![]() | ||||
|
||||
|
||||
أحداث ذات صلة |
تعبئة الموارد لضمان الحق فى الغذاء |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
المقدمة
يشكل سكان الريف حوالى 70 فى المائة من مجموع الفقراء والجياع فى العالم، وأغلبية الفقراء ستظل من سكان الريف طوال عقدين آخرين من الزمان على أقل تقدير. وتعتبر المناطق الريفية فى البلدان النامية أفضل أمل لحل مشكلة الجوع العالمى، ولابد أن يحتل سكان الريف مكان الصدارة فى كافة المبادرات السديدة الرامية إلى الحدّ من الجوع. وإن التركيز على البعد الريفى فى مبادرات مكافحة الجوع لا يعنى إغفال مشكلة الفقر المتزايد فى المناطق الحضرية. ومن المعروف أن عدد سكان العالم فى المناطق الحضرية فى العالم سيفوق عدد سكان المناطق الريفية فى الفترة 2020 - 2025، ولكن الفقر الحضرى فى البلدان النامية ينبع من الريف. ويكون الفقر الريفى نذير بالفقر الحضرى إذا ساعد على تسريع الهجرة من الريف إلى الحضر بوتيرة تتجاوز قدرة المدن على توفير فرص العمل والبنى التحتية اللازمة. ولابد من مواجهة هذه المشكلة الآن وليس فيما بعد عندما يتيح الاقتصاد القائم أساسا على المناطق الحضرية توفير الوسائل لمساندة القطاع الريفى فى نهاية الأمر. وبناء على ذلك ستتبنى المناقشة التالية منظورا ريفيا إزاء مشكلة الفقر والجوع. لماذا ينبغى تطبيق نهج قائم على الحقوق إزاء سياسة الأغذية؟ إن من المحزن حقا أن استمرار الجوع فى عالم الوفرة مقترنا بالتقدم البطىء فى القضاء عليه منذ مؤتمر القمة العالمى للأغذية فى 1996، سيظل هو الشاغل الرئيسى لمؤتمر القمة العالمى للأغذية - خمس سنوات بعد الانعقاد. ومنظومة الأمم المتحدة هى التى اضطلعت بدور رائد فى هذا المسعى ُتعاونها منظمات دولية غير حكومية كثيرة فى مختلف أنحاء العالم وعدة حكومات فى البلدان النامية والمتقدمة. وقد اكتسب النهج القائم على الحقوق إزاء القضاء على الجوع، أى الحق فى الغذاء المكرّس فى القانون الدولى منذ فترة طويلة، زخما متزايدا فى السنوات التالية لانعقاد مؤتمر 1996. ويعزى تزايد الاهتمام بالحق فى الغذاء فى الآونة الأخيرة إلى تطورين اجتماعيين ضمن عوامل أخرى: 1 - التصنيع المتسارع للنظم الغذائية وعولمة تجارة الأغذية مما أدى إلى إغفال غير القادرين على المشاركة نظرا لنقص ما لديهم من أراض أو أصول أخرى، ونقص المهارات والتكنولوجيا، وبسبب وزن الأسواق والتمييز القائم على الاعتبارات العرقية ونوع الجنس. 2 - الآثار المدمرة لوباء فيروس المناعة البشرية/متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) على الضحايا وأسرهم ممن لا يستطيعون لها دفعا، وعلى الإمدادات الغذائية، فضلا عن الضغوط الخاصة لتوسيع نطاق الحق فى الغذاء. وهذا النهج القائم على الحقوق يلزم الدول أن تحدد أهدافا غذائية وتغذوية وتضع سياسات لتطبيق هذه الأهداف، إن لم تكن قد فعلت ذلك بعد. وهذا النهج إزاء الأمن الغذائى يفرض التزامات على الدولة إزاء مواطنيها، كما يفرض حكم القانون وإشراك الفقراء والجياع أنفسهم فى وضع برامج مكافحة الجوع وتخطيطها وتنفيذها. وبهذا المعنى ترتفع حالة الجياع فى العالم البالغ عددهم 800 مليون نسمة إلى مستوى أخلاقى وسياسى أعلى، مما يجعلها أكثر استرعاء للانتباه وأشد إلحاحا، بحيث تحض الدول والمجتمع الدولى على اتخاذ تدابير أكثر قوة وعزما. وانطلاقا من المفهوم السائد بشأن الأمن الغذائى أى تيسّر الإمدادات الغذائية وتوافرها واستقرارها، يصبح الحق فى الغذاء هو القضية الرئيسية وليس مجرد الإنتاج(1). ويتعين من ثم على سياسة تستهدف إنشاء استحقاقات غذائية أن تحقق أحد أمرين: مساعدة الذين يفتقرون إلى الأمن الغذائى على تحسين إنتاجهم، إذا كانوا مزارعين، ومساعدتهم على اكتساب قوة شرائية للحصول على الغذاء فى الأسواق إذا لم يكونوا من المشتغلين بالزراعة. ومع ذلك فإن هذا النهج لا يشكل سوى جزء من الحل. فهناك عدد كبير ممن يفتقرون إلى الأمن الغذائى والجياع لا يمكن مساعدتهم على هذا النحو عند الحاجة فى الأجل القصير أو المتوسط. ويعزى هذا إلى تراجع الأسواق بمختلف أشكاله، والافتقار إلى العدل فى حيازة الأراضى، والتعرض للصدمات الخارجية، والمرض، والاستبعاد المالى والاجتماعى والتعليمى والعرقي والاستبعاد القائم على النوع، والصراعات، والكوارث الطبيعية، وأوجه القصور فى توزيع الأغذية على المستوى الأسرى. وساعد المنطق الاقتصادى الكامن وراء التعاون الإنمائى طوال أربعة عقود على تشجيع النمو الذى ساعد بدوره على الحد من أعداد الجياع. ولم يحدث ذلك نكسات ولم يمنع من بقاء عدد كبير من الجياع فى المؤخرة يعانون. ومن بين الأسباب التى حالت دون أن يحتل تخفيض الجوع مكانا أعلى فى جدول الأعمال حتى الآن، عدم الاعتراف بالجوع المزمن باعتباره كارثة إنسانية، مشابهة للحرب والكوارث الطبيعية الكبرى التى عادة ما تؤدى إلى اتخاذ تدابير عاجلة، والاعتماد بدلا من ذلك على الوصفات الاقتصادية وحدها. ومفهوم حقوق الإنسان القائم على الأمن الغذائى يتجاوز أى تباعد ممكن بين الطلب الفعلى على الغذاء والذى تحدده عوامل اقتصادية وبين الحاجة إلى الغذاء لدواع فسيولوجية وتغذوية. ومفهوم الحق فى الغذاء هو مفهوم محايد يعلو فوق سائر المفاهيم إذ يعترف بالحق لكل شخص جائع أو كل شخص يعانى سوء التغذية. وهو كحق إنسانى يحتل مرتبة أعلى من الدولة، بينما تخضع سياسة الأمن الغذائى لاختيار سياسى. ويعتبر الالتزام والمساءلة والشفافية والإجراءات القانونية الصحيحة تحت إشراف دولى، قواعد سلوكية أشد إلزاما للحكومات بمقتضى حقوق الإنسان أكثر منها بمقتضى خيار في مجال السياسات. الحق فى الغذاء - مصادره ووضعه الحالى شهدت حقوق الإنسان أكبر تقدم لها فى العصر الحديث أثناء عصر التنوير الأوروبى. وبدأت حقوق الإنسان باعتبارها حقوقا سياسية ومدنية ثم امتدت بعد ذلك لتشمل الحقوق الاقتصادية. ويصر فقهاء القانون على أن حقوق الإنسان تشكل كيانا واحدا لا يتجزأ، وليس ثمة اختلاف أو تراتب بين الحقوق في مجال السياسات/المدنية والحقوق الاقتصادية. وكما أنه لا يمكن لشعب أن يتمتع بحقوق سياسية بدون حد أدنى من مستوى المعيشة، فإن الحقوق الاقتصادية لا يمكن بلوغها وضمان استدامتها بدون حقوق سياسية ومدنية مثل حرية التعبير، وعدم التمييز، والإجراءات