بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2001

الأعمال التجارية الزراعية وصغار المزارعين

تسهم الزراعة القائمة على العقود حسنة الإدارة فى زيادة دخل المنتجين وارتفاع أرباح المستثمرين وخفض المخاطر وعدم اليقين المحيطين بكلا الطرفين
    انتقلت الشركات متعددة الجنسيات فى أمريكا الوسطى من إنتاج الموز من المزارع الكبرى واتجهت إلى التعاقد مع المنتجين الأفراد.
وبالنسبة لبعض النقاد، فان "الزراعة التعاقدية" فى البلدان النامية ليست سوى نوع آخر من المساوئ المرتبطة بالعولمة الاقتصادية. فمن ناحية هناك جموع صغار المزارعين غير المنظمين الذين لا يملكون الكثير من القدرة على المساومة والقدر القليل من الموارد اللازمة لزيادة الإنتاجية والمنافسة تجاريا. وعلى الطرف الآخر تقف الصناعات الزراعية القوية التى تقدم عقود الإنتاج والتوريد التى تتيح لها، فى مقابل المدخلات والمشورة الفنية، استغلال اليد العاملة الرخيصة ونقل معظم المخاطر إلى المنتجين الأوليين. فالزراعة التعاقدية، كما يقول النقاد، هى فى جوهرها اتفاق بين أطراف غير متساوية والأرجح أنها تتسبب فى خلق الديون بدلا من التنمية لصغار المزارعين.

غير أنها ليست كذلك فى جميع الأحوال. إذ يرى دليل جديد أعدته منظمة الأغذية والزراعة أن الزراعة التعاقدية حسنة الإدارة أثبتت فعاليتها فى الربط بين قطاع صغار المزارعين بمصادر المشورة الإرشادية والميكنة والبذور والأسمدة والقروض والأسواق المضمونة والمربحة للمنتجات. "فهى أسلوب يمكن أن يسهم فى كل من زيادة دخل المزارعين ومضاعفة ربحية الجهات الراعية". هكذا يقول دليل "الزراعة التعاقدية: الشراكة من أجل النمو". "فالزراعة التعاقدية، عندما تنظم وتدار بكفاءة، تقلل المخاطر وعدم اليقين لكلا الطرفين. ويبدو أن لهذا الأسلوب إمكانيات كبيرة فى البلدان التى مازالت فيها الزراعة صغيرة النطاق واسعة الانتشار. فلم يعد لصغار المزارعين فى كثير من الحالات القدرة التنافسية دون الحصول على الخدمات التى تقدمها شركات الزراعة التعاقدية".

ففى شمالى الهند، مثلا، أصدرت مؤسسة متعددة الجنسيات عقودا لنحو أربعمائة مزارع لزراعة الطماطم المهجنة لتصنيعها وتحويلها إلى معجون. وأكدت دراسة أعدت عن هذا البرنامج أن الغلات ودخول المزارعين قد زادت بما يقرب من 50 فى المائة فى المتوسط عن تلك الخاصة بالمزارعين الذين يزرعون الطماطم لبيعها فى الأسواق المفتوحة. وفى سرى لانكا، اعتمدت تجارة صادرات مزدهرة بالخيار الصغير على عقود مبرمة بين شركات وأكثر من 000 15 مزارع يملك كل منهم نحو 0.5 هكتار. وعلى مستوى أوسع نطاقا بكثير، يقوم أكثر من 000 200 مزارع فى تايلند بزراعة قصب السكر فى المعامل العاملة فى البلاد والبالغ عددها 46 بمقتضى نظام تشرف عليه الحكومة يخصص 70 فى المائة من مجموع العائدات الصافية للمزارعين و30 فى المائة لأصحاب المعامل.

الحصول على المدخلات ... "وتتباين مزايا ومثالب الزراعة التعاقدية وفقا للظروف المادية والاجتماعية والسوقية التى تعمل فى ظلها الجهات الراعية والمزارعون." وذلك حسب ما جاء فى دليل المنظمة. "فالميزة الرئيسية للمزارعين هى أن الجهة الراعية تتعهد عادة بشراء جميع المنتجات ضمن معايير محددة للجودة والكمية. ويمكن أن توفر العقود للمزارعين فرص الوصول إلى الحصول على مجموعة أوسع نطاقا من الخدمات الإدارية والفنية والإرشادية التى قد لا يمكن بدون ذلك الحصول عليها. كما يستطيع المزارعون أن يستخدموا اتفاقيات العقود كضمانات لترتيب القروض مع المصارف التجارية لتمويل المدخلات التى يحتاجون إليها".

