الجوع والفقر يزيدان من مخاطر القلاقل الاجتماعية ومعظم الجياع يعيشون في المناطق الريفية أو هاجروا حديثا إلى المدن. إن الإحساس الحالي بعدم الارتياح إزاء التحديث السريع يبرز بصورة خاصة في مجال الأغذية والزراعة. إن الحاجة، والأهم من ذلك، الإمكانيات على العمل بصورة جماعية وبروح من المسؤولية تتوافر في قطاع الزراعة.
غير أن هذا التقدم لم يكن متساويا. فمازال نحو 800 مليون نسمة يعانون من الجوع المزمن، ويعيش معظمهم في المناطق الريفية التي تضعف فيها التنمية الزراعية نتيجة لانخفاض منسوب الأمطار، وسوء حالة التربة، وعدم كفاية البنية الأساسية ونقص المؤسسات. وهذه هي المناطق المعرضة فعلا في العالم حيث قد يجد فيها مثيرو القلاقل الاجتماعية ورفض التحديث أرضا خصبة.
ولقد كان التقدم الزراعي غير متساوي في كثير من الأحيان، لأننا عالجنا مشكلات الإنتاج قصيرة الأجل بأكثر مما ركزنا على الاستدامة الايكولوجية والاقتصادية طويلة الأجل. وتتعرض الزراعة للوم من جانب المستهلكين لإنتاجها أغذية غير آمنة لا مذاق لها مصابة بمرض EEB أو السلمونيللا، ومن جانب حماة البيئة لتسميمها المياه السطحية، وتجفيفها البحيرات وتدميرها الغابات. وللعولمة تأثيرات مباشرة وغير مباشرة كبيرة: تركيز ملكية صناعات البذور والكيماويات الزراعية، والتوحيد الوراثي للإنتاج واختفاء الأنواع المحلية والأغذية المحلية.
والمفارقة المحزنة هنا أن خفض أهمية الزراعة كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي خلق وهما زائفا بأن القطاع غير مفيد إن لم يكن مدمرا بصورة قاطعة وأن العودة إلى الطرق التقليدية ستكون تحسينا لما هو عليه الوضع الحالي. وقد بلغت وجهة النظر هذه المعادية للتحديث ذروتها في الرفض الأعمى للتكنولوجيا الحيوية وتحجب بصورة كاملة إمكانيات التكنولوجيا على التوافق مع التحديات الأيكولوجية والإجتماعية الجديدة.
إن هناك شعورا بالترابط آخذ في التنامي ولكن هناك حاجة أيضا إلى شعور أكبر بالملكية العالمية لمشكلات إنتاج الأغذية والزراعة، والى اعتراف بالمسؤولية المشتركة لاستئصال الجوع والفقر. وقد تزيد المساعدات الإنمائية إذا صلحت لأن تكون أداة لتيسير الائتلاف السياسي العالمي.
وعلى ذلك ما هو الطريق إلى تقدم الزراعة والأمن الغذائي؟ وماذا يمكن عمله بصورة متناسقة لاستخدام الزراعة في معالجة بعض القضايا الجوهرية التي تواجه العالم المعاصر؟ علينا أولا أن نسلم بأن الزراعة جزء من الحل وليست مجرد مشكلة. فالتنمية الزراعية هي عنصر أساسي في الاستقرار الاجتماعي والمساواة في كثير من أنحاء العالم. ويمكن أن تساعد في التخفيف من المخاوف العميقة غير المعلنة إزاء التحديث ووتيرة التغيير إذا ما تم التعامل مع المستحدثات بطريقة شفافة وعادلة. وتضطلع الزراعة أيضا بدور في التخفيف من تأثيرات تغير المناخ. ولا يوجد أي نقص في الأدوات العلمية اللازمة لتحويل التكثيف المستدام إلى واقع عملي إذا ما نفذ هذا التكثيف بطريقة مسؤولة.
وفي نفس الوقت، لابد أن تكون الزراعة في القرن 21 مستعدة لمواجهة تطورات جديدة يتعلق الكثير منها بالعولمة والتحديث ومن بينها:
سوف يكون دور المجتمع المدني حاسما في تشكيل القطاع الزراعي. وسوف يتعين إيجاد توازن دقيق بين المستحدثات المدفوعة بالعلم وشواغل المستهلكين بما في ذلك مبادئ الأخلاق. وسوف تصبح سلامة الأغذية مقياسا لمصداقية الزراعة.
ستكون الزراعة أكثر من مجرد وسيلة لإنتاج الطاقة الغذائية أو المادة الجافة في كل هكتار. وسيلقى المجتمع طلبات متزايدة على الزراعة ليس أقلها حماية القيم البيئية مثل التنوع البيولوجي والقيم المضافة الأخرى على مستوى المزرعة أو المجتمع. وسوف تكتسي حماية الدخل وسبل المعيشة في الريف نفس القدر من الأهمية سواء في الجنوب أو في الشمال.
سوف تصمم التكنولوجيا للوصول إلى الزراعة الدقيقة بأوسع معنى لهذه الكلمة مع مراعاة ظروف نظم الإنتاج النوعية. وفي حين أنه يبدو الآن أن حدود العلم تقف عند عالم التكنولوجيا الحيوية، فإن بحوث إدارة الأراضي والمياه المتعلقة بكل منطقة هي فقط التي ستتيح للمزارعين سد ثغرة الغلات.
سيتسع القطاع الحيواني بدرجة كبيرة. ويتزايد القلق الآن من الأوبئة والأمراض الحيوانية الأخرى التي للكثير منها تأثيرات عابرة للحدود مع ما ينطوي عليه ذلك من انعكاسات كبيرة على التجارة.
يبدو أن زيادة التركيز في قطاعات المدخلات الصناعية والتصنيع الدولية أمر لا مناص منه، ومع ذلك فإن دينامية الصناعات من الحجم المتوسط والمحلية قد تكون حاسمة بالنسبة للتنمية التجارية السليمة.
بدلا من النظر إلى الزراعة في معزل عن غيرها من النشاطات، يتعين على البحوث والتطوير والسياسات أن تراعي في المستقبل السلسلة الكاملة ابتداء من البيئة الطبيعية والإنتاج إلى الاستهلاك والصحة. ويكمن التحدي الاسمي في مبدأين منظمين هما أولا ضمان وتيسير وصول البلدان الفقيرة والشعوب الفقيرة إلى الأسواق والتكنولوجيا والمعارف (ينبغي قبل كل شئ ألا تفوت افريقيا مرة أخرى التقدم التكنولوجي مثلما كان الحال مع الثورة الخضراء). وثانيا المحافظة على التنوع والخيارات وتعزيزها - فتنوع المنتجات وتكنولوجيا الإنتاج يتيح الفرصة للمستهلكين والمنتجين لإجراء اختيارات مستنيرة بدلا من أن يفرض عليهم منهجا مخططا محددا سلفا. وفي كل ذلك يعتبر الإنفتاج بشأن عمليات الإنتاج وعناصرها العلمية الأساسية أمرا ضروريا.
تعمل منظمة الأغذية والزراعة في قطاع الأغذية والزراعة بوصفها وسيطا نزيها يجمع صانعي القرار من مختلف الخلفيات والعقائد معا لمناقشة الخيارات الفنية للتنمية المتوازنة من الناحيتين الايكولوجية والاجتماعية. وتقدم المنظمة المشورة للحكومات والمجتمع المدني بشأن التعامل مع التغيير في المناطق الريفية وتعزيز ثقة المستهلك. ودعنا لا ننسى أن الكراهية وعدم الثقة يتزايدان في الأوضاع التي تفتقر إلى الحوار وحرية الاختيار. وتساعد المنظمة في خلق شعور بالملكية والمسؤولية الجماعية عن القطاع الزراعي.
وعلينا في هذه الأيام الحافلة بالصراع وعدم الأمان، أن نغتنم الفرص ونعيد تشكيل الزراعة التي تقدم مثل هذه الفرص. ولا يمكن أن يسود الاستقرار والعدالة بصورة عادلة دون إيجاد حلول لمشكلة الجوع، ومن ثم دون الزراعة التي توفر سبل المعيشة لكل حضارة. غير أن هذه الزراعة لا بد أن تحكمها مبادئ الايكولوجية السليمة، والاقتصاديات العادلة، وتحترم اهتمامات المنتجين والمستهلكين. ولا بد، في علم تسوده العولمة، من وضع الحلول المحلية في سياق عالمي. وعلينا أن نعبئ الإرادة والموارد والمعارف للقيام بهذا العمل اليوم أكثر من أي وقت مضى.
صدرت في ديسمبر/كانون 2001