تعتبر الإصابات المِعديّة المِعويّة الناجمة عن الطفيليات السلكيّة - أو بعبارة أبسط الديدان - إحدى أخطر الأمراض التي تصيب الثروة الحيوانية في كل أنحاء العالم. وتتفاقم المشكلة في حال استخدام الاستراتيجيات التقليدية لمكافحة الأمراض: ففي معظم البلدان المنتجة للأغنام، طوّرت السلكيات قدرتها على مقاومة الكيماويات المبيدة للديدان ولا تتوافر بعد اللقاحات الموعودة منذ زمن بعيد ضدّ تلك الطفيليات.
لكن تشير دراسة أجرتها المنظمة مؤخراً إلى وجود استراتيجية أخرى مباشرة - ومستدامة - لمكافحة السلكيات. وهي تقضي أولاً بجمع روث الأغنام الصغيرة وحساب بيض الديدان فيها. ويجري بعدها حصر الحيوانات التي لديها أقلّ عدد من البيض وخصائص الإنتاج المرغوب فيها - حيث تبيّن أنّ الذكور أو إناث التربية أكثر ملاءمة لإنتاج قطعان قادرة على مقاومة السلكيات. (ويمكن في المقابل التحقق من لون الجفن للكشف عن حالات فقر الدم نتيجة الإصابة بالسلكيات).
وتعتبر دراسة المنظمة، وعنوانها فرص دمج العناصر الوراثية ضمن إدارة أمراض حيوانات المزرعة، أنّ الحكومات وقطاع الثروة الحيوانية أغفلت عموماً الإمكانات التي تتيحها الأساليب الوراثية البسيطة - وذات التقانة الرفيعة جداً أيضاً. وتضيف أنّ ازدياد القدرة على مقاومة الأمراض أو تحمّلها سوف تؤدي إلى تقليص الحاجة إلى مدخلات، لا سيما العقاقير، وسوف تستفيد منها على وجه الخصوص النظم الزراعية المعتمدة على مدخلات منخفضة في البلدان النامية. وفي هذا الصدد، سألت الزراعة فى القرن 21 رأي Keith Hammond من قسم الإنتاج الحيواني والصحة الحيوانية في المنظمة، لمعرفة المزيد من التفاصيل...
هل يعني هذا أنّ تربية حيوانات المزرعة لا تسمح لها عادة بمقاومة الأمراض والإصابة؟ "ليس هذا فحسب. ففي العالم المتقدم، ركّزت تربية الحيوانات بصورة خالصة على بعض الخصائص مثل إنتاج الألبان واللحوم والبيض والألياف، مع اعتبار العقاقير الاستراتيجية الوحيدة تقريباً لإدارة الأمراض. وترتّب عن ذلك تقليص حاد في الإمكانات الوراثية للثروة الحيوانية لدينا على مقاومة الإصابات أو تحمّلها، في مقابل زيادة قدرة الطفيليات أنفسها - الديدان والبكتيريا والفيروسات - على التسبب بالإصابة. وبطبيعة الحال فإنّ القسم الأكبر من بلدان العالم النامي تعاني، في معظم الأحيان، من نقص في العقاقير لمعالجة الأمراض والإصابات، وهو ما يفسّر الخسائر السنوية البالغة 30-35 في المائة في قطاع الثروة الحيوانية. ويتكبّد المزارع وحده الخسائر أو يعالج لوحده كل حيوان من الحيوانات على قدر المستطاع."
يشير تقرير المنظمة إلى أنّ استراتيجيات التدخل الكيماوية "غير مستدامة من الناحية البيولوجية". فما مدى خطورة المشكلة؟ "بالإضافة إلى ازدياد القدرة على مقاومة السلكيّات ومبيدات الديدان، نشهد ازدياد قدرة البكتيريا على مقاومة المضادات الحيوية، وهو أمر مثير للقلق بالأخص في نظم الإنتاج المكثّف، حيث تستخدم المضادات الحيوية لمكافحة مشكلات مرتبطة بالأمراض المجهولة وشبه السريريّة أحياناً. وهناك حالياً مقاومة واسعة النطاق للعقاقير المستخدمة لمكافحة الأوليّات التي تتسبب بداء المِثقبيّات لدى الحيوانات. وكلما ظهر جيل جديد من اللقاحات ضد مرض ماريك في الدجاج، ظهر في المقابل نوع من الفيروس أشد ضراوة. وحتى بالنسبة إلى مرض الحمى القلاعية، تعتبر حكومات كثيرة أنّ اللقاحات الموجودة غير فعالة لمواجهة هذا التحدي."
كيف يمكن عملياً دمج العناصر الوراثية ضمن استراتيجيات إدارة الأمراض؟ li.gif
أيٌ من الأمراض هي الأكثر استجابة مع الاستراتيجيات الوراثية؟ "تنطوي معظم الأمراض الحيوانية على إمكانية دمج عناصر وراثية في إدارة الأمراض. وقد أحرز تقدّم بالفعل في مجال استخدام علم الوراثة للقضاء على مرض الرعاش لدى الأغنام في أوروبا (أنظر الإطار إلى اليمين). وأظهرت أبحاث مقنِعة أنّ أداء العديد من سلالات المعز والأغنام أفضل في مواجهة الديدان من أداء سلالات أخرى. ففي المناطق الرطبة مثلاً في كينيا الموبوءة بالطفيليات السلكية، فإن سلالة أغنام Red Maasai المحلية أكثر مقاومة بكثير للخيطيّات - وتنتج كمية من اللحوم تزيد ثلاث مرات - مقارنة مع السلالات المحسّنة مثل Dorper . وتفيد الأبحاث بالنسبة إلى الدواجن عن وجود فرص كبيرة لدمج العناصر الوراثية ضمن إدارة الأمراض في ما يتعلق بمرض نيوكاسل ومرض الخُزيزات والسلكيات، لكن لا بد من الحصول على معلومات جديدة لاعتماد النهج الوراثية في نظم الحيازة الصغيرة، حيث يمكن تحقيق منافع هائلة."