وكثيرا ما يرفض كبار المزارعين تطبيق التكنولوجية الجديدة بالنظر إلى المخاطر المحتملة والتكاليف التى تنطوى عليها هذه العملية. أما فى الزراعة التعاقدية، فسوف تقدم الصناعات الزراعية الخاصة عادة التكنولوجيا بصورة أكثر فعالية مما تفعل إدارات الإرشاد الزراعى الحكومية وذلك لأن لهذه الصناعات مصلحة اقتصادية مباشرة فى تحسين إنتاج المزارعين. والواقع، أن معظم المؤسسات الكبيرة تفضل تقديم الخدمات الإرشادية الخاصة بها. ففى كينيا، على سبيل المثال، تستخدم شركة كبرى لإنتاج السكر نحو 30 مرشدا للعمل مع المزارعين المتعاقدين معها والبالغ عددهم 800 1 مزارع. وتتمثل المسؤولية الرئيسية لهؤلاء المرشدين فى تعزيز المهارات الإدارية اللازمة عندما تطبق أساليب الغرس والزراعة والحصاد الجديدة. وعلاوة على ذلك، فان الشركة تعزز برامج تدريب المزارعين وتنظم الأيام الحقلية التى تعرض فيها أحدث طرق إنتاج السكر.

المشورة العملية إزاء الشراكات طويلة الأجل
الزراعة التعاقدية التى أعدها C.Eaton and A.W.Shepherd (المنظمة، 2001) توضح الطريقة التى يمكن بها أن تحسن شركات الزراعة المتعاقدة الحالية من عملياتها وكيف يمكن للشركات التى تفكر فى بدء هذه المشروعات فى تحديد الشروط المسبقة اللازمة للنجاح. كما يستخدم كدليل للحكومات التى تسعى إلى تعزيز برامج الزراعة التعاقدية الجديدة أو رصد البرامج العاملة بالفعل.
   ويبرز المؤلفان سوء الإدارة التى يمكن أن تؤدى إلى فشل المشروعات الواعدة ويقدمان المشورة للإدارة بشأن تنسيق ودعم إنتاج المزارعين وتسليم المحاصيل. وتتراوح الموضوعات بين تحديد المجالات التى تصلح للإنتاج وتسليم المستلزمات وإجراء الترتيبات الخاصة بشراء الإنتاج ونقل التكنولوجيا وتدريب المزارعين والمشاركة فى الحياة المجتمعية. ويشدد الدليل على أن الترتيبات المستدامة لن تتحقق إلا عندما يدرك الطرفان أنهما يعكفان على شراكة طويلة الأجل. اطلب نسختك (أو استنسخ المطبوع بكامله) هنا ...
  
وقد تشمل المهارات التى يتعلمها المزارعون من خلال الزراعة التعاقدية مسك السجلات، واستخدام الموارد الزراعية بكفاءة، والطرق المحسنة لاستعمال الكيماويات والأسمدة والمعارف الخاصة بأهمية الجودة والطلبات الخاصة بأسواق التصدير. كما يحصل المزارعون على خبرات فى مجال تنفيذ النشاطات الحقلية وفقا لجدول زمنى صارم كما أنهم يستخدمون التقنيات التى تستحدثها الإدارة فى المحاصيل النقدية والمعيشية الأخرى.

وثمة ميزة أخرى للزراعة التعاقدية تتمثل فى ما تقدمه من أسعار مستقرة. "فالعائدات التى يحصل عليها المزارعون مقابل محاصيلهم فى الأسواق المفتوحة تعتمد على الأسعار السائدة وقدرتهم على التفاوض مع المشترين" هكذا تقول المنظمة. "أما الزراعة التعاقدية فتستطيع، إلى حد ما، التغلب على هذه الحالة من عدم اليقين. ففى كثير من الأحيان، تحدد الجهات الراعية مقدما الأسعار التى ستدفق وينص على ذلك فى الاتفاق". كذلك فان الجهات الراعية تعفى صغار المزارعين من الحاجة إلى إيجاد مشترين محليين ودوليين والتفاوض معهم كما أنها تنظم عادة عمليات نقل المحاصيل عند بوابة المزرعة.