الديمقراطية والقانونية السليمة. وتكمن أهمية الحقوق الاقتصادية، شأنها شأن الحقوق السياسية، فى أنها تلزم السلطة بمختلف أشكالها باتباع أنماط سلوكية معينة. وكان الحق فى الغذاء قد ورد أصلا فى المادة 25 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان الصادر فى عام 1948، ثم ورد بشكل أكثر تحديدا فى العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذى تمت الموافقة عليه عام 1966، والسارى منذ 1976. وتنص المادة 11 من هذا العهد على حق كل إنسان فى مستوى معيشى ملائم بما فى ذلك الغذاء، وتتناول اتفاقات واتفاقيات وقوانين دولية أخرى الحق فى الغذاء لجماعات خاصة، ومثال ذلك اتفاقية حقوق الطفل، ويمكن أيضا أن تحمى الحق فى الغذاء بطريقة غير مباشرة مثل حالة اتفاقية حماية العمال المهاجرين واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقيات أخرى صادرة عن منظمة العمل الدولية. وقد صادق 142 بلدا حتى الآن على العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولكن الحق فى الغذاء كحق ملزم قانونا، وليس كمجرد مبدأ يسترشد به بوجه عام، لم يحظ بقبول عالمى. ولم تصادق بعض البلاد الرئيسية حتى الآن على العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبلدان قلائل هى التى أدخلت تعديلات على تشريعاتها الوطنية استجابة لهذا العهد. وتتولى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "وهيئاتها التعاهدية" مراقبة الامتثال لحقوق الإنسان. وهذه الهيئات هى لجان من الخبراء أنشئت بموجب مختلف اتفاقيات حقوق الإنسان. ويخدم مؤسسة حقوق الإنسان تلك مفوض سام لحقوق الإنسان وأمانة (مكتب المفوض السامى لحقوق الإنسان). ويجوز للجنة أن تعين مقررين خاصين لتناول مواضيع معينة أو لإيفادهم إلى بلدان مختارة. وقد عينت مقررا خاصا للأغذية هو السيد جين زيجلر من سويسرا، تتمثل مهمته فى إعمال الحق فى الغذاء. وأوصى التعليق العام رقم 12 لعام 1999، عن العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والصادر عن لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهى هيئة تعاهدية منبثقة عن ذلك العهد، أوصت، ضمن جملة أمور، بأن تشترع الدول أطرا تشريعية لتنفيذ الحق فى الغذاء، على أن تبين هذه الأطر الغرض من إعمال الحق فى الغذاء وأهدافه وجدوله الزمنى ووسائله بما فى ذلك دور الدولة والمجتمع المدنى والقطاع الخاص. وينبغى أن تضع الدول المعايير التى يمكن الاستناد إليها فى قياس التقدم المحرز فى تنفيذ الحق فى الغذاء ومراقبة أداء الدولة. والقانون الاطارى الخاص ليس هو الطريقة الوحيدة لتنفيذ الحق فى الغذاء فى التشريعات الوطنية، ذلك أن التشريعات الفعلية للرفاه فى البلدان المتقدمة وعدة بلدان نامية تشمل هذا الحق ضمنا. ومن ثم فقد أوصى المقرر الخاص، كبديل، بإجراء استعراضات وتعديلات تشريعية منتقاة للتشريعات الحالية انطلاقا من عقبات ملموسة محددة. وإن عمل المنظمة هو التزام نابع من دستورها وبمساعدة من الدول الأعضاء من أجل الارتقاء بمستوياتها التغذوية والمعيشية، وهكذا تكفل تخليص الإنسانية من الجوع. وقد اعتمد مؤتمر الأغذية العالمى المنعقد تحت رعاية المنظمة فى عام 1974 إعلانا عالميا عن القضاء على الجوع وسوء التغذية، أكد حق كل فرد فى أن يتحرر من الجوع، ودعا البلدان المتقدمة بوجه خاص إلى تقديم المساعدة للقضاء على الجوع. وثمة خطوة أخرى صوب التنفيذ الفعال للحق فى الغذاء تتمثل فى مدونة السلوك الطوعية للمنظمات غير الحكومية بشأن هذا الحق. وقد صيغت هذه المدونة عام 1997 وأيدتها أكثر من 800 منظمة غير حكومية. وهى تبين بمزيد من التفصيل التزامات الأطراف المختلفة وتستخدمها المنظمات غير الحكومية كأداة فى الدعوة إلى المناصرة. ويحظى اقتراح المنظمات غير الحكومية فى مدونة السلوك بتأييد حكومات عدة ومن المحتمل إدراجه فى "مؤتمر القمة العالمى للأغذية - خمس سنوات بعد الانعقاد". التعاريف والحدود عرّف التعليق العام رقم 12 الخاص بالعهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق فى الغذاء على النحو التالى (الايكسوك - ECOSOC - E/C.12/1999/5 - المؤرخ 12 مايو/أيار 1999): "يصبح الحق فى الغذاء الكافى أمرا واقعا عندما يحصل كل رجل وامرأة وطفل، فرادى أو بالاشتراك مع آخرين، من الوجهة المادية والاقتصادية وفى جميع الأوقات، على الغذاء الكافى أو الوسائل اللازمة لشرائه. ولا يفسر هذا الحق من ثم تفسيرا ضيقا مقيدا بمعنى أن يكون معادلا للحصول على حد أدنى من السعرات الحرارية والبروتينات ومغذيات معينة أخرى. ويتعين إعمال هذا الحق فى الغذاء الكافى بصفة تدريجية. ومع ذلك فإن على الدول التزاما أساسيا باتخاذ التدابير الضرورية للحد من الجوع وتخفيف وطأته. حتى فى أوقات الكوارث الطبيعية وغيرها من الكوارث. ولبّ الحق فى الغذاء الكافى إنما يتمثل فى توافر الطعام من حيث الكم والنوع بصورة تكفى لتلبية الاحتياجات الغذائية للأفراد، على أن يكون خاليا من المواد الضارة ومقبولا فى ثقافة معينة، وأن تتوافر إمكانات الحصول على هذه الأغذية بطريقة مستدامة وعلى نحو لا يتعارض مع التمتع بحقوق الإنسان الأخرى". ومن ثم فإن الحق فى الغذاء ينطوى على الحصول اقتصاديا وماديا على غذاء متوازن لكل فرد وفى أى وقت فى حدود المعايير الثقافية للمجتمع، وبدون أن يؤدى ذلك إلى سحب موارد من احتياجات أساسية أخرى. ويرتبط الحق فى الغذاء بحقوق أخرى من حقوق الإنسان من بينها الحق فى الصحة والتعليم والعمل والأمن الاجتماعى، وأيضا الحق فى حرية التعبير، وإنشاء الرابطات، والحركة، وتطبيق العدالة، وفوق ذلك كله الحق فى الحياة. ويرتبط الحق فى الغذاء ارتباطا وثيقا أيضا بالأهداف الإنمائية للألفية(2). والهدف الذى حدده مؤتمر القمة العالمى للأغذية بتخفيض عدد الذين يعانون نقص التغذية فى العالم إلى النصف بحلول عام 2015، يندرج ضمنا فى الهدف الإنمائى الأول للألفية. وثمة علاقة وثيقة بين الحق فى الغذاء وتخفيف وطأة الفقر، وهى علاقة أصبحت تشكل مبدأ هاديا لوكالات المساعدة الدولية. والجوع هو المظهر الرئيسى وليس الوحيد للفقر المدقع. ومعالجة الفقر تعنى بالنسبة للكثيرين معالجة الجوع. ومع ذلك فإن هذه العلاقة السببية تتسم بالتعقد، إذ أن الجوع ينشأ عن الفقر ولكنه يسهم فى