لكن الحياة تتطوّر - ألا يعني هذا أنّ الطفيليات ستتكيّف مع التغيرات الوراثية في العائل؟ "من شأن أي تدبير من تدابير تقليص عدد الطفيليات أن يحدث تغييرات وراثية في الطفيليات للإفلات من استراتيجية المكافحة. والمضادات الحيوية أبلغ مثال على ذلك. وقد يحدث هذا أيضاً في حال استخدام علم الوراثة. ولوحظ ذلك في النباتات رغم عدم وجود أمثلة حتى الآن عن حدوثه في الحيوانات المستأنسة. وفي الأمراض الطفيلية الكبيرة مثل الطفيليات المعدية المعويّة، لن يترتب على التحسين الوراثي للقدرة على المقاومة سوى ضغط ضعيف على الطفيليات لدفعها إلى التطوّر. ويتعارض هذا مع تدابير المكافحة الكيماوية التي ينشأ عنها ضغط قوي للانتخاب. لذا من المتوقع أن تكون الاستراتيجيات الوراثية من حيث تطوّر الطفيليات أكثر استدامة من الكثير من استراتيجيات التدخل الأخرى لمكافحة تلك الأمراض. لكن هذا قد لا ينطبق على البكتيريا والفيروسات، حيث قد يحدث في نهاية المطاف تغيّر ناجم عن تطوّر الطفيليات."
ما مدى أهمية التطورات السريعة التي نشهدها اليوم في مجال علم الوراثة الجزيئية في إدارة الأمراض؟ "ستكون حاسمة بلا شك. وهناك حالياً مجموعة واسعة من التقنيات والإجراءات الجزيئية الفعّالة للغاية وهي تزداد يوماً بعد يوم تقريباً. ويساهم القدر الهائل من العمل الوراثي الجزي في مجال الأمراض التي تصيب الإنسان، إلى حد كبير، في تسهيل العمل على علم الأحياء لدى الطيور والثدييات - الأشد تعقيداً من النباتات. وتتيح الثورة في علم الوراثة الجزيئية الحيوانية إمكانات كبيرة لإحراز تقدم هام في مجال فهم المرض، على المستوى الوراثي والبروتيني والفسيولوجي والحيواني والتجمعات. وسنُدخل خلال العشر إلى الخمسة عشر سنة القادمة تغييرات جذرية في الكثير، إن لم يكن في معظم، استراتيجيات إدارة الأمراض الحيوانية."
هل ثمة خطر من أن يستدعي الأسلوب الوراثي استخدام تقانة - مثل الواسِمات الجزيئية - غير المتوافرة في العديد من البلدان النامية؟ "سوف تستخدم عامة الإدارة الوراثية على المدى القصير تقانة أبسط نوعاً ما من الواسِمات الوراثية - وسيعتمد أكثر فأكثر انتخاب كل من الحيوانات أو السلالات ذات القدرة الأكبر على المقاومة على عمليات تقدير مظهريّة. وفي عدد من الأمراض، لا سيما تلك التي تصيب المجترات المشمولة بالإدارة المكثّفة، حيث تتوافر المعرفة الكافية للبدء فوراً في عملية الانتخاب لكل من الحيوانات أو السلالات المقاوِمة. "لكن يجب ألا يغيب عن البال أنّ الوعد بالتوصل إلى إجراءات مستدامة بكلفة متدنية يمكن دمجها في استراتيجيات قطرية لإدارة الأمراض يشكل جزءاً لا يتجزأ من ثورة التقانة الحيوية. كما تقدّم التقانة الحيوية في الوقت الحاضر أدوات إضافية لفهم السمات الوبائية للأمراض، مثل الطاعون البقري وطاعون المجترات الصغيرة والحمى القلاعية. وسيساعد توصيف الفيروسات المسببة بفضل علمي البروتينات والوراثة، على تحسين تركيبة اللقاحات توصلاً إلى فعالية أكبر. لكن الأهمّ أنّ ذلك سيسهل الانتقال إلى معلمة جديدة لمكافحة أمراض مستهدفة تتيح الاقتصاد في الموارد."
هل يعني هذا أن ّ الإدارة المرتكزة إلى علم الوراثة ستحلّ محل التدخلات الكيماوية؟ "علينا دمج المناهج الوراثية وغير الوراثية لإدارة الصحة. وتكمّل المكونات بعضها البعض إذا استعملت بشكل فعّال، وتحد من مخاطر فشل أي من المكونات. إذ إنّ تقليل الاعتماد على المكافحة الكيماوية يطيل العمر الفعلي لتلك المواد الكيماوية قبل ظهور القدرة على المقاومة. ذلك أنّ ضغط عملية الانتخاب على الطفيليات وعدد وقائع عملية الانتخاب أقلّ. وهذا التنوع في النهج المستخدمة في برنامج إدارة واحد هو ما يفسّر نجاح برامج الإدارة المتكاملة للآفات."