... و "القبول السياسى" وفى مقابل ضمانات الأسعار والقروض والمستلزمات والمشورة الإرشادية، تتمتع الجهات الراعية بميزات واضحة. أولها "القبول السياسى". إذ ترفض الكثير من الحكومات الاحتفاظ بالمزارع الكبيرة بل ويعمل بعضها بنشاط لإغلاقها وإعادة توزيع أراضيها. ففى زمبابوى مثلا، يجرى تشجيع الزراعة التعاقدية بنشاط فى الصناعات الخاصة بالسكر والشاى والقطن. وفى أمريكا الوسطى، تتحول الشركات متعددة الجنسيات عن إنتاج الموز فى المزارع الكبرى إلى التعاقد مع المنتجين الأفراد. ويوجد نفس الاتجاه فى صناعة التبغ الدولية حيث حل صغار المزارعين مكان المزارع الكبرى فى العديد من البلدان.

كما تتيح الزراعة التعاقدية للشركات الحصول على إنتاج المحاصيل فى الأراضى التى ما كان يمكن أن تصل إليها دون ذلك مع التمتع فى نفس الوقت بميزة إضافية تتمثل فى عدم ضرورة شراء هذه الأراضى أو تأجيرها. ومن ناحية أخرى فان العمل مع صغار المزارعين المتعاقدين يمكن هذه الشركات من تقاسم المخاطر والحصول على الإمدادات الموثوق بها من المواد الخام لمعامل التصنيع وضمان أن تتماثل منتجاتها مع مواصفات الجودة.

ومع ذلك يتعين على كلا الطرفين فى الزراعة التعاقدية قبول درجة من المخاطر. فبالنسبة للمزارعين، هناك عدم اليقين الذى يحيط بعملية إنتاج محاصيل جديدة غير مألوفة وإرسال إنتاجهم إلى أسواق قد لا تكون بمستوى توقعاتهم أو توقعات الجهات الراعية لهم. "إذ يمكن أن تنشأ مشكلات كبيرة إذا تصور المزارعون أن الشركة غير مستعدة لتقاسم أى مخاطر معهم حتى إذا كانت مسؤولة بصورة جزئية عن الخسائر" حسبما يقول الدليل. "ففى تايلند، فرضت شركة تعاقدت مع المزارعين لتربية الدجاج رسوما على دخل المزارعين من أجل تعويض احتمال ارتفاع معدل النفوق بين الدجاج. وقد اعترض المزارعون كثيرا على ذلك حيث كانوا يعتقدون أن انخفاض نوعية الكتاكيت المقدمة من الشركة كانت من أسباب هذه المشكلة." فعدم كفاءة الإدارة يمكن أن تؤدى إلى الإفراط فى الإنتاج وأن تضطر الجهات الراعية فى بعض الحالات إلى "محاولة التلاعب بمواصفات الجودة لخفض المشتريات". والديون الناجمة عن مشكلات الإنتاج وسوء المشورة الفنية والتغييرات الكبيرة فى ظروف السوق أو إخفاق الشركة فى الوفاء بالعقود من أكبر المخاطر التى يتعرض لها المزارعون.

فعلى جانب الجهات الراعية، يمكن أن تنشأ المخاطر لدى التعامل مع المزارعين الذين قد يقومون، بدورهم، بالتفاوض مع أصحاب الأراضى التقليديين بشأن استخدام الأراضى. فقبيل الدخول فى عقود، يتعين على الجهات الراعية الحصول على الأراضى خلال فترة الاتفاق على الأقل. فهذه المجتمعات الريفية التقليدية، قد يعجز المزارعون عن الامتثال للجداول الزمنية والقواعد الصارمة نتيجة للالتزامات الاجتماعية والممارسات الدينية. ولكن المشكلات الأكثر خطورة قد تنشأ عندما ينقض المزارعون العقود ويبيعون منتجاتهم لأسواق بديلة. ومن المفارقات، أن هذا التسويق "خارج نطاق التعاقد" يحظى بتشجيع فى بعض الأحيان من جانب الجهات الراعية المنافسة. ففى كولومبيا، غطت إحدى الشركات النقص فى إنتاجها عن طريق شراء الفاكهة من مزارعى الجهة المنافسة، فى حين أدى التنافس فى إندونيسيا على النوعية الجيدة من التبغ إلى نشوب "حرب التبغ" بين مختلف الشركات.