الفقر أيضا. ولوحظ فى شرق آسيا أن الفقر انخفض بمعدل أسرع من نقص سوء التغذية فى تسعينات القرن الماضى. وتظهر الإحصائيات على مستوى العالم أن من يعيشون فى ظروف الفقر المدقع يزيدون 50 فى المائة عن هؤلاء الذين يعانون من الجوع المزمن. وهناك من الشواهد ما يدل على أن الجياع يشملون عددا غير متناسب من النساء والأطفال، مما يشير إلى أوجه قصور فى توزيع الأغذية داخل الأسر وفى جماعات الأقليات. وهناك أيضا جماعات أخرى من الجياع ومن يعانون سوء التغذية لا ينطبق عليها التعريف التقليدى للفقراء. وقد تكون لديهم أصول عاجزة عن الأداء أو يتعذر استعمالها بطريقة منتجة بسبب أوجه قصور مؤسسية أو سوقية، أو نظرا لتدنى ثقافتهم التغذوية أو ربما لأنهم يعيشون فى مناطق نائية ولا تتوافر لديهم الإمكانات المادية للحصول على غذاء كاف. ومن ثم فإن من الشروط الأساسية المسبقة لاستراتيجيات مكافحة الجوع وضع مؤشرات قابلة للقياس يمكنها بسرعة وبتكلفة زهيدة الكشف عن الجوع بمختلف أشكاله بغية استهدافه فى إطار برامج عامة لمكافحة الفقر. الحق فى الغذاء ما هو؟ ومتى لا ينطبق؟ والمنطقة الرمادية إن الحق فى الغذاء هو أساسا التزام على الدولة تجاه مواطنيها بتهيئة بيئة لتمكين الفقراء والجياع. وقد أعرب عن بعض أوجه القلق من أن يؤدى إعمال هذا الحق إلى استنفاد ميزانيات الحكومات وإغراق المحاكم بالقضايا وتعزيز عقلية الرفاه. وإن الفضل يرجع إلى السيد أسبيورن عيد، المدير السابق للمعهد النرويجى لحقوق الإنسان وعضو اللجنة الفرعية للأمم المتحدة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان، فى وضع مفهوم الحق فى الغذاء وفى تبديد مثل هذه المخاوف لدواع عملية. وقد تبنت إطاره التحليلى هذا لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبناء على ذلك انقسم التزام الدولة بتأمين الحق فى الغذاء إلى سلسلة من التدخلات المكثفة المتعاقبة فى حالة فشل المحاولات المبذولة لضمان الأمن الغذائى فى المراحل السابقة. ويوضح الجدول التالى هذه العلاقات:
المصدر: U. Kracht نهج قائم على حقوق الإنسان إزاء تنمية الأغذية والتغذية - تأملات فى إطار اللجنة الفرعية المعنية بالتغذية والتابعة للجنة التنسيق الإدارية، عرض قُدم أثناء حلقة عمل أثناء المؤتمر الدولى السابع عشر للتغذية، فيينا، أغسطس/آب 2001. وفيما يتعلق بالمستويات الثلاثة الأولى، لا يقتضى الأمر موارد مالية كثيرة، ولكنه يتطلب تقوية وظائف الشرطة والقضاء وصوغ سياسات واستراتيجيات وبرامج ملائمة. وسيسهم المجتمع المدنى والقطاع الخاص، وفقا للأدوار المحددة لكل منهما، بقسط كبير فى تحقيق الأمن الغذائى شريطة أن توفر الدولة الشروط اللازمة لعملهما على نحو مستدام. والمستوى الأخير فقط، العون، هو الذى يتطلب من الدولة دورا فعّالا لضمان الحصول على الغذاء. أما مسألة ما إذا كان ينبغى لهذه المرحلة أو المراحل السابقة أن تكون قابلة للنفاذ قانونا، فهى لاتزال موضع نقاش مستمر. وفى واقع الأمر فإن الالتزام بتقديم العون ليس له ثقل كبير فى البلدان التى لايزال يتعين عليها تنفيذ الخطوات الثلاث الأولى التى من شأنها أن تحل معظم مشكلة الجوع فيها. أما فى البلدان الأخرى التى تتمتع ببيئة مناهضة للجوع، فقد يكون فيها نوع من التردد فى تقبل مفهوم الالتزام الدائم والنافذ قانونا بتقديم العون. وإذا لم تكن الدولة قادرة على تقديم العون فإن عليها أن تطلق نداءات دولية من أجل الأغذية أو المدخلات الزراعية أو غيرها من الإمدادات المطلوبة لمكافحة الجوع. وعلى الرغم من أن الاتفاقيات الدولية لا تنص على عقوبات قانونية لإجبار الدول على تنفيذ الحق فى الغذاء، فإن الاهتمام الدولى الذى يوجه إلى حكومة لا تفى بالتزاماتها هو فى حد ذاته حافز قوى على الامتثال. ويقع على عاتق الدول عندئذ العبء لإثبات أنها اتخذت التدابير الضرورية. التكلفة الاقتصادية على الرغم من أن تكاليف الجوع وسوء التغذية لابد أن تقاس فى نهاية الأمر على ضوء المعاناة النفسانية والفسيولوجية وفقدان الكرامة الإنسانية، إلا أن التفكير الاقتصادى يستخدم الآن على نحو متزايد فى الدعوة إلى مكافحة الجوع. والفطرة السليمة تفيد بأن الشخص الجائع يكون أقل نشاطا وإنتاجا وأن الطفل الجائع يكون أقل قدرة على التعلم الجيد. ويسبب الجوع المزمن أضرارا طويلة الأجل للصحة ويخفّض متوسط العمر المتوقع، وينشر آثاره الضارة من الأفراد المصابين إلى الآخرين من خلال النقل عبر الأجيال، ويسهم فى عدم الاستقرار الاجتماعى والسياسى. ونتيجة لذلك يعانى الشخص المصاب كما تعانى الأسرة والمجتمع والبلد خسائر من جراء عدم تحقيق الإمكانات واستغلال الطاقات. ويبين عدد متزايد من الأدلة وجود علاقات كمية بين تفشى الجوع والأداء الاقتصادى الكلى، وبين الفقر وانعدام الأمن الغذائى وتواتر الصراعات. ما هى الموارد المطلوبة لتأمين الحق فى الغذاء ؟ إن الحق فى الغذاء هو الذى يوجه العملية التى يمكن من خلالها الحد من الجوع، وليس له مطالب على الموارد فى حد ذاتها، على الرغم من أن السياسات والاستراتيجيات المترتبة عليه تحتاج إلى موارد. ومن المحتمل أن تختلف الاستراتيجيات والسياسات المناهضة للجوع اختلافا كبيرا من بلد إلى آخر. وقبل المطالبة بموارد إضافية، فإن إعادة تخصيص الموارد الحالية يمكن أن يحدث تأثيرا كبيرا. وإعادة تخصيص الموارد نحو تخفيف وطأة الفقر والجوع سيؤدى إلى الاستقطاع من بنود وأوجه استعمال أخرى. وعادة ما تكون الشواغل الناشئة فيما يتعلق بفعالية إعادة التوجيه هذه لا أساس لها. ومن المسلم به على نطاق واسع أن للتخصيص العادل للموارد، بما فى ذلك الموارد المكرسة لتخفيف الجوع والفقر، تأثيرا أقوى على الرفاه الوطنى والنمو الاقتصادى إذا ما قورن بالتخصيص غير العادل للموارد. ويوصى المشتغلون بالتنمية باتباع نهج متزامن ذى شقين إزاء تخفيف وطأة الجوع عبر النمو الاقتصادى العام والتركيز على أهداف معينة. والنهج الإنسانى يمكن أن يكون عديم الفعالية فى حد ذاته. وفى حالة غيبة سياسات مساندة أو فى حالة وجود عقبات سياسية أو عسكرية فإن التكلفة يمكن أن تكون باهظة بحيث لا يمكن للهيئات المانحة أن تتحملها أو أن تكون أعداد الجياع المستفيدين من موارد معينة ضئيلة للغاية. والنمو الاقتصادى وحده قد لا يكون شاملا بدرجة كافية لكافة الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائى. والنمو الاقتصادى فى المناطق الريفية هو الطريق الملائم نحو تخفيض الجوع على نحو مستدام فى الأجل الطويل. وتشمل متطلبات المساعدة والتدخلات في مجال السياسات فى هذا المسار توفير السلع والخدمات العامة وإسداء المشورة فى مجال السياسات وتهيئة بيئة ملائمة لمساعدة المزارعين على الإنتاج، وتمكين الأعمال التجارية الزراعية من الشراء والتجهيز والبيع، ومساعدة من لا يملكون الأراضى على العمل فى المزارع أو فى مجال الاقتصاد غير الزراعى. أما المسار الآخر الموجه إلى الفقر والجوع مباشرة فإنه يشمل توفير الإمدادات الغذائية لإطعام تلاميذ المدارس وبرامج الغذاء مقابل العمل، والنفقات كثيرا ما تكون مؤقتة عن عمد للتغلب على أوضاع طارئة. وهذا المفهوم المزدوج إنما يرمى إلى الاستجابة للضرورات، ولكن هناك فى واقع الأمر مجالات كبيرة للتداخل. والتفرقة بين البرامج الإنتاجية والمولّدة للدخل وبين برامج الرفاه غير الإنتاجية تتوارى وتختفى عندما يتسنى فهم التكاليف الضمنية والآثار الاجتماعية والاقتصادية السابقة للجوع والحرمان. وإن برامج الإصلاح الزراعى التى توفر أصولا إنتاجية للفقراء الذين لا يملكون الأراضى يمكن أن تساعد فى آن واحد على دعم النمو فى الأجل الطويل وعلى تخفيف وطأة الجوع فى الأجلين القصير والمتوسط. ما هى كمية الموارد اللازمة للحق فى الغذاء؟ وكيف يمكن الحصول عليها؟ إن الحق فى الغذاء، كما قيل أعلاه، حق إنسانى مطلق لا يحده زمان أو مكان، ولا ينطوى فى حد ذاته على موارد تمويله. وتعتمد الموارد اللازمة لتمويله أساسا على الاستراتيجيات الغذائية المتبعة. وقد اتفق المجتمع الدولى على استراتيجية عالمية عريضة لتنفيذ الحق فى الغذاء على مراحل خلال الثلاثة عشر عاما القادمة فى إطار أهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية وخطة عمله. ومن الممكن بناء على ذلك أن تكون تكاليف السعى لتحقيق الحق العالمى فى الغذاء معادلة لتقديرات تكاليف بلوغ أهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية. والتكاليف التقديرية لتخفيض الفقر غير مؤكدة بطبيعتها كما أن المشاكل المنهجية الناجمة عن الترابط بين الحق فى الغذاء وحقوق الإنسان الأخرى تجعل من الصعب تحديد رقم تكاليف إزالة أحد أشكال الحرمان، وهو الجوع. وثمة نطاق واسع من نواتج برامج تخفيض الجوع عند مستويات معينة للموارد، تبعا للسياسات التى تنتهجها الدول المعنية. ولابد من التغلب على عقبات هامة أخرى غير الموارد المالية، ومن ذلك العقبات المتصلة بالتنظيم الداخلى لمؤسسات التمويل وتشغيلها، والأولويات فى البلدان المقترضة ذاتها. وحاولت مصادر مختلفة(3) أن تضع تقديرات لتكاليف تحقيق أهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية والأهداف الإنمائية للألفية. وهى تقدر بمبلغ يتراوح بين 10 - 20 مليار دولار أمريكى إضافى سنويا، تشكل المساعدة الإنمائية الرسمية حوالى نصفها، تخصص أساسا للاستثمارات فى القطاع الريفى بموجب النهج المزدوج. ومقارنة بذلك وضع البنك الدولى تقديرات للمساعدة الإنمائية الرسمية تتراوح بين 40 - 60 مليار دولار أمريكى إضافية رأى البنك أنها ضرورية سنويا للاستثمار فى جميع القطاعات الاجتماعية فى المناطق الريفية والحضرية بغية تحقيق مختلف الأهداف الإنمائية للألفية. وإن جمع موارد بهذا الحجم لن يرهق الأسواق المالية الدولية والميزانيات الحكومية، وستظل هذه الموارد دون الهدف المنشود وهو 0.7 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى الذى حددته بلدان منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية لنفسها منذ عقود خلت. والموارد المالية الإضافية ليست هى العنصر الحاسم فى السعى لتنفيذ الحق فى الغذاء. إن إعمال هذا الحق يتطلب قبل أى شئ آخر اتفاقا وتوافقا دوليا عاما فى الآراء على أن الجوع هو أهم مشكلة فى الساحة الإنمائية حاليا. وقد أثبتت التجربة أن الموارد العامة متاحة للقضايا التى تحظى بمساندة سياسية قوية. ويتعين دعم أنشطة الدعوة إلى المناصرة من أجل بناء الإرادة السياسية الضرورية لجمع الموارد التى يتطلبها تأمين الحق فى الغذاء. ولابد أن ترتكز المبررات أولا على حجة أخلاقية مفادها أن استمرار الجوع المزمن هو عار لا يمكن تحمله فى عالم اليوم، وأن تستند إلى الإدراك بأن من المنطقى استئصال الجوع أيضا لاعتبارات اقتصادية. أما الاستراتيجية فلابد أن تقوم على أساس أن تخفيف وطأة الفقر والجوع على نحو دائم ومستدام يعتبر عملا مستحيلا بدون نمو اقتصادى، وأن النمو وحده لا يعمل بالسرعة الكافية والمدى المطلوب، ولابد من أن يقترن بتدابير معينة. كيف يمكن للمجتمع الدولى أن يقدم يد العون؟ قدم المجتمع الدولى العون المباشر فى الحد من الجوع عن طريق المساعدة الغذائية والإصلاحية للجماعات التى عانت من الكوارث الطبيعية والبشرية. وعلى الرغم من أن الجهود الإنمائية قد أسهمت فى تعزيز التقدم الاقتصادى إلاّ أنها كثيرا ما أخفقت فى الحد من الجوع على المدى القصير والمتوسط. وحيثما يكون سبب الفقر هو الجوع، وسبب الفقر المدقع هو قصور الأسواق والمؤسسات أو الكوارث البشرية أو الطبيعية، تصبح المساعدة الغذائية المباشرة وشبكات الأمان ملائمة لمساندة النمو العام. وإن بوسع المجتمع الدولى أن يساعد الدول على تنفيذ الحق فى الغذاء من خلال المعونة المالية والتقنية والسياسية والإنسانية. ويمكن دعم الاحترام للحق فى الغذاء من خلال المراقبة الدولية والدبلوماسية والمساعدة فى إعداد واستكمال إطار قانونى للحق فى الغذاء. وانتهاكات هذا الحق تحدث من جانب الأشخاص أو الهيئات أو المسؤولين الأفراد أكثر مما تنجم عن سياسة حكومية مركزية متعمدة. وقد استحدث المجتمع الدولى فى السنوات الأخيرة نظاما محكما لآليات وضمانات الرقابة ضد ابتزاز المال والفساد، وانتهاك حقوق الأقليات وحقوق الجنسين، والتجاوزات البيئية، وهى تقوم بتنبيه الحكومات ومساعدتها على العمل ضد مرتكبى هذه الانتهاكات. ويمكن مساندة العمل لحماية الحق فى الغذاء عن طريق توفير الدعم التقنى والمالى للسلطتين التنفيذية والقضائية فى الحكومة. ويمكن أن يشمل ذلك إقامة نظام الوسيط (أمين المظالم)، والمساعدة فى وضع تشريعات بشان الأمن