بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2003

   
لن نستطيع انتاج الغذاء بدون توافر الماء

إدارة المياه عام 2030

على السياسات الزراعية أن تهدف إلى الاستغلال التام لإمكانيات ممارسات إدارة المياه لزيادة الإنتاجية وتعزيز فرص الحصول المتكافئ على المياه وصيانة قاعدة الموارد المائية...

في النصف قرن الماضي، جنّبت الزيادات الكبيرة في الإنتاجية في قطاع الزراعة العالم حدوث نقص حاد في الأغذية وخطر المجاعة الجماعية. وشكّلت إدارة المياه في الزراعة البعلية والمروية معا عاملاً حاسماً لتحقيق تلك الزيادات. وساعدت إدارة المياه التي تعتبر مكوناً أساسياً من مكونات تقانة الثورة الخضراء التي تعتمد على استخدام الأسمدة وأنواع وفيرة الغلّة، على إعطاء دفع للإنتاجية - أو إنتاج "المحاصيل مقابل كل قطرة" - بنسبة 100 في المائة تقريباً منذ 1960.

وتطرح الثلاثون سنة القادمة تحديات جديدة. فمع نمو السكان - إلى 300 8 مليون نسمة تقريباً عام 2030 - على الزراعة أن تستجيب لتغيّر أنماط الطلب على الأغذية، ومكافحة انعدام الأمن الغذائي والفقر في المناطق الريفية، والتنافس مع المستخدمين الآخرين للحصول على الموارد المائية النادرة. ولا بد للسياسات الزراعية برأي منظمة الأغذية والزراعة، إذا ما أرادت تلبية هذه الطلبات المتنوعة، من الاستغلال التام لممارسات إدارة المياه لزيادة الإنتاجية وتعزيز فرص الحصول المتكافئ على المياه وصيانة قاعدة الموارد المائية. وتقترح المنظمة استراتيجية "تبعث الحياة مجددا" لإدارة المياه في القطاع الزراعي من خلال تحديث البنية الأساسية للري والمؤسسات ذات الصلة، مشاركة مستخدمي المياه مشاركة كاملة في توزيع التكاليف والمنافع، وإنعاش إحياء الاستثمار المتناقص في المجالات الرئيسية في مختلف مراحل سلسلة الإنتاج الزراعي.

المياه للمحاصيل. يحتاج الإنسان والحيوان إلى كميات مياه صغيرة نسبياً - إذ يشرب الإنسان عادة أربعة لترات مياه تقريباً في اليوم. لكن إنتاج كمية الغذاء التي يتناولها نفس الشخص في اليوم الواحد قد يستلزم ما يصل الى 5000 لتر مياه. لذا يستحوذ إنتاج المحاصيل من الأغذية والألياف على الحصة الأكبر من المياه العذبة التي تستمد من الموارد الطبيعية ليستخدمها الإنسان أي ما يعادل 70 في المائة من الكميات التي يتم سحبها عالمياً.

ويتوقع تقرير أعدته المنظمة مؤخراً بعنوان الزراعة العالمية في 2015/2030 أنه سيتعيّن زيادة إنتاج الأغذية في العالم بنسبة 60 في المائة لسد الفجوة التغذوية ومواجهة النمو السكاني والتكيّف مع تغيّر أنماط التغذية في الثلاثين سنة القادمة. ويتوقّع أن تزداد كميات المياه التي تسحب لأغراض الزراعة بنسبة 14 في المائة تقريباً في الفترة نفسها، أي بمعدل نمو سنوي قدره 0.6 في المائة مقابل 1.9 في المائة في الفترة 1963-1999. وستشهد الأراضي المرويّة الصالحة للزراعة القسم الأكبر من الزيادة، ومن المتوقع اتساع مساحتها على مستوى العالم ككلّ من مليوني كيلومتر مربّع تقريباً إلى 2.42 مليون كيلومتر مربّع. كما من المتوقع في 93 بلداً نامياً أن تزيد كفاءة استخدام المياه للري - أي معدل استهلاك المياه لكل محصول من المحاصيل والكمية الإجمالية من المياه التي يتم سحبها - بنسبة 38 إلى 42 في المائة.

تقديرات كميات السحب الإجمالية
19501995
الزراعة79%69%
الصناعات14%21%
البلديات 7%10%
  
وتشير المنظمة إلى أنه "في حال استمرار المكاسب المحققة في الخمسين سنة الماضية في إدارة المياه"، "سيخفّ الضغط على الموارد في مقابل اتساع نطاق تحويل المياه لاستخدامات أخرى غير زراعية." لكنها تشير إلى أنّ الزيادات المحققة سابقاً في الإنتاجية جاءت نتيجة الاستثمار الاستراتيجي ليس فقط في البنية الأساسية للتحكّم في المياه، بل أيضاً في الأبحاث والإرشاد الزراعي. وتظهر الاتجاهات الحالية في تلك المجالات الرئيسية من سلسلة الإنتاج انخفاضا حادا. ولا بد بالتالي، من أجل تلبية تحديات المستقبل، من إنعاش الاستثمار في الزراعة واستخدامه لدعم حزمة استراتيجية تضم معا الأبحاث والممارسات الزراعية المحسّنة وبناء قدرات مستخدمي المياه وتعزيز تجارة المنتجات الزراعية في العالم.

