بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2002

 
ثمة حاجة الى سياسات على المستويات الدولية والقطرية والمحلية لتوجيه عملية استخدام المياه في الأغراض الزراعية

مورد ثمين قابل للنفاذ

النهوض بالتقنيات الزراعية وزيادة كفاءة استخدام المياه عنصران رئيسيان لتوفير الغذاء للسكان المتزايدين...

الماء مورد ثمين قابل للنفاذ. فعلى الرغم من أنه يشكل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فإن نسبة ضئيلة منه هى تلك التى يمكن الوصول اليها في شكل ماء عذب. ومن بين مجموع حجم المياه الذي يجري سحبه، ثمة حاجة الى ما يقرب من 70 في المائة منه لانتاج الغذاء الذي يحرك النشاط البشري.وتقدر منظمة الأغذية والزراعة، وهي ترنو بنظرها الى الثلاثين عاما القادمة، أن تغذية سكان العالم سوف تتطلب زيادة الأغذية بنحو 60 فى المائة. وسوف يأتي القسم الأكبر من هذه الزيادة من تكثيف الزراعة الذي يدعمه الري. غير أن الماء قد أصبح بالفعل شحيحا في كثير من البلدان، ومازال التنافس يتزايد على المياه بين الاستخدامات الصناعية وتلك المنزلية. ومن ثم، فأين سنجد الماء اللازم لتوفير الغذاء للعالم.

تعتقد المنظمة أن الاجابة تكمن في تحسين الانتاجية الزراعية وكفاءة استخدام المياه. إذ ينتج المزارعون بفضل استخدام البذور الأفضل نوعية، وزيادة خصوبة التربة وتنفيذ التقنيات الزراعية الأخرى، غلات أكبر حيث يحصلون على أعظم استفادة من امدادات المياه الثمينة. وتتحقق أقصى منافع المياه من خلال زيادة كفاءة طرق الرى وتعزيز عملية تجميع المياه. وإننا تعتقد أن من الممكن بفضل المستحدثات انتاج الأغذية الاضافية المطلوبة بزيادة لا تتجاوز 14 في المائة من المياه. كما سيتعين بذل الجهود لاتاحة الفرصة للمستخدمين للحصول بصورة عادلة ومتساوية على المياه. ولا بد فى نفس الوقت، من معالجة الاهتمامات البيئية. فالزراعة المروية تعطي من الغلات ما يزيد مرتين أو ثلاث مرات على الزراعة البعلية، الا أنها يمكن أن تتسبب أيضا في تراكم الأملاح في التربة والمياه الجوفية. كما أن الافراط في استخدام المياه في احدى المناطق يمكن أن يحرم السكان من الحصول عليها فى منطقة أخرى.

الزراعة: المستهلك الأول للمياه. لن نستطيع انتاج الغذاء بدون توافر الماء. فالزراعة هى أكبر مستهلك للمياه حيث تحصل على ما يقرب من في المائة من الحجم الكلي من المياه التي تسحب من الأرض. وهى تحصل على كميات كبيرة من المياه لانتاج المحاصيل. إذ تحصل على ما يتراوح بين متر وثلاثة أمتار مكعبة من المياه لانتاج ما لا يتجاوز كيلو واحد من الأرز على سبيل المثال. ومع تزايد أعداد السكان، ستتزايد الحاجة الى المياه لأغراض الزراعة. غير أن الامدادات من المياه محدودة. إذ تشير دراسة أعدتها المنظمة عن 93 بلدا من البلدان النامية الى أن عددا من البلدان التي تشحّ فيها المياه تسحب بالفعل امدادات المياه بأسرع من الوتيرة التي يمكن أن تتجدد بها. وثمة عشرة بلدان في حالة حرجة، أى أن تلبية احتياجات الزراعة يتطلب منها سحب أكثر من 40 في المائة من موارد المياه المتجددة لديها. وثمة ثمانية بلدان أخرى تعاني من إجهاد مائي، أى أن تلبية احتياجات الزراعة يتطلب منها سحب أكثر من 20 في المائة من هذا المجموع.