الغذائى، والتفتيش، ووضع خرائط للفقر، ومراقبة الجوع، ونظم الإنذار المبكر، ودعم مراقبى المنظمات غير الحكومية فى سعيهم لزيادة الوعى بشأن حالات انتهاك الحق فى الغذاء وغيره من حقوق الإنسان. والمساعدة الدولية فعالة للغاية وستظل كذلك على مستوى مرحلة إنجاز الحق فى الغذاء، وذلك من خلال تقديم العون الإنمائى والتقنى والمالى والإنسانى بالتعاون مع الحكومات. أما مرحلة التيسير فهى تشمل مساعدة الدولة على تأمين عمل الأسواق بطريقة سلسة، وإجراء مفاوضات تجارية، وضمان حقوق الملكية وحيازة الأراضى، وإسداء المشورة بشأن السياسات، وتمويل البرامج والمشاريع للحد من الفقر والجوع، والتنمية العامة، وتوفير مجموعة من السلع العامة العالمية التى تساعد على زيادة الإنتاجية الزراعية ودعم البيئة فى مختلف أنحاء العالم. وبوسع المجتمع الدولى فى مرحلة العون أن يساعد فى تصميم شبكات الأمان وتقديم المساعدة الغذائية والبذور والأسمدة فى أعقاب كوارث مثل الجفاف والفيضانات والصراعات، وتنفيذ مشاريع للتغذية المدرسية. وبوسعه أيضا أن يعاون فى بناء القدرات، وتكوين جماعات المستفيدين ودعمها، وفى صياغة النداءات الدولية من أجل المساعدات والمساهمات الغذائية وتنسيق الاستجابة لها. كيف يمكن المضى قدما فى تأمين الحق فى الغذاء؟ إن الحق فى الغذاء أصبح الآن حقا راسخا فى القانون الدولى إلاّ أنه يتطلب الآن نهوجا عملية لتطبيقه. ويرد فيما يلى عرض موجز لبعض القضايا الرئيسية التى أسفرت عنها المناقشة السابقة والتى يمكن للمجتمع الدولى أن يسهم فى إثرائها عن طريق المزيد من التفكير والتأمل. الحق فى الغذاء والكفاءة الاقتصادية إن الحق فى الغذاء باعتباره حقا إنسانيا عالميا ينطوى على تعارض مع الشواغل الدولية بشأن كفاءة المساعدات. وثمة وجهات نظر ترى أن حقوق الإنسان هى حقوق مطلقة ولا يمكن مناقشتها مطلقا على نفس مستوى الكفاءة الاقتصادية. ويرى آخرون أن الدعم الدولى لحشد الموارد سيتراجع إذا لم تستعمل المساعدة بطريقة تتسم بالكفاءة والفعالية. والتوصل إلى حل وسط بين الطابع العالمى للحق فى الغذاء والتقدم العملى فى تحقيقه يقتضى المزيد من التأمل والنقاش. وثمة حاجة ماسة بوجه خاص لتناول السبل الكفيلة بضمان الحق فى الغذاء للجياع فى البلدان التى "جانبها التوفيق فى عملية الإصلاح" أو التى تعانى من النزاعات. التغلب على العقبات المؤسسية إن الموارد المالية الإضافية المطلوبة لبلوغ أهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية والأهداف الإنمائية للألفية ليس فيها إفراط على الإطلاق إذا ما قورنت بحصتها من الناتج المحلى الإجمالى فى بلدان منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية. وأكبر العقبات بعد العقبات السياسية هى العقبات المؤسسية. ويتعين على المجتمع الدولى أن يجد السبل والوسائل لمضاعفة تدفقات المساعدة فى غضون فترة قصيرة مع التركيز على الفقر والجوع فى عدد ضئيل من المناطق الجغرافية وفى قطاعات أقل دون إغفال المساءلة والشفافية والنوعية. والحاجة ماسة إلى قنوات جديدة لتقديم المساعدة وآليات مالية ابتكارية حتى يمكن الوفاء بالتعهدات فى الموعد المحدد وهو عام 2015. ويتعين كذلك تسريع عملية إصلاح السياسات فى البلدان المتلقية وأن تقترن بتوفير شبكات أمان لتيسير الإصلاح ودعمه. عولمة التأييد للحق فى الغذاء إن مفهوم حقوق الإنسان يتميز أساسا بطابعه العالمى. وهذا يعنى سواء بالنسبة إلى الحق فى الغذاء أو سائر حقوق الإنسان، أنه ينبغى تأمين قبولها ودعمها من البلدان كافة. ولابد من صوغ تفاصيل التنفيذ على نحو يكفل أكبر توافق ممكن فى الآراء بشأن التطبيق العملى للحق فى الغذاء. ومدونة السلوك الدولية المقترحة بشأن الحق الإنسانى فى الغذاء يمكن أن تكون خطوة هامة إلى الأمام شريطة أن تصاغ على نحو يسمح للبلدان جميعا بأن تسهم فيها بغض النظر عن مستواها الإنمائى. ويلاحظ أن 20 بلدا ناميا فقط من الـ 142 بلدا التى وقعت على العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اعترفت صراحة بالحق فى الغذاء فى تشريعاتها الوطنية. وينبغى من ثم تسريع عملية صياغة تشريع إطارى أو إدخال تغييرات مماثلة على القوانين الوطنية وصوغ سياسات ملائمة واتخاذ تدابير إدارية تنفيذية فى البلدان الفقيرة. وينبغى للمجتمع الدولى أن يفكّر فى تحفيز البلدان المعنية على القيام بذلك وأن يزيد من مساعدته فى صياغة جداول الأعمال التشريعية وفي مجال السياسات. وينبغى لوكالات المساعدة الدولية - المتعددة الأطراف والثنائية والمنظمات غير الحكومية، أن تمعن النظر فيما سيترتب عن التوجه القائم على الحقوق لأنشطتها، من آثار عملية وفي مجال السياسات. وينبغى مواصلة البحث والتقصى أيضا فى المزايا العالمية للحق فى الغذاء من حيث الاستقرار الجيوبوليتيكى، بالإضافة إلى ما تم إنجازه على مستوى الأسرة والمجتمع والمستوى القطرى، وذلك لأغراض حملة المناصرة. إدماج الحق فى الغذاء فى استراتيجيات الحد من الفقر أدت الأنشطة الرامية إلى الحد من الفقر إلى اعتبار التنمية الاقتصادية العامة من جديد الهدف الرئيسى للمساعدة الدولية فى البلدان الفقيرة. وستكون هناك حاجة إلى أوراق استراتيجيات الحد من الفقر ليس فقط بموجب مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، كما بدأت أصلا، ولكن بالنسبة إلى المسائل المالية غير التجارية. وسيتعين إدخال الحق فى الغذاء فى الاستراتيجيات القطرية للحد من الفقر لاسيما عن طريق تناول التنمية الريفية، والحد من الفقر، والتغذية. وإن البلدان بحاجة إلى المشورة فى مجال السياسات وبحاجة أيضا إلى المساعدة التقنية لصوغ استراتيجيات للحد من الفقر تتخذ من الجوع مرتكزا ومنطلقا، باعتبارها جزءا من مجموعة تدابير بشأن المنح تستهدف زيادة الأنشطة السابقة على الاستثمار وتوفير السلع العامة العالمية، بحيث يتسنى تهيئة بيئة ملائمة لشن حملة مركزة على الجوع. المرفق"تكلفة" الحق فى الغذاءيتناول القسم التالى المحاولات التى بذلت لتقدير الموارد المالية المطلوبة للأمن الغذائى والتنمية الريفية تحقيقا لأهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية والأهداف الإنمائية للألفية. وتُناقش فى سياق(1) مسألة الإرادة السياسية وهى عنصر أساس آخر لابد من تعبئته من أجل الحق فى الغذاء.
المنظمةأعدت المنظمة فى سياق التحضيرات لمؤتمر القمة العالمى للأغذية المنعقد عام 1996 تقديرات للاستثمارات المطلوبة فى الزراعة لمواكبة النمو السكانى والاقتصادى على النحو المبين فى الدراسة الخاصة بالزراعة عام 2010. وحددت المنظمة الاحتياجات الاستثمارية الإجمالية فى مجال الزراعة الأولية وفى مجال التخزين والتجهيز لاحقا على أساس العلاقات المبسطة الخطية للمدخلات/المخرجات الزراعية، وعلى أساس وحدة التكلفة للاستثمار الزراعى. وارتكزت التقديرات الأولية للاستثمارات على الطلب الفعلى فقط أى الطلب الذى تظاهره قوة شرائية ولم تشمل الأمن الغذائى للأشخاص غير القادرين على المشاركة فى إنتاج الأغذية وأسواقها. وأجريت لاحقا دراسات أكثر دقة وتمحيصا(2) وسّعت من نطاق الأمن الغذائى وتناولت الموارد اللازمة لبلوغ أهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية. وبناء على ذلك وصل الاستثمار العام الإضافى المطلوب لتخفيض عدد الجياع إلى النصف بحلول عام 2015 إلى 20 مليار دولار أمريكى سنويا. ونصف هذه الزيادة سيكون مطلوبا فى شكل مساعدة إنمائية رسمية، وسيحصل على الجزء الباقى من موارد إضافية أو عن طريق عمليات إعادة التخصيص داخل الميزانيات القطرية (3). البنك الدولىوجّه البنك الدولى نداء أثناء مؤتمر القمة لتمويل التنمية المنعقد فى مونترى فى مارس/آذار 2002، من أجل مضاعفة المساندة الإنمائية الدولية خلال خمس سنوات من 50 إلى 100 مليار دولار أمريكى سنويا وحتى عام 2015 من أجل بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية. وصدرت وثيقة تحتوى على بيانات أساسية تأييدا لهذا النداء عنوانها "أهداف التنمية: التاريخ وآفاق المستقبل والتكلفة"(4) رأى فيها المؤلفون أن هناك حاجة إلى موارد إجمالية إضافية ومزيد من المساعدات الإنمائية الرسمية لتحقيق الأهداف الإنمائية للألفية. والنهج المتبع هنا له شقان: الأول: النمو الاقتصادى المطلوب لتخفيض عدد من يعانون الفقر المدقع إلى النصف (مع توقع أن يؤدى مثل هذا النمو إلى طلب فعّال على الخدمات الاجتماعية والبيئية وفقا للأهداف الإنمائية للألفية فى مجالات التعليم والصحة والاستدامة البيئية)؛ والثانى: إضافة تكلفة تحقيق ستة أهداف اجتماعية وبيئية معينة من الأهداف الإنمائية للألفية (الجدول 1) عن طريق الاستثمار المباشر. ويترتب على كليهما، النهج المباشر وغير المباشر، مبالغ متماثلة من الموارد الإضافية الإجمالية المطلوبة: مبلغ يتراوح بين 54 و 62 مليار دولار أمريكى سنويا لبلوغ هدف النمو وتخفيف وطأة الفقر، ومبلغ يتراوح بين 35 و 75 مليار دولار أمريكى سنويا لتحقيق الأهداف الاجتماعية والبيئية. وفيما يتعلق بتقدير المساعدة الإنمائية الرسمية انقسمت البلدان إلى مجموعتين. المجموعة الأولى وتتألف أساسا من البلدان ذات الدخل المتوسط، التى كانت بدأت تسير فعلا على الدرب ويمكن أن تحقق الأهداف الإنمائية للألفية فى ظل الجهود الحالية وبدون مساعدات إنمائية رسمية إضافية. والمجموعة الثانية وتتألف أساسا من البلدان ذات الدخل المنخفض ويبلغ مجموع سكانها 1 مليار نسمة، لم تتمكن من تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية بدون مساعدات إنمائية رسمية إضافية. وفيما يتعلق بكفاءة المساعدات انقسمت البلدان إلى فئتين أخريين: فئة حالفها التوفيق فى جهود الإصلاح وأخرى جانبها التوفيق (باستخدام نسب الادخار ومعدلات النواتج الرأسمالية الإضافية كمؤشرات). وتبعا لحصة الموارد (المختارة سياسيا) الموجهة إلى من يستعملون المساعدات بطريقة تتسم بالكفاءة أو الذين يحسنون إدارة الإصلاح، فإنه يمكن أن تتراوح المساعدة الإنمائية الرسمية المطلوبة لبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية بين 39 و 54 مليار دولار أمريكى سنويا. ووفقا لهذه التقديرات، لابد أن ترتفع المساعدة الإنمائية الرسمية من 0.25 فى المائة إلى حوالى 0.4 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى فى بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهى نسبة تقل عن النسبة الموصى بها وقدرها 0.7 فى المائة. وفيما يلى موجز لتقديرات البنك الدولى.
المعهد الدولى لبحوث السياسات الغذائيةأعد المعهد الدولى لبحوث السياسات الغذائية تقديرات لتكلفة الأمن الغذائى فى إطار توقعاته الغذائية العالمية لعام 2020، وعرّفت تكلفة الأمن الغذائى بأنها إجمالى استثمارات القطاع العام فى الزراعة والرفاه البشرى. واستخدم المعهد نموذجه الخاص بالتحليل السياساتى للسلع الزراعية والتجارة، وافترض ثلاثة تصورات: تصور خط الأساس، والتصور المتفائل، والتصور المتشائم. ويطبق التصور الأول الاتجاهات الحالية حتى عام 2020، باستثمارات تراكمية قدرها 578 مليار دولار أمريكى للرى والطرق الريفية والتعليم ومياه الشرب والبحوث الزراعية القطرية. وليس من المتوقع إحراز تقدم كبير فى ظل هذا السيناريو ولاتزال معظم المؤشرات تميل إلى الهبوط. وطبقا للتصور المتفائل، سيطرأ تحسن كبير (لا يمكن قياسه كميا) على الأمن الغذائى والرفاه البشرى، باستثمار قدره 802 مليار دولار أمريكى. والتكلفة الإضافية مقارنة بخط الأساس، وقدرها 223 مليار دولار أمريكى، تبلغ حوالى 10 مليار دولار أمريكى إضافى سنويا. أما التصور المتشائم باستثمار يقل 45 فى المائة عن خط الأساس فسيؤدى إلى تدهور خطير فى مؤشرات التنمية البشرية. الوكالة الأمريكية للتنمية الدوليةإن هدف الوكالة(5) على وجه التحديد هو تقدير الموارد المطلوبة لبلوغ أهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية. ووضعت هذه الوكالة خطوطا فارقة بين التدخلات العالمية والقطرية والقطاعية والأسرية. وكانت النفقات الإضافية المترتبة على التدخلات العالمية والقطرية لا تكاد تذكر، لأنها عادة ما تتعلق باتفاقات دولية، ومنع النزاعات، والإصلاح التجارى والقانونى، والمشاركة المدنية، وأنشطة المناصرة، وهى قضايا تشكل كلها تحديا للإرادة السياسية أكثر منها تحديا للميزانية. وعلى النقيض من ذلك فإن الاستثمارات القطاعية والأسرية تشمل الطرق الريفية وتوليد التكنولوجيا ونقلها، والمعونة الغذائية الموجهة نحو أهداف معينة، وتعليم المرأة، والمياه المأمونة، والإصحاح. وقد جرى تقييم تصورات أربعة: (1) تخصيص نصيب عادل للفرد من المساعدة؛ (2) تخصيص فعّال للمساعدة فى صالح البلدان التى أظهرت كفاءة أكبر فى استعمال ما تلقته من مساعدة، (3) حل وسط بين العدالة والكفاءة فى تخصيص الموارد، (4) وضع لاتقدم فيه الحكومات أى دعم في مجال السياسات، وتبذل الجهود فيه لبلوغ الأهداف الإنمائية للألفية عن طريق العمل الإنسانى وحده. وفيما يلى بيان التكاليف البديلة للاستثمارات:
ووفقا للتصور الأرجح، وهو التصور الثالث، فإن الاستثمار الإضافى يقل بدرجة طفيفة عن 5 مليارات دولار أمريكى سنويا.
وإن سهولة تحقيق أهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية، فى حالة توافر الموارد، إنما تختلف من منطقة إلى أخرى، ويتوقف ذلك على مدى عمق التغيير الذى يتعين إجراؤه فى الاتجاهات السائدة .وفى خلال حقبة التسعينات من القرن الماضى، انخفض عدد من يعانون من نقص الأغذية فى معظم المناطق، وإن كان الانخفاض بمعدلات تقل عما هو ضرورى لبلوغ أهداف عام 2015. وفى بلدان الاتحاد السوفييتى السابق زادت أعداد من يعانون من نقص الأغذية زيادة حادة على الرغم من أن أعداد الفقراء وليس الجياع هى التى كانت متاحة. ويبدو أن منطقة شرق آسيا هى وحدها المستعدة لبلوغ الأهداف المنشودة بدون صعوبات كبيرة. وفى جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، ستكون هناك حاجة إلى تسريع معدل تخفيض الجوع بما يعادل النصف (من 2 إلى 3 فى المائة). وفى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لابد من خوض معركة عنيفة لتسريع معدل تخفيض الفقر بما يعادل عشرة أضعاف ما كان عليه فى العقد الماضى. أما فى الشرق الأوسط فإن من الضرورى عكس الوضع من زيادة سنوية فى الجوع قدرها 3 فى المائة فى التسعينات إلى انخفاض سنوي مقداره - 5 فى المائة بين 2002 إلى 2015، على الرغم من أن الأرقام المطلقة صغيرة فى هذه المنطقة.
ما السبيل إلى حشد الموارد لتنفيذ الحق فى الغذاء؟انخفضت المساعدة الإنمائية الرسمية والموارد المحلية للزراعة والتنمية الريفية فى تسعينات القرن الماضى. وعلى الرغم من أن الهبوط قد بلغ أدناه على ما يبدو فإن المبالغ المخصصة لهذا الغرض لاتزال أقل مما ترى الوكالات الدولية أنه ضرورى لبلوغ الهدف. وإن ما ينذر بالسوء حقا ربما يكون الرأى الإجماعى الذى توصل إليه الفريق الرفيع المستوى للخبراء الذى التقى فى روما فى 25-26 يونيو/حزيران 2001 لمناقشة موضوع تعبئة الموارد للأمن الغذائى والتنمية الريفية، ومفاده أن انخفاض المخصصات للزراعة والقطاع الريفى لا يرجع إلى نقص الأموال التى يمكن إقراضها، حتى بشروط ميسرة، وإنما يرجع إلى العقبات والاختناقات المرتبطة بالتنظيم الداخلى لمؤسسات التمويل الدولية وعملياتها، وتحديد الأولويات من جانب البلدان المقترضة. وكانت توجد من جهة أخرى ثغرات فى الموارد اللازمة لتقديم منح لتنفيذ الأعمال الاقتصادية والقطاعية، ودراسات ما قبل الاستثمار، والعمليات الرائدة، ولتمويل السلع العامة العالمية التى تستند إليها وتنطلق منها البيئة الملائمة للبرامج والمشاريع السليمة فى مجال الاستثمار الزراعى والريفى. القروض الدوليةربما يكون من الضرورى التحفظ على الرأى القائل بأن الموارد المالية للإقراض لا تشكل عاملا معوقا، إذا كان الأمر يتعلق بتحقيق زيادة كبيرة نسبيا فى فترات قصيرة مثل حالة بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية. وهذا لا يعنى تحاشى العمل لتذليل العقبات الأخرى، بل يقتضى على العكس من ذلك مضاعفة الجهد للتغلب عليها. ومن المحتمل أن يظل الإقراض الميسر من مؤسسات التمويل الدولية الكبرى هو العمود الفقرى للمساعدة الإنمائية الرسمية فى مكافحة الفقر والجوع. ويتعين طلب الموارد الإضافية من الحكومات المساهمة أثناء مفاوضات التجديد الدورى للموارد. وهناك مثال افتراضى قد يصور الآثار المترتبة على مضاعفة المساعدة الإنمائية الرسمية(6). فى فترة تجديد الموارد الممتدة من 1999-2002، كان يوجد لدى الرابطة الدولية التابعة للبنك الدولى موارد تبلغ حوالى 15 مليار دولار أمريكى جاهزة لجميع الأغراض، وكان حوالى نصفها إيرادات جديدة والباقى موارد متأتية من تسديد القروض. ولكى يتمكن البنك من مضاعفة القروض الميسّرة، كان بحاجة إلى أثناء فترات تجديد الموارد مستقبلا إلى موارد جديدة تبلغ ثلاثة أضعاف المستوى السابق نظرا إلى أن تسديد القروض السابقة كان لا يمكن أن يرتفع على الفور بحيث يكون متاحا لإعادة الإقراض. وكان يتعين على البنك فى الوقت نفسه أن يضاعف سرعة الالتزام بتمويل جديد. وحيث إن موارد الموظفين لا يمكن بناؤها على وجه السرعة، كانت هناك حاجة إلى زيادة استخدام الإقراض المبرمج الذى يتطلب وقتا وموارد أقل فى عملية التحضير بالمقارنة مع الإقراض للمشاريع، ولكنه يحتاج إلى مؤسسات أقوى فى البلدان المتلقية. ويمكن أن تنشأ عقبة أخرى من جراء تزايد التركيز على الفقر. فالفقر يتركز أساسا فى المناطق الريفية فى إقليمين: أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب آسيا. والأمر هنا لا يقتضى فقط مضاعفة تسديد القروض الميسرة، ولكن لابد أيضا من تركيز التسديد من الناحية الجغرافية وبحسب القطاعات، بما ينطوى عليه ذلك من عقبات إضافية لابد من مواجهتها. إن تقسيم عملية الحشد والتعبئة إلى مراحل مسألة تنطوى على أهمية حاسمة. وهناك حاجة ماسة إلى استحداث أساليب تتسم بسعة الخيال لتسريع عمليات إعداد القروض وتسديدها. ويمكن التوسع فى استخدام المؤسسات التمويلية دون الإقليمية، كما يمكن انتقاء مصارف إنمائية وطنية كمقاولين من الباطن أو كمقرضين على ذمة مؤسسات التمويل الدولية الكبرى. ومثل هذه المؤسسات ستكون بحاجة إلى توسيع ولايتها التى تنحصر عادة فى الاستثمار المربح ماليا. المنحإن الجدل الذى استهلته الحكومة الأمريكية بشأن تقديم نسبة أعلى من المساعدة الإنمائية كمنح بدلا من قروض لا يغير من حيث الجوهر مسألة العقبات المؤسسية سواء فى الجانب المانح أو المتلقى نتيجة للتعامل مع تدفقات المساعدة المتزايدة إلى حد بعيد. ولاتزال المبررات والمساءلة والشفافية أمور ضرورية لمختلف أنواع التمويل. وفى حالة العمل السابق على الاستثمار لابد أن ينمو التمويل فى شكل منح بحيث يتمشى مع الإقراض الإضافى من أجل تخفيف وطأة الفقر والجوع(7). وعلاوة على ذلك فإن هناك حاجة إلى مزيد من السلع العامة العالمية. وهذه السلع تقدم بما يعادل حوالى 3 مليار دولار أمريكى سنويا(8)، ويسود الاعتقاد بأنها ينبغى أن تتضاعف مرتين أو ثلاث. ومن الشائع أن أموال المنح من الجهات المانحة الثنائية ومنظومة الأمم المتحدة والمؤسسات التمويلية ذاتها تغطى فترات قصيرة. وأن من الضرورى لزيادة تأثيرها أن تركز هذه المنح بشكل أقوى على أنشطة بناء خطوط انتقال السلع من المنشأ إلى المستهلك، والأعمال الاقتصادية والقطاعية الأولية، والأنشطة السابقة على الاستثمار، والتى تنطوى على احتمالات التوسع. ولابد من بذل جهود أكبر لاستبانة الفقراء (بحسب العمر ونوع الجنس، نظرا لأن الغذاء لابد أن يختلف باختلافها، مثلما يختلف عبر دورة الحياة)، ووضع مؤشرات وأدوات لقياس الفقر والجوع والتغذية، واستهداف التدخلات لصالح من يعانون من نقص الأغذية، ومراقبة نواتج برامج المساعدة. وقد تمكنت المنظمة ووكالات أخرى من استحداث مجموعة من الأدوات لمثل هذه الأنشطة تشمل إنشاء نظم المعلومات والخرائط عن حالات انعدام الأمن الغذائى والحساسية للاختلالات الغذائية، والنظام العالمى للمعلومات والإنذار المبكر فى مجالات الأغذية والزراعة، وغيرها من الأنظمة والوسائل التى لابد من دعمها والتوسع فيها إلى حد كبير. التجارةإن تحرير التجارة سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى ينطوى على كثير من الإمكانيات لإحداث زيادة كبيرة فى مكاسب الرفاه. ذلك أن الأسواق المفتوحة والتجارة الحرة التى لا تعترضها عقبات والتى من شأنها أن تضاعف الفرص وتقلل التكلفة بما فى ذلك تكلفة الأغذية يمكن أن تعود على الفقراء بمنافع تفوق مزايا المساعدة الموجهة لأهداف معينة. وتشير التقديرات إلى أن تخفيض تدابير الحماية إلى النصف على مستوى العالم يمكن أن يعود بمكاسب فى مجال الرفاه تصل إلى 200 مليار دولار أمريكى سنويا فى البلدان النامية بحلول عام 2015. ومن بين المناطق التى تحتوى على أكبر عدد من الفقراء، يمكن أن تستفيد جنوب آسيا كثيرا من تخفيض تدابير الحماية. أما أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى فيمكن أن تستفيد بدرجة أقل بكثير لأنها تتمتع فعلا بمزايا تفضيلية لدى بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فيما يتعلق بعدة سلع هامة، فضلا عن أنها تواجه عقبات بسبب تدنى البنى التحتية والمؤسسات والقدرات الإدارية مما يحول دون انطلاق إمكاناتها التجارية. تخفيف الديونستسفر الجولة الحالية فى إطار المبادرة المتعلقة بالدول الفقيرة المثقلة بالديون عن توفير 60 مليار دولار أمريكى من خلال تخفيف عبء الديون فى حوالى 35 بلدا، يوجد معظمها فى أفريقيا. وستستخدم هذه الموارد المحرّرة فى الحد من الفقر ويمكن أن تسهم بقسط كبير فى تحقيق أهداف مؤتمر القمة العالمى للأغذية والأهداف الإنمائية للألفية فى كثير من أشد البلدان فقرا(9). وإن أوراق استراتيجيات الحد من الفقر التى تتطلبها عملية تخفيف الديون التابعة لمبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون نادرا ما تكون من النوعية المطلوبة والضرورية. ففى كثير من الحالات تُغفل الأبعاد الريفية والزراعية والتغذوية للحد من الفقر. ومن المطلوب تقديم مساعدة كبيرة إلى البلدان التى تعيد تركيز سياساتها واستراتيجياتها على الحد من الفقر والجوع بغية تمكينها من الاستفادة التامة من مبادرة تخفيف الديون. المعونة الغذائيةاستمرت المعونة الغذائية طوال العقد الماضى إلا أن أهميتها للأغراض الإنمائية تراجعت إلى حد بعيد. واستخدمت الفوائض الغذائية فى بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمواجهة عدد متزايد من الطوارئ أساسا. ففى أوضاع الطوارئ تعتبر المعونة الغذائية خط الدفاع الرئيسى الأول فى الوقت الذى يستعيد فيه الاقتصاد المحلى نشاطه ويتعين عليه أن يسير قُدما. أما فى الأوضاع الإنمائية فإن المعونة الغذائية تساعد الجماعات المهمشة التى تعانى من انعدام الأمن الغذائى على الإفلات من القيود الناشئة عن الاستهلاك. وتعتبر المعونة الغذائية بمثابة وسيلة تمكينية فى مرحلة ما قبل الاستثمار من شأنها أن تساعد على تحرير الناس للاستفادة من فرص التنمية التى تدعم رأس المال البشرى واقتناء الأصول. ويقال إن المعونة الغذائية محدودة من حيث تأثيرها على التنمية. وقد رأى النقاد أن المعونة الغذائية تنافس الإنتاج المحلى ولا تعير اهتماما كافيا للأفضليات الاستهلاكية المحلية. وفى إطار برامج الغذاء مقابل العمل تؤدى هذه المعونة إلى التقليل من الفوائد التغذوية نظرا لأنها تتطلب جهدا بدنيا مضنيا. ومع ذلك، فإن هذه المعونة نادرا ما تكون أداة كافية فى حد ذاتها لتحقيق الأمن الغذائى إذ تكون أفضل جدوى عندما تقترن بأشكال أخرى من المساعدة ويكون وقعها أعظم إذا ما وجهت إلى أشد الناس حرمانا من الغذاء حيث تكون الإضافة فائقة الأهمية والتأثير المعاكس على الإنتاج الغذائى ضئيلا. وتوجد مواقع هامة للمعونة الغذائية فى سياق حشد الموارد لتأمين الحق فى الغذاء. ومن المعروف أن فقراء الريف (والحضر) الجياع يستهلكون من الأغذية كميات كبيرة ويستفيدون بطبيعة الحال من الأغذية الزهيدة التكلفة. وإذا جرى تقسيم الأسواق، جغرافيا أو موسميا، فإن المعونة الغذائية المحكمة التوجيه لا ينبغى أن تؤدى إلى تخفيض أسعار المحاصيل الزراعية. وعادة ما تعتبر برامج التغذية المدرسية وسيلة ملائمة لمساعدة الأطفال ممن يعانون من انعدام الأمن الغذائى، لاسيما الفتيات، فى الحصول على الأغذية والتعليم معا. والمعونة الغذائية المحكمة التوجيه والمقترنة بتكنولوجيات بسيطة توفّر الأيدى العاملة يمكن أن تكون ذات أهمية حيوية فى تأمين الحق فى الغذاء فى المجتمعات المحلية والأسر التى تعانى من نقص حاد فى العمل مقابل الإنتاج الغذائى من جراء وباء فيروس المناعة البشرية/متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز). وتوفير المزيد من الأموال للوكالات المانحة للمعونة الغذائية من أجل تمويل التكاليف الإضافية وشراء بعض المواد الغذائية فى الأسواق المحلية وأسواق البلدان المجاورة سيؤدى إلى تحاشى الكثير من النقد ويسهم فى التنويع المطلوب بصفة عاجلة فى الموارد والوكالات بغية تنفيذ الحق فى الغذاء. الضرائب الدولية والاستثمار الأجنبى المباشرانتشرت التكهنات فى بعض الأماكن بشأن إمكانية فرض ضريبة على الكربون أو التوبين لكى تصبح مصدرا جديدا لتمويل الجهود الرامية إلى الحّد من الفقر والجوع. ولم تذهب هذه الأفكار بعيدا حتى الآن، إذ لا يبدو بالإمكان حاليا التغلب على المصالح الراسخة أو التوصل إلى توافق عالمى فى الآراء بشأن هذه المسألة. وقد حقق الاستثمار الأجنبى المباشر تقدما فى العقد الأخير قبل أن تعترضه الأزمة الآسيوية، إلاّ أنه لا يصل إلاّ لعدد ضئيل من البلدان والقطاعات، متحاشيا هؤلاء الذين يحتاجونه أشد الحاجة نظرا لما يعانون من فقر. (6) قد تكون هناك حاجة إلى صياغة هذا القسم مع حذف الإشارة إلى البنك الدولى. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||