وينتهى دليل المنظمة إلى القول بأن "من الضرورى النظر إلى نظام الزراعة التعاقدية على أنه شراكة بين الصناعات الزراعية والمزارعين". "ويتعين لنجاح هذا النظام وجود التزام طويل الأجل من الجانبين. فالترتيبات الاستغلالية من جانب المديرين لن تستمر إلا لفترة محدودة على الأرجح ويمكن أن تعرض استثمارات الصناعات الزراعية للخطر. كذلك فان من الضرورى أن يراعوا أن الوفاء بالترتيبات التعاقدية سيكون فى مصلحتهم فى المدى الطويل". غير أن منظمة الأغذية والزراعة تنبه إلى ضرورة أن يكون القرار الخاص باستخدام الزراعة التعاقدية قرارا تجاريا بحتا. فهو ليس نموذجا إنمائيا تجربه الجهات المتبرعة بالمعونة والحكومات أو المنظمات غير الحكومية بسبب إخفاق مناهج أخرى للتنمية الريفية. فالمشروعات التى يكون دافعها الأساسى اعتبارات سياسية أو اجتماعية وليس الوقائع الاقتصادية والفنية سوف تفشل لا محالة".

خمسة نماذج للزراعة التعاقدية
يقول دليل المنظمة أن ترتيبات الزراعة التعاقدية تقع فى خمسة نماذج عامة:
النموذج المركزى تقوم الجهة الراعية بشراء المحاصيل من المزارعين لتصنيعها وتسويق المنتج. وتوزع الحصص فى بداية كل موسم زراعة ويجرى مراقبة الجودة بصورة صارمة. ويرتبط هذا النموذج بصفة عامة بالتبغ والقطن وقصب السكر والموز والبن والشاى والكاكاو والمطاط.
نموذج المزرعة النواة. حيث تمتلك الجهة الراعية وتدير إحدى المزارع الكبرى التى تقع عادة بالقرب من معمل التصنيع وتقدم التكنولوجيا وتقنيات الإدارة للمزارعين (الذين يطلق عليهم فى بعض الأحيان المزارعون التابعون". ويستخدم هذا النموذج أساسا فى المحاصيل الشجرية إلا أنه يسرى أيضا على منتجات الألبان.
   النموذج متعدد الأطراف. ويشمل عادة هيئات دستورية وشركات خاصة تشترك مع المزارعين. ويشيع هذا النموذج فى الصين حيث تشترك الإدارات الحكومية ولجان المدن والشركات الأجنبية معا فى إبرام العقود مع القرى والمزارعين الأفراد.
النموذج غير الرسمى. حيث يبرم المتعهدون الأفراد أو الشركات الصغيرة عقودا للإنتاج بسيطة وغير رسمية مع المزارعين على أساس موسمى وخاصة بالنسبة للخضر الطازجة والفاكهة الاستوائية. وتشترى متاجر السوبر ماركت عادة المنتجات الطازجة من خلال المزارعين الأفراد.
النموذج الوسيط. حيث تشيع عقود الإنتاج المحصولى الرسمية من الباطن مع الوسطاء فى جنوب شرق آسيا. ففى تايلند، تشترى شركات تصنيع الأغذية المحاصيل من الوسطاء الأفراد أو لجان المزارعين الذين يبرمون الترتيبات غير الرسمية مع المزارعين.

  • يمكن الحصول على نسخة من دليل المنظمة عن الزراعة التعاقدية: الشراكة من أجل النمو (PDF, 650K)
  • أنظر أيضا الأضواء الكاشفة: الزراعة التعاقدية فى آسيا.

نشر هذا المقال فى يوليو/‏تموز‏ 2001
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2001