فى نفس الوقت، يتزايد التنافس على المياه من جانب البلديات والصناعة. إذ تحصل الصناعة الآن على نحو 20 في المائة من مجموع المسحوبات من المياه في حين يحصل المستخدمون للأغراض البلدية على نسبة العشرة في المائة المتبقية. غير أنهم لا يستهلكون بالفعل من هذه النسبة التي يحصلون عليها سوى نحو 10 إلى 20 في المائة. وسوف يتعين علينا أن نعيد استخدام نسبة كبيرة من الـ 80 الى الـ 90 في المائة من المياه الفاقد. ولا بد قبيل إعادة استخدامها أو إعادتها إلى الأنهار أو الطبقات الحاملة للمياه من معالجتها لإزالة الملوثات منها.


ويبرز الموضوع الرئيسي ليوم الأغذية العالمي لهذا العام وهو "الماء: عماد الأمن الغذائي" الدور الأساسي الذي يضطلع به الماء في الجهود التي تبذلها المنظمة للمعاونة في اقامة عالم خال من الجوع. فالناس يتمتعون بالأمن الغذائي عندما يتاح لهم الحصول بصورة منتظمة على ما يكفي من الأغذية عالية الجودة لممارسة حياة ملؤها النشاط والصحة. ويفتقد الآن أكثر من 800 مليون نسمة هذه النعمة. وبوسعنا أن نستخدم كميات كافية من المياه لتوفير الغذاء للعالم - الا أن علينا أن نطبق تكنولوجيات محسنة وندرب الأفراد على استخدامها، ونساعد على ضمان فرص الوصول العادل والمتساوي الى الماء وحثّ صناع القرار على وضع السياسات التي تشجع على استخدام المياه بصورة مستدامة: فأرواحنا تعتمد على قطرة الماء.
  
ينبغي ادارة المياه المستخدمة في الزراعة بحكمة. فإحدى الكوارث البيئية التى وقعت تتمثل في الافراط في استخدام المياه التي تغذي بحر آرال في آسيا الوسطى. فقد تم تحويل الملايين من الأمتار المكعبة من المياه لري القطن، مما أدى إلى انخفاض منسوب المياه في البحر بمقدار 16 مترا خلال ثلاثين عاما. وانخفض المصيد من الأسماك الذي كان يبلغ 44 ألف طن في وقت من الأوقات الى الصفر، وترسبت الأملاح السامة من قاع البحر الجاف على الأراضي الزراعية المجاورة مما أدى إلى ذبول المحاصيل.

وينبغي مع تكثيف الزراعة، توجيه الاهتمام إلى البيئة. فالاستخدام غير السليم للأسمدة يمكن أن يصيب المياه السطحية والمياه الجوفية بالتلوث. وعندما لا يتم صرف المياه بصورة سليمة من التربة المروية، تصاب الأراضي بالتغدق. كما يمكن أن تحدث الملوحة مع تركيز الأملاح التي تتكون طبيعيا في التربة مما يفقدها خصوبتها. ويصاب نحو 10 في المائة من الأراضي المروية في العالم بالأضرار نتيجة لتراكم الأملاح، الأمر الذي يؤدي إلى فقد أراض زراعية كان يمكن أن تستخدم في زيادة انتاج الأغذية. ومن ناحية أخرى، فإن سحب المياه من الأنهار والبحيرات يمكن أن يعرض الأراضي الرطبة للخطر وهي مصدر هام للمصايد الداخلية ومصفاة طبيعية تؤدي إلى تنظيف المياه العادم.

أدوات للنهوض بالانتاج المروي والبعلي. على الرغم من أن البلدان النامية تعتمد على كل من المحاصيل المروية والبعلية في تغذية سكانها، فسوف يتعين الحصول على الكثير من الزيادة في الإنتاج الغذائي من الأراضي المروية. وتتوقع المنظمة زيادة المناطق المروية في البلدان النامية بنسبة 20 في المائة في عام 2030. وإذا ما اقترن ذلك بزيادة الكثافة المحصولية، فإن المساحة المحصولية الفعلية سوف تزيد بنحو الثلث من 250 مليون هكتار إلى مليون هكتار. ويتطلب توفير مياه كافية لدعم هذه الزيادة، زيادة إنتاج محاصيل مقابل كل قطرة ماء.