ويتوقف إحراز تقدم على حدوث تحوّل مما تسميها المنظمة "ثقافة إدارة الإمدادات" إلى ثقافة "إدارة الطلب". وكانت معظم عمليات التنمية المائية في النصف قرن الماضي قائمة على النموذج المرتكز على الإمدادات، حيث أنّ الوكالات القطرية أو الحكومية الكبيرة أخضعت مساحات زراعية شاسعة للريّ. لكنها لم تلقَ نفس النجاح في إدارة تلك النظم بعد إنشائها. وكانت القرارات تتخذ من الأعلى إلى الأسفل عادة وتطغى عليها البيروقراطية، مما لا يترك الكثير من المرونة للمستخدمين القاعديين لاختيار الأنماط الزراعية والتقويم وتوقيت إمدادات المياه. وغالباً ما دفعت إمدادات المياه غير الموثوقة المستخدمين على الإفراط في استغلال المياه الجوفية. وأصبح واضحاً في الثمانينات أنّ العديد من مشروعات الري أصبحت تشكل عبئاً على الميزانيات القطرية ومصدراً لتدهور البيئة.

وتعلّق المنظمة أملاً على إصلاحات الري بعيدة الأثر التي بدأت في التسعينات والتي أدت إلى نقل مكثّف للمسؤوليات إلى الروابط المحلية لمستخدمي المياه والتحوّل إلى استراتيجيات الإدارة المرتكزة على الطلب. ويشارك المزارعون أكثر فأكثر اليوم في اتخاذ القرارات وفي تحمّل كلفة تشغيل نظم الري وصيانتها. وتعتبر المنظمة أنّ "إحدى أولويات التحديث هي تقييم الأحوال المادية لنظام الري وتحديد الخيارات العملية للانتقال إلى خدمة موثوقة ومرنة أكثر لتوفير المياه وتلبية مختلف أنواع الطلب على المياه." ويعود للمستخدمين أن يقرروا في نهاية المطاف مستوى الخدمة التي يريدونها والتي يرغبون في تحمّل كلفتها.

"العوامل الخارجية السلبية". لكنّ إدارة المياه في القرن الجديد لم تعد تعني مجرّد إنتاج المحاصيل. وتشير المنظمة إلى أنّه "في حين يقضي الهدف المحدد بتوفير إمدادات مياه موثوقة وكافية أكثر للمحاصيل، ستكون للإدارة دائماً تأثيرات هامة على الأنشطة الاقتصادية والعمليات البيئية وصحة الناس." وتتعرّض الزراعة كما الصناعة لضغوط للحد من تأثير "العوامل الخارجية السلبية" فيها لا سيما تلك الناجمة عن استخدام الأسمدة ومبيدات الآفات.

  
من التأثيرات الإيجابية على البيئة استحداث مستنقعات اصطناعية ومناخات صغيرة والتنوع البيولوجي المرافق لها
وينبغي أن تكون المخاوف البيئية من ضمن عملية تحديث استخدام المياه وإدارتها. ويؤدي جلب المياه من الأنهر والبحيرات وإقامة بنى أساسية للري إلى نقل مستجمعات المياه الطبيعية التي تشكل بحد ذاتها مكونات عالية الإنتاج في النظم الأيكولوجية الزراعية. وغالباً ما يؤدي الصرف الناجم عن الري إلى تراجع نوعية المياه وانتشار الأمراض المتصلة بالمياه وتدهور التربة من خلال تغدّق التربة وازدياد ملوحتها. ولا بد برأي المنظمة لاحتواء هذه التأثيرات من أن تقوم الإدارة الحديثة للمياه على عمليات تقدير استراتيجية للبيئة وتحليل للتكاليف والمكاسب ورصد مستمر للبيئة وإدماج الري في سياق بيئي أوسع.

لكن لا بد أيضاً من وجود اعتراف أكبر بالنتائج الإيجابية للإدارة السليمة للمياه، بما في ذلك الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية لمناطق ريفية بأكملها من خلال تنمية رأس المال الاجتماعي اللازم لإدارة نظم الريّ وتوسيع البنية الأساسية للنقل والتسويق المستخدمة في بيع الإنتاج الزراعي. ومن النتائج الإيجابية للري على البيئة، استحداث أراضٍ رطبة اصطناعية ومناخات صغيرة والتنوع البيولوجي المرافق لها. وتساعد إدارة الأراضي في الزراعة المطرية على التحكّم بتآكل التربة وحماية المناطق الموجودة في أسفل التيار من الفيضانات. وتقول المنظمة "إنّ الاعتراف بتنوّع هذه العوامل الخارجية وباتساع نطاقها أساسي للتوصل إلى تنمية مستدامة." لكن في مقابل ذلك، تصبح الإدارة التي تركّز فقط على المحاصيل غير مستدامة من الناحيتين الاقتصادية والبيئية.

التدخّل بواسطة السياسات. المجال واسع برأي المنظمة للتدخل عن طريق السياسات والمساعدة على "إعادة ابتكار" إدارة المياه المستخدمة في الزراعة. وهي توصي باتباع منهج استراتيجي لتنمية الموارد المتاحة من أراضٍ ومياه بتلبية الطلب على المنتجات الغذائية والسلع الأساسية الزراعية والتوصل إلى وعي أكبر للمكاسب في الإنتاجية التي يساعد ترشيد استخدام المياه على تحقيقها.

ومن الضروري ضمان وجود "التزام راسخ" للمزارعين الأفراد وللأسر بموارد الأراضي والمياه، من خلال إعطائهم حقوقاً مرنة لحيازة الأراضي واستخدام المياه بما يضمن وجود ميزة تفاضلية للأغذية الأساسية وللمحاصيل التجارية. على أن تترافق تلك الحقوق مع إمكانية الحصول على قروض وتمويل في المناطق الريفية ونشر التكنولوجيا والممارسات الجيدة في مجال استخدام المياه. كما ينبغي تكييف استراتيجيات الإدارة بعيداً عن نظم الري الرسمية وباستخدام تكنولوجيات ملائمة للفقراء وبأسعار معقولة مثل تجميع المياه على نطاق صغير.

وتساعد برامج التحديث بالنسبة إلى نظم الريّ على استخراج كامل القيمة من التكاليف الهائلة والتخفيف من حدة الضغط على الأموال العامة. وينبغي أن تحوّل استراتيجيات التحديث نظم القيادة والتحكّم الصارمة إلى نظم أكثر مرونة لتقديم الخدمات. ويتعيّن لا بل يمكن الزراعة أن تساند مسؤولياتها البيئية بقدر أكبر من الفعالية من خلال تقليص التأثيرات السلبية للإنتاج المروي على البيئة قدر المستطاع والسعي إلى استعادة إنتاجية النظم الأيكولوجية الطبيعية.

أخيراً، يتعيّن على السياسات والاستثمارات الحكومية أن تساعد الأسواق المحلية من أجل تفعيل قدرة الإنتاج الزراعي على تلبية الطلب المحلي. ويعني هذا الاستثمار في السلع العامة الرئيسية مثل الطرقات والتخزين، وفي القدرات المؤسسية أيضاً، لكنه يفترض كذلك أن تلعب الاستثمارات من القطاع الخاص على نطاق واسع دوراً أكبر.

ثلاثة محاور

حددت منظمة الأغذية والزراعة ثلاثة "محاور استباقيّة" لإدارة المياه المستخدمة في الزراعة في السنوات القادمة:

التحديث. "حيثما تكون للري ميزة نسبية، يتعيّن على مؤسسات الري العمل على توجيه هذه الخدمة وعلى تحسين أدائها الاقتصادي والبيئي - مثلاً من خلال استخدام التقانة الجديدة وتحديث البنية الأساسية وتطبيق مبادئ الإدارة السليمة وتشجيع مشاركة المستخدمين. وينبغي ربط المهمة الرئيسية التي تقضي بتوفير خدمات الري بشكل أوثق بالإنتاج الزراعي وباحتياجات المستخدمين الآخرين على مستوى الحوض."

   المشاركة. "قد يكون من الصعب التفاوض بشأن تقاسم منافع وجود قاعدة مشتركة للموارد الطبيعية. لكن يمكن جني مكاسب اقتصادية كبيرة عندما تتم عمليات نقل الأراضي والمياه بصورة مرنة في إطار تنظيمي محكم التصميم. ولن تتكلل هذه المبادرات بالنجاح ما لم يكن هناك التزام راسخ بمشاركة المستخدمين في قرارات التخطيط والاستثمار وفي التقاسم الكامل والمفتوح للمعلومات الاقتصادية والبيئية."

الاستثمار. "ينبغي وجود ميزة نسبية لتحفيز المستخدمين الأفراد والجماعات على الاستثمار في التحكّم في المياه، بما يفيد الأسواق المحلية وأسواق التصدير على حد سواء. ويكون هذا من خلال إعطاء قروض صغيرة لأصحاب الحيازات الصغيرة وقروض تجارية منظّمة للمزارعين الناشئين وعلى نطاق واسع وتسهيلات في التمويل للبنى الأساسية العامة الكبيرة."

  • أنظر أيضاً مقالات أضواء كاشفة: زيادة إنتاجية المياه، تحسين تقانة الري وتحديث إدارة الري
  • المزيد من المعلومات عن المنتدى العالمي للمياه
  • لمزيد من المعلومات عن المياه في الزراعة أنظر إدارة تنمية موارد المياه وإدارتها (بالإنجليزية)
صدرت في مارس/آذار 2003
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2003