ تشمل البحوث المكثفة في مجال التكنولوجيا الحيوية من جانب القطاع الخاص والعام أكثر من 40 محصولاً على نطاق العالم أجمع، فإن المشاهد مع ذلك أن ثمة القليل فقط من برامج التكنولوجيا الأحيائية سواء في القطاع العام أو الخاص هي بصدد الإجابة على المشكلات النوعية لصغار المزارعين الفقراء في العالم النامي.

ويوضح المدير العام للمنظمة الدكتور جاك ضيوف في مقدمته للدراسة السنوية أن "لا القطاع الخاص أو العام قد وجه استثمارات ذات شأن إلى التقنيات الحيوية في مجالات ما يعرف باسم 'المحاصيل اليتيمة' مثل اللوبيا والدخن والذرة والتيف، بوصفها موادٍ غذائية ذات أهمية حاسمة كمصدر غذائي وكمورد معيشي لسكان أشد البلدان فقراً في العالم".

بل وحتى المحاصيل الغذائية الرئيسية بالنسبة لفقراء العالم، ألا وهي القمح والأرز والذرة البيضاء والبطاطس والكسافا، فلم تزل طي الإهمال من جانب هذه البحوث والإستثمارات، وفقاً لتقرير المنظمة لعام 2004. وفي الوقت ذاته فأن الخواص ذات الأهمية النوعية في حالة زرّاع العالم الفقراء مثل قدرات تحمّل الجفاف والملحيّة ومقاومة الأمراض والمحتوى المُعزز من المغذيات الدقيقة، فلم تتلق كبير اهتمام في سياق مثل هذه البحوث.

قضايا هامة عالقة

لا غرار أن التكنولوجيا الحيوية الزراعية تنطوي على قدراتٍ كامنة حقيقة كسلاح في الحرب على الجوع.

ولكن على نحو ما يكشف تقرير المنظمة "حالة الأغذية والزراعة في العالم،2004"، فثمة الكثير من الأسئلة العالقة التى لم تقدم لها إجاباتٌ بعد.

فكيف يسع مزيدٌ من المزارعين في مزيدٍ من البلدان الإفادة من التكنولوجيات البازغة في "ثورة الجينات"؟ وما هي أولويات بحوث التكنولوجيا الحيوية التي قد تشمل الفقراء على الأكثر بفوائدها؛ ومن هو الذي سيتولّى تطوير ابتكارات وراثية لصالح أصغر البلدان النامية ذات قدرات التسويق المحدودة التي لا تعد بالكثير لاستثمارات القطاع الخاص، فضلاً عن كونها من الضعف الإقتصادي بحيث لا تملك تطوير بحوثها الخاصة في هذا المجال؟ وكذلك، كيف يتسنى لنا تيسير عمليات تطوير كائنات مشتركة الجينات ومأمونة العاقبة ونقلها على الصعيد الدولي... فضلاً تشجيع التشارك في الملكية الفكرية لتلك الإبتكارات خدمة للمصلحة العامة؟

ومن أهم القضايا الأخرى: كيف لنا أن نضمن امتلاك البلدان- ولا سيما تلك المجهدة إقتصادياً في العالم النامي- لنظم التقييم الكافية للمخاطر المحتملة على البيئة وصحة الإنسان وتطبيقها بصورة سليمة لكي تمضي بعمليات جس النبض المطلوبة قبيل إطلاق الكائنات المعدّلة وراثياً وتقدير نتائجها في المراحل اللاحقة للإطلاق.

مثل هذه التساؤلات وغيرها هي ضمن ما يتناوله تقرير "حالة الأغذية والزراعة في العالم، 2004" من قضايا مع طرح بعض النُهُج المقترحة على البلدان المعنية والمجتمع الدولي ككل، كي تشرع في سياق الإستخدام السليم لتقنيات التكنولوجيا الحيوية كأسلحة ناجعة في الحرب على الجوع.

صدر في مايو\آيار 2004
المنظمة

للمزيد من الاطلاعات

التكنولوجيا الحيوية: هل تلبّي احتياجات الفقراء؟

الثورة الخضراء في مواجهة ثورة الجينات

التكنولوجيا الحيوية في الميدان

سد الفجوة الجزيئية

للإتصال

جورج كوروس
المسؤول الإعلامي: تساؤلات حول المقال
george.kourous@fao.org
Tel(+39) 06 570 53168

إرفين نورتوف
المسؤول الإعلامي لدى المنظمة: إستفسارات صحفية حول "حالة الأغذية والزراعة في العالم، 2004"
erwin.northoff@fao.org
Tel(+39)0657053105

المنظمة/20480/آر. درو

باستخدام التكنولوجيا الحيوية سوف يسع العلماء تغيير التكوين الوراثي للنباتات لإنتاج مزيد من المغذيات والفيتامينات.

المنظمة//آر. درو

لم يزل سياق تقييم الآثار البيئية والصحية للنباتات المحصولية المعدّلة وراثياً، في أول الطريق.

المنظمة/23946/م. بلايش

لم يستثمر إلى الآن إلا أقل القليل في بحوث "المحاصيل اليتيمة"، مثل التيف الذي يعد من أهم أغذية أفقر فقراء العالم.

إرسل هذا المقال
التكنولوجيا الحيوية: هل تلبّي احتياجات الفقراء؟
إذ تملك المحاصيل الغذائية المهَندسة وراثياً إمكانيات هائلة كأداة ضد الجوع، فلم يُستغل إلى الآن غير القليل من تلك الإمكانيات
هل يسع "الثورة الجينية"، أو استخدام التكنولوجيا الحيوية في القطاع الزراعي أن تساهم في مجابهة تحديات تلبية الإحتياجات الغذائية المتزايدة للأعداد المتنامية من سكان الكوكب؟
مطلوب عنوان البريد الإلكتروني للمتلقي
مطلوب عنوان صالح للبريد الإلكتروني للمتلقي
RSS