وأكثر أشكال الري شيوعا، وهي الري السطحي الذي تغمر فيه المياه الحقول، والري بالرشاشات الذي يحاكي الأمطار، يمكن أن تتسبب في هدر المياه. فالأشكال الأكثر كفاءة هي الطرق الموضعية مثل الري بالتنقيط، التي تضع قطرة المياه حيثما تنهض الحاجة إليها. والزراعة البعلية، المسؤولة عن إنتاج كميات من الأغذية عموما أكبر مما تنتجه الأراضي المروية، تستفيد من الممارسات الزراعية التي تمكّن من تجميع أكبر قدر من مياه الأمطار. ويتيح تجميع المياه – أى جمع المياه في منشآت تتراوح بين أراضي الراحة الصغيرة والخزانات – للمزارع حفظ مياه الأمطار وتوجيهها إلى المحاصيل. ويمكن أن يزيد تجميع المياه من الغلات بنحو مرتين إلى ثلاث مرات عن الزراعة البعلية. كما تزيد الأصناف المحسنة، وأنماط الزراعة المحسنة والحد الأدنى من طرق الحراثة المحافظة على المياه، من الغلات بدرجة أكبر.

ويمكن العثور على مثال على النتائج الباهرة التي يمكن أن تتحقق من خلال تنفيذ هذه التحسينات في وادي كيتا في النيجر. فقد نجح ما يزيد على أربع ملايين ساعة عمل للسكان – شملت حفر الآبار وإقامة بنى لتجميع المياه مثل الهدارات والحواجز– في تحويل الوادي من صحراء جرداء إلى بساتين من المحاصيل والثروة الحيوانية والأشجار.

  
الجبال: قمم المياه للأرض
يعتمد أكثر من نصف سكان العالم على المياه التي تنبع في الجبال للشرب وزراعة الأغذية، وانتاج الكهرباء، وتدعيم الصناعات. ومع ذلك، فإنه في الوقت الذي تتزايد فيه حاجة الإنسان إلى المياه، تهدد النشاطات البشرية توافرها في المستقبل. فإزالة الأشجار من الأراضي الشجرية الجبلية، والتعدين والتوسع العمراني والاحترار العالمي تحدث أضرارا جسيمة بمستجمعات المياه الجبلية. وتعمل المنظمة، بوصفها الوكالة الرائدة في الأمم المتحدة المسؤولة عن الاحتفال بالسنة الدولية للجبال (2002) على زيادة الوعي بأهمية الجبال والمجتمعات المحلية الجبلية.
يحظى تدريب المزارعين على إدارة المياه بالأولوية في المنظمة. وتساعد المنظمة، بالاشتراك مع شركائها في التنمية، بما في ذلك البرنامج الدولي للتكنولوجيا والبحوث في مجال الري والصرف، البلدان الأعضاء على وضع برامج للتكنولوجيا والبحوث، وتنظيم حلقات عمل ودورات تدريبية ووضع نشاطات إقامة الشبكات مثل المنتديات الإلكترونية والنشرات الإخبارية حيث يمكن للبلدان من خلالها أن تتبادل المعلومات عن أفضل الممارسات. وبغية ضمان استفادة النساء والرجال على قدم المساواة من السياسات والبرامج الخاصة بالمياه، تعقد مبادرة التحليل الاجتماعي والاقتصادي والمساواة بين الجنسين لدى المنظمة حلقات عمل وتعد كتيبات تدريبية تستند إلى ثلاثة مبادئ إرشادية هى أن الأدوار المختلفة للرجال والنساء هي المفتاح، والسكان المحرومون هم الأولوية، وأن نجاح التدريب يتطلب المشاركة.

وقد يكون أحد السبل لتحسين فرص الحصول على المياه اعتبارها سلعة اقتصادية فضلا عن كونها حقاً اجتماعياً. فسياسة التسعير التي تجعل من إهدار المياه أمرا باهظ التكلفة تعتبر من أفضل الحوافز على المحافظة على المياه. ويتعين معاملة صغار المزارعين الحائزين معاملة عادلة إذ لا يتعين أن يدفعوا التكاليف الكاملة للمياه كما لا يتعين عدم حصولهم عليها دون مقابل.

وينبغي توجيه اهتمام خاص للنساء اللواتي يشكلن أغلبية المزارعين في العالم النامي، وإن كن يستبعدن في كثير من الأحيان بحكم التقاليد من امتلاك الأراضى وإدارة المياه. وتعكف المنظمة، بمشاركة صندوق الأمم المتحدة للشراكة الدولية، على تنفيذ مشروع طموح مدته ثلاث سنوات لتعزيز قدرة النساء على إدارة الري وموارد المياه في كمبوديا ونيبال وزامبيا. وتتعلم النساء في هذه البلدان، بمساعدة المنظمات غير الحكومية المحلية، كيفية زيادة مشاركتهم في القرارات والاجراءات الخاصة بإدارة المياه مما يؤدى إلى تحسين الأمن الغذائي لأسرهن ومجتمعاتهن المحلية.

سياسات اليوم لضمان مياه الغد. ثمة حاجة الى سياسات على المستويات الدولية والقطرية والمحلية لتوجيه عملية استخدام المياه في الأغراض الزراعية. وتعتبر الاتفاقيات الدولية مفيدة، بصورة خاصة، عندما تعبر موارد المياه الرئيسية أكثر من بلد واحد. فتقوم الدول العشر المطلة على نهر النيل، بمساعدة فنية من المنظمة، بتنفيذ مشروع خاص بموارد المياه في حوض النيل كجزء من مبادرة حوض النيل حيث تجري مساعدة هذه الدول على الحصول على المياه وإدارتها بصورة متساوية. ووضعت الأمم المتحدة اتفاقية إطارية، صدقت عليها حتى الآن عشر دول، لتوجيه المفاوضات المتعلقة بإدارة المياه العذبة. وسوف يبدأ سريان هذه الاتفاقية لدى تصديق 35 دولة عليها. كما ينبغي النظر في التقاليد المحلية لإدارة المياه والحصول عليها للتأكد من عدم تضاربها مع السياسات الحكومية المقترحة. وثمة حاجة إلى استثمارات للترويج لسياسات المياه الجديدة. وسيتعين على الحكومات تهيئة الظروف التي تجتذب هذه الاستثمارات. وسيتعين أيضا توفير الأشكال المبتكرة للقروض لمساعدة الفقراء على الاستفادة من تقنيات إدارة المياه المحسّنة.

المضخات المدارة بالقدم من آسيا لأفريقيا
 
في أوائل الثمانينات، بدأ الآلاف من المزارعين في بنغلاديش استخدام جهاز ثوري جديد: عبارة عن مضخة مياه بسيطة غير باهظة التكلفة وتعمل بالطاقة البشرية لري المحاصيل. واقتنعت المنظمة بأن هذه التكنولوجيا تستطيع أن تساعد المزارعين الأفارقة إذا أمكن تكييفها لتناسب الظروف المحلية وتصلح للانتاج محليا.

ففي زامبيا، قدم مشروع مشترك بين البرنامج الخاص للأمن الغذائي في المنظمة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية بدأ في بيانات عملية عن منافع هذه المضخة. وبعد ذلك، تم بمساعدات من المنظمة غير الحكومية "أعمال التنمية الدولية" تدريب الصناع المحليين على إنتاج وبيع هذه المضخة. وسرعان ما انتشرت شبكة من متاجر التجزئة في مختلف أنحاء البلد وتم بيع أكثر من 1000 مضخة بتكلفة تتراوح بين 75 و125 دولارا.

  وبدلا من حمل جرادل المياه الثقيلة إلى رقعهم الصغيرة المزروعة بالفاصوليا والبطاطا والكسافا، ضخ المزارعون كميات أكبر من المياه في فترة زمنية أقل بهذه المضخات التي تدار بالقدم.

وضاعف المزارعون من مساحتهم المحصولية وأدخلوا أصنافا جديدة مثل الطماطم والكرنب واللفت والبصل. واستفادت النساء على وجه الخصوص من التكنولوجيا حيث استطعن النهوض بتغذية أسرهن مع إدرار دخل إضافي. وبدأت مشروعات مماثلة مع الصناع المحليين في بوركينا فاصو وملاوي ومالي والسنغال وجمهورية تنزانيا المتحدة.

  • الادارة المعنية بادارة الموارد المائية وتنميتها
صدرت في أكتوبر/تشرين 2002
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2002