بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2005

   
كما أن قوى السوق التي تطلق محلات السوبر ماركت لها العنان تؤثر أيضاً على تجار الجملة التقليديين

المزارعون ومحلات "السوبر ماركت" في آسيا

من المحتمل أن يشتدّ الضغط على هامش ربح المزارعين كلما اقترب اهتمام محلات "السوبر ماركت" بسلامة الأغذية وجودتها من اهتمامها الآن بالتكاليف...

الأخبار الطيبة لمزارعي الفواكه والخضراوات في آسيا تقول بأن سلاسل محلات السوبر ماركت التي تتوسع على نحوٍ سريع في الإقليم قد أصبحت حريصة على بيع المنتوجات الطازجة بصورة خاصة. حيث تشكل الفواكه والخضراوات في لغة التسويق الآن "الفئة المقصودة"، أي الفئة التي تجذب المستهلكين وتبني ولاء المستهلك. أما الأخبار السيئة فهي أن تجارة الأغذية بالتجزئة الحديثة تنطوي على منافسة شديدة، وهوامش ربح منخفضة، ومعايير جودة صارمة، ونظم مشتريات تركز باطراد على مجموعة النخبة من "المزوِّدين المفضلين". وفي بيئة "إما الغرق وإما السباحة" هذه، يتحتم على الكثير من باعة الفواكه والخضراوات بالجملة - إضافة إلى ملايين المنتجين صغيري النطاق - إما أن يتكيفوا أو أن يواجهوا الاستبعاد من السوق.

وقد تم تحليل الفرص والمخاطر التي تفرضها "ثورة السوبر ماركت" الآسيوية في دراسة جديدة أصدرتها إدارة التسويق الزراعي بالمنظمة (AGSF). حيث وجدت أنه على الرغم من أن غالبية المستهلكين الآسيويين ما زالت تفضل المنافذ التقليدية عند التسوق لشراء الأغذية الطازجة، فإن تجارة الأغذية بالتجزئة الحديثة قد بدأت فعلاً في تغيير بنية سلاسل التزويد بالفواكه والخضراوات في أنحاء كثيرة من الإقليم. ويقول الخبير الاقتصادي في التسويق بالمنظمة/ أندرو شيبرد "ثمة قلق متزايد من أن تسفر ترتيبات مشتريات السوبر ماركت الحديثة عن شروط تجارية غير مواتية للمزارعين صغيري النطاق." وينبه إلى أن البحوث واسعة النطاق التي أجريت على آثار تطور السوبر ماركت على دخل المزارعين الآسيويين قليلة، وأن الكثير من صانعي السياسات "غير مجهّزين بعد لمساعدة المزارعين على اتخاذ قرارات مبنية على علم بشأن المصير الذي ينتظرهم في السوق".

الروابط الرأسية. تشير تقديرات المنظمة إلى أن المزارعين الآسيويين أنتجوا أكثر من 600 مليون طن من الخضراوات و 200 مليون طن من الفواكه في عام 2004. و ينطوي تسويق هذه المنتوجات الطازجة على روابط رأسية عديدة: حيث يبيع عدد كبير من المزارعين مخرجاتهم لعدد قليل نسبياً من التجار الذين يزودون أسواق الجملة، التي تقوم بدورها بتزويد أسواق التجزئة ومنافذ أخرى. ولكن هذه الطريقة التقليدية للعمل تخضع للتغير: إذ أن النمو الاقتصادي السريع، وازدياد التمدين، والاندماج المتسارع في الاقتصاد العالمي قد أدت إلى موجة عارمة في عدد محلات السوبر ماركت ومحلات "hypermarkets" في كافة أنحاء آسيا النامية.

حيث يقول أندرو شيبرد "تستخدم غالبية الأسر باعة التجزئة التقليديين للحصول على الفواكه والخضراوات على الرغم من أنها قد تستخدم محلات السوبر ماركت للحصول على منتجات أخرى. ولكن تبقى هناك ملاحظة - ولربما كانت حقيقة - أن إمدادات أسواق التجزئة التقليدية طازجة أكثر وأرخص. ومع ذلك، ما زالت محلات السوبر ماركت تشق طريقها نتيجة لأسعارها التنافسية، وجودتها الأكثر موثوقية، وحقيقة أنها توفر "وقفة واحدة" للتسوق."

إن الدور الناشئ لسلاسل التجزئة الحديثة في مبيعات المنتوجات الطازجة أشد ما يكون وضوحاً في المدن الماليزية، فقد تولت ما يصل إلى 60 بالمئة من مبيعات الفواكه و 35 بالمئة من مبيعات الخضراوات في عام 2002. تليها بانكوك، حيث تم بيع 40 بالمئة من الفواكه و 30 بالمئة من الخضراوات من خلال محلات السوبر ماركت ومحلات "hypermarkets". وعلى الرغم من أن النمو في مبيعات الفواكه والخضراوات الطازجة من جانب محلات السوبر ماركت أبطأ من نمو مبيعات منتجات الأغذية المعالجة (المصنعة)، إلا أنها أحدثت تأثيراً سلبياً بالفعل على نظام توزيع الأغذية الإقليمي. وتقوم سلاسل محلات السوبر ماركت في آسيا بتطبيق ممارسات شائعة في الغرب واليابان، ومن ضمنها استخدام نظم المشتريات المركزية، وباعة جملة "ملتزمين" يعملون أحياناً كمزودين وحيدين، ونظم "المزود المفضل"، ومعايير خاصة صارمة لجودة الفواكه والخضراوات.

دوافع التغيير
لقد اندفع التحرك صوب محلات السوبر ماركت في آسيا بفعل عدد من العوامل - من ضمنها السيارات...
نمو الدخل الذي أدى إلى زيادة امتلاك الثلاجات الذي أحدث تحولاً من التسوق اليومي إلى التسوق الأسبوعي، وكذلك امتلاك السيارات الذي مكّن من التسوق بكميات كبيرة من أماكن بعيدة.
تغير أفضليات المستهلكين الذي قاده دخول النساء في القوة العاملة. حيث تفضل "المرأة العاملة" تسوق الوقفة الواحدة والسريع والمريح والحصول على قيمة مقابل المال.
تغير عادات الأكل- مع وجود مزيد من النساء اللواتي يعملن خارج المنـزل وسفر الأسر مسافات أطول للعمل، ثمة حاجة متزايدة للأغذية الجاهزة.
تطور البنية الأساسية، كالطرق السريعة ووسائل النقل، ما شجع على تطوير سلاسل محلات السوبر ماركت.
انخفاض هامش ربح بيع التجزئة والتنافس الشديد خلقا "سوق المشتري" الذي يتمتع فيه المستهلكون بخدمات منخفضة التكاليف مع الجودة - ويتنقلون بسعادة بين منافذ البيع بالتجزئة.
التغيرات الديمغرافية والثقافية والاجتماعية، ومن ضمنها النسبة المتصاعدة للأسر النووية و "أسر الشخص الواحد" والاستخدام المتزايد لبطاقات الائتمان.
ازدياد السفر الذي عرّف الآسيويين على بيع التجزئة الحديث، وعلى مجموعة متنوعة من المنتجات وتوافر منتوجات طازجة "خارج موسمها".
الآثار على المزارعين. يقول التقرير بأن التنافس الشديد بين سلاسل محلات السوبر ماركت يضطرها للسعي للحصول على تكاليف منتَج وتحويلات منخفضة، والى الحد من المخاطرة. ما يعني بالنسبة للمنتجين أن السلاسل لن تساهم في الاستثمارات اللازمة على مستوى المزرعة إذا ما رغب صغار المزارعين في المشاركة في الأسواق الجديدة. ومن المحتمل أن يشتدّ الضغط على هامش ربح المزارعين كلما اقترب اهتمام محلات السوبر ماركت بسلامة الأغذية وجودتها من اهتمامها الآن بالتكاليف - حيث يفتقر صغار المزارعين عادةً إلى رأس المال اللازم للاستثمار في البنية الأساسية الصحية ومهارات حفظ السجلات التي تشترطها "القابلية للتتبُّع".

كما يواجه كثير من صغار المزارعين عقباتٍ حتى قبل تحدي تلبية معايير السلامة المعقدة وممارسات التجارة الجيدة. حيث تصر المخازن على التسليم في ساعات مبكرة. ويتوجب على المزارعين الملتزمين بتزويد محلات السوبر ماركت 365 يوماً في السنة أن يتنكروا للالتزامات الدينية والاجتماعية التقليدية، التي يمكن أن توقف معظم العمليات داخل المزرعة لمدة أسبوعين سنوياً. كما يتوجب عليهم أن يتقبلوا رفض المشترين لمنتجاتهم، من دون تعويض. حيث يقول شيبرد "يتجه صغار المزارعين، لأسباب وجيهة جداً، لأن يكونوا مبغضين للمخاطرة. ولكن تزويد محلات السوبر ماركت بصورة ناجحة يتطلب تقبل القيام باستثمارات مغامرة، وزراعة محاصيل أو أصناف جديدة، و- على المدى الطويل - التركيز على بضعة محاصيل."

وفي نظم التسويق التقليدية غالباً ما يتلقى المزارعون قروضاً من التجار خلال فترة الإنتاج. ومع أن بعض سلاسل محلات السوبر ماركت تقدم سُلفاً وقروضاً لشراء المدخلات إلا أنها على العموم لا ترغب في التورط في تمويل المزارعين. كما تتفاقم مشكلات التدفق النقدي التي تنشأ عن ذلك نتيجة لحقيقة أن السلاسل يمكن أن تؤخر دفع المستحقات لمدة ربما تصل إلى 90 يوماً. وتنعكس المصاعب التي يعاني منها المزارعون في تزويد محلات السوبر ماركت في آسيا على شكل انخفاضات حادة بعض الشيء في الأعداد المشاركة، حيث تقوم الشركات بشطب المزودين الذين لا يحققون التوقعات فيما يخص الحجم والجودة والتسليم من قوائمها. ففي ماليزيا مثلاً كان لإحدى السلاسل 200 مزود في 2001- ولكن بحلول عام 2003 انخفض هذا العدد إلى ثلاثين "مزود مفضل" فقط.

كما أن قوى السوق التي تطلق محلات السوبر ماركت لها العنان تؤثر أيضاً على تجار الجملة التقليديين: حيث نشأ توجه في مشتريات محلات السوبر ماركت صوب النظم المركزية، التي تقوم على وجود مكتب شراء مركزي والتوزيع إلى المخازن من خلال شبكة من مراكز التوزيع. وهو ما يخفض تكاليف التنسيق، ويولّد اقتصادات ذات حجم كبير من خلال أحجام المشتريات الكبيرة وتكاليف التحويلات القليلة، ويعطي كذلك منافذ السوبر ماركت سيطرة أكثر إحكاماً على جودة المنتَج. كما أن سلاسل كثيرة أخذت تