وبعد ما يقرب من عقد على هذا المؤتمر، تعتقد المنظمة أن الوقت قد حان لتحديد التزام العالم بهذه الرؤية. "إذ يشير تقريرها المقدم إلى لجنة الزراعة إلى "أن هناك بعض التطورات المشجعة التى حدثت منذ قمة الأرض". غير أنه لم يتحقق ما يكفى من إنجازات. وعلى الرغم من الإنتاج الغذائى قد زاد فى مختلف أنحاء العالم عن أى وقت مضى، مازال هناك نحو 800 مليون نسمة يعانون من سوء التغذية المزمن. ولم يتحقق الكثير من الأهداف الإنمائية ومازال الكثير من البلدان عاجزا أو غير مستعد لإدماج المتطلبات البيئية فى سياسات التنمية الزراعية والريفية المستدامة."
تصورات جديدة
وقد توفر العولمة إمكانيات هائلة للإسراع بوتيرة التنمية إلا أن منافعها تتخطى بسهولة أولئك الذين يعيشون خارج الاقتصاد الحديث أو لا يتصلون به إلا بصورة واهية. وقد تقلص دور الحكومات فى كثير من البلدان مما أدى إلى زيادة مشاركة المجتمع فى اتخاذ القرارات إلا أن ذلك أيضا تسبب فى حدوث فجوات فى الخدمات، وخفض فى الاستثمارات والإنفاق فى المناطق الريفية. وفى نفس الوقت، أخذ الارتفاع فى الدخل والتوسع العمرانى فى إعادة تشكيل أنماط استهلاك الأغذية مما أدى إلى حدوث نمو سريع فى قطاع الثروة الحيوانية وتوسع الزراعة فى المناطق القريبة من المدن.
وتقول منظمة الأغذية والزراعة "إن التحدى يتمثل فى تسخير هذه القوى التى يمكن أن تكون مفيدة فى إطار التنمية الزراعية والريفية المستدامة. إذ يتعين توسيع نطاق مفهوم هذه التنمية ليشمل الاستدامة الاجتماعية والمؤسسية والاقتصادية ولا يقتصر على صيانة الموارد الطبيعية واستخدامها الرشيد. وترى المنظمة أن التقدم فى مجال التنمية الزراعية والريفية المستدامة يتطلب العمل فى ثلاثة مجالات رئيسية:
بناء القدرات وتعزيز المؤسسات. فالعماد الرئيسى للتنمية الزراعية والريفية المستدامة هو بناء قدرات الناس لتمكينهم من المشاركة بصورة كاملة فى أعمال تنميتهم. ويعنى ذلك الحصول على التعليم الأساسى، والمعارف الفنية والبيئية والاقتصادية، وتبادل المعلومات والخبرات. غير أن الكثير من المعلومات غير متاح أو لا يمكن الحصول عليه وخاصة بالنسبة للمزارعين الفقراء. والأدهى من ذلك، أن الفرص ضئيلة أمام الحوار بشأن المسائل موضع اهتمامهم. وتقول منظمة الأغذية والزراعة إن بناء القدرات قد تكون له فائدة كبيرة ما لم تتوافر المؤسسات الفعالة التى تتيح استخدام هذه القدرات." ففى الوقت الذى دخلت فيه الحكومات والوكالات العامة فى شراكات جديدة مع المجتمع المدنى والقطاع الخاص، مازالت الأبعاد المؤسسية والإدارية والتشريعية لهذه الشراكات الجديدة فى حاجة إلى تعزيز.
تعبئة الاستثمارات. لقد واكب انخفاض الاستثمارات من القطاع العام فى الزراعة اقتطاعات مثيرة للقلق فى تدفق المساعدات الإنمائية على القطاع من الجهات المتبرعة الثنائية ومتعددة الأطراف. ويقول التقرير إن المطلوب هو استراتيجية للاستثمار تحقق أقصى قدر من المنافع من خلال توجيه الموارد الحكومية المحدودة إلى المنافع العامة مثل البيئة الأساسية للنقل التى يمكن أن تطلق، بدورها، التدفقات الاستثمارية من القطاع الخاص. ويمكن أن تساعد التحالفات والشراكات الجديدة بين الحكومات والأعمال التجارية والمجتمع المدنى، التى تيسرها زيادة التكامل العالمى، فى إعادة تحديد الأدوار التقليدية للمساعدات المالية والفنية الخارجية. وقد تظهر أيضا فرص وآليات جديدة مثل صندوق البيئة العالمى والتجارة بالكربون لتوفير الأموال اللازمة لاستثمارات القطاع العام فى النشاطات ذات الصلة بالتنمية الزراعية والريفية المستدامة.
استحداث التكنولوجيات التى تزيد الإنتاجية وتحافظ على الموارد الطبيعية. فاحتياجات المزارعين الفقراء من التكنولوجيا، وجهود البحث اللازمة لتدعيمها، هائلة إلا أن الطلب الفعال عليها منخفض للغاية. فالفقراء أنفسهم لا يستطيعون تحمل تكاليفها أو ما يتصل بها من مستلزمات مثل الماء والأسمدة وقوى العمل الإضافية. والمطلوب هو زيادة تمويل القطاع العام للبحوث والإرشاد فى المجال الزراعى وقد يكون ذلك فى شراكة وثيقة مع القطاع الخاص. وتشمل خطة البحوث المحتملة وضع ونشر نظم الإنتاج التى تحد من استنزاف الأراضى والمياه والموارد البيولوجية الناجم عن التكثيف الزراعى، والتكنولوجيات الصديقة للبيئة التى تشمل نظم الإدارة المتكاملة (مثل الزراعة العضوية والإدارة المتكاملة للآفات والزراعة المختلطة بالغابات) والتكنولوجيات التى تضمن سلامة الأغذية. ولا ينبغى تجاهل المنافع المحتملة التى قد تقدمها تكنولوجيا التحوير الوراثى فى المستقبل.
ويرى التقرير ضرورة أن تهتدى المنظمة بهذه التحديات الثلاثة لدى تشكيل برامج التنمية الزراعية والريفية المستدامة. إذ يتعين عليها، بوصفها مديرا للمهام فى إطار الفصل 14، أن تعزز من دورها باعتبارها جهة اتصال لتعزيز التنمية الزراعية والريفية المستدامة على الصعيد العالمى بالتعاون مع شركائها الدوليين فى منظومة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الحكومية الدولية والدول الأعضاء والمجتمع المدنى.
نشر هذا المقال فى مارس/آذار 2001