لقد كانت الادعاءات بأنّ البلدان النامية ستخسر من العولمة الاقتصادية "مبالغاً فيها على الأرجح" برأي ورقة نقاش جديدة للسياسات أعدتها منظمة الأغذية والزراعة. وهذه الدراسة التي جرت بتكليف من قسم الإنتاج الحيواني والصحة الحيوانية في المنظمة، حاولت النظر في الاتجاهات الحالية في التجارة العالمية في الثروة الحيوانية والمنتجات الحيوانية وأوصت باتباع سياسات معيّنة في البلدان النامية في مواجهة تحرير التجارة وفرض قيود جديدة على المراقبة الصحية. وأبرز هذه التوصيات، دعم التدابير التي اتخذتها منظمة التجارة العالمية لتعزيز التجارة الحرة وإزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية.
إنّ التجارة الدولية في الثروة الحيوانية والمنتجات الحيوانية مهمة جداً إذ تستحوذ على سدس التجارة الزراعية ككل تقريباً، من ناحية القيمة. وصادرات اللحوم - لحوم الأبقار والخنازير والدجاج بشكل أساسي - تشكل نصف القيمة الإجمالية تقريباً. وتستحوذ البلدان النامية مجتمعةً على أكثر من ثلاثة أرباع التجارة العالمية في الثروة الحيوانية والمنتجات الحيوانية وهي تعد، مجتمعة، بلدان مستوردة صافية، لا سيما للألبان التي تمثل أكبر منتج مستورد. وفي ذات الوقت، ارتفع استهلاك الثروة الحيوانية والمنتجات الحيوانية بسرعة في البلدان النامية، فاتحاً الباب بالتالي على أسواق جديدة أمام المصدّرين والمنتجين المحليين.
في هذه الظروف، تتأثرّ البلدان النامية إلى حد كبير من تغيّر الإطار المؤسسي في التجارة العالمية المتمحورة على منظمة التجارة العالمية. فبموجب اتفاقية الزراعة التي وضعتها منظمة التجارة العالمية عام 1994، وإعلان الدوحة عام 2001، إلتزمت الدول الأعضاء في المنظمة بخفض إعانات التصدير والدعم الزراعي للمنتجين المحليين وتحسين الوصول إلى الواردات من خلال إزالة العوائق غير الجمركية كالحصص وتخفيض التعريفات الجمركية. (البلدان الأقل نمواً معفية من التزامات الخفض لكن عليها تحويل العوائق غير الجمركية، كحصص الواردات - إلى تعريفات جمركية ولا يحق لها زيادة الدعم المحلي للزراعة أكثر من مستوى 1986-1988). كما تسعى اتفاقية تدابير الصحة والصحة النباتية، التي وضعت اللمسات الأخيرة عليها مع إنشاء منظمة التجارة العالمية، إلى ضمان عدم استغلال أنظمة الحجر لحماية المنتجين المحليين من خلال دعوة الدول الأعضاء إلى اعتماد تدابير للصحة الحيوانية متفق عليها دولياً وثابتة علمياً.
استفادة الجميع. أفادت دراسة المنظمة، التجارة في الثروة الحيوانية والمنتجات الحيوانية، أنّ تحرير التجارة سيعود بالنفع على المستهلكين ودافعى الضرائب في الاقتصاديات ذات المستويات العالية من الحماية الزراعية، بالإضافة إلى "المنتجين الفعالين حول العالم". ويتوقّع أن تستفيد من النمو الاقتصادي اللاحق البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، مع أنّ نمو الطلب العالمي سيؤدي إلى ارتفاع طفيف في الأسعار. وتتوقع الدراسة "أن يكون أكبر المستفيدين هم المنتجون في البلدان المصدّرة وحكوماتها من خلال خفض الإنفاق على تدابير الدعم. وستحقق البلدان المتقدمة القدر الأكبر من الفوائد والوفورات لأنها تستحوذ على القسم الأكبر من الصادرات العالمية وبعضها يطبّق حالياً أعلى مستويات الحماية."
ورغم الاعتماد المتزايد على المنتجات الحيوانية المستوردة وغيرها من السلع الزراعية، رأت الدراسة أنّه يتعين على البلدان النامية ("أقلّه نظرياً") التحلي بميزة مقارنة لإنتاج بعض السلع الأخرى: "عليها أن تستفيد من تجارة حرة أكثر من خلال استيراد سلع بأسعار أقلّ من كلفة إنتاجها محلياً وتصدير سلع أخرى بأسعار أعلى من سعر بيعها في السوق المحلية."
وتوصي الدراسة البلدان المتقدمة والنامية على السواء بتعزيز التجارة الحرة وإزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية متى أمكن ذلك. وتضيف أنّ "بعض الانتقادات لأهداف [منظمة التجارة العالمية] هي في غير محلّها. فالانتقادات للعولمة تعتبر أنّ البلدان النامية ستصبح أقلّ اكتفاء ذاتياً وأكثر اعتماداً على بلدان أخرى وأنّ التجارة ستتركز في أيدي الشركات عبر الوطنية. لكن مدى هذه المخاطر كان مبالغاً فيه على الأرجح."
قد يصحّ جزئياً الزعم بأنّ التجارة الحرة تروج للتخصص وتعيق الاكتفاء الذاتي في مجال الزراعة؛ لكن يجب تقييم المثالب على ضوء الحسنات بالنسبة إلى الأرباح في الدخل القومي والرفاه الاجتماعي. وتقول الدراسة في هذا الصدد إنه "في جميع الأحوال، قد لا يؤدي اتساع التجارة إلى تخصص مطلق وإلى وضع حد للإنتاج في السوق المحلي. والقول إنّ البلدان المتقدمة الأغنى أبقت على العوائق أمام التجارة بينما أزالت البلدان النامية العوائق لديها، إنما يدعم محاولات منظمة التجارة العالمية إزالة العوائق." لكن الدراسة تعترف أنّ الامتثال لقواعد وموجبات منظمة التجارة العالمية وإعداد شروحات قانونية في المنازعات التجارية تزيد الطلب على موارد البلدان ذات الدخل المنخفض. "من الضروري جداً" إذاً توفير مساعدة فنية ومالية ثنائية ومتعددة الأطراف.
أما بشأن خطر ارتفاع أسعار الأغذية نتيجة إزالة الحواجز أمام التجارة، بدت الدراسة متفائلة: "مع أنّ كلفة الواردات قد ترتفع بالنسبة إلى البلدان النامية، فانها ستشكل حافزاً للمنتجين المحليين لزيادة الإنتاج." كما قد تستفيد قطاعات أخرى في الاقتصاديات النامية من ازدياد الفرص التجارية. لذا يمكن نصح البلدان النامية بإقناع البلدان المتقدمة بخفض دعمها لمنتجي المنتجات الزراعية لديها وإزالة العوائق أمام التجارة.
تكاليف الامتثال. فيما يتعلق بالاتفاقية بشأن تدابير الصحة والصحة النباتية، تعترف الدراسة أنّ العديد من البلدان النامية يواجه صعوبات في الامتثال للمعايير الدولية لتدابير الصحة النباتية بسبب محدودية عمليات التصدير لديها وتعرضها لتفشي الأمراض والآفات وعدم مواءمة خدمات الصحة العامة والبيطرية. وترى الدراسة أنّه "مما لا شك فيه أنّ مدوّنة الصحة الحيوانية التي أعدها المكتب الدولي للأوبئة الحيوانية والتي تستند إليها تدابير الصحة الحيوانية، تتضمن توصيات كثيرة من الصعب جداً ضمان امتثال البلدان الأقل نمواً بها. وقد وُضعت المدونة بشكل أساسي لحماية صحة الثروة الحيوانية في البلدان المتقدمة." وبما أنّ كلفة الامتثال للمعايير الدولية قد يشكل مانعاً"، توصي الدراسة بتوفير المساعدة الفنية والمالية للبلدان النامية لمساعدتها على الامتثال لشروط الصحة والصحة النباتية والمشاركة في وضع المعايير.
لكن حتى ولو تمكنت بعض البلدان من الامتثال لمعايير الصحة والصحة النباتية المطلوبة، قد تجد صعوبة في المنافسة على أسواق عالمية متقدمة. مما يعني بالنسبة إلى هذه البلدان أنّ "أهمّ تأثير لرفع معايير الصحة والصحة النباتية قد يكون تحسين صحة الإنسان والحيوان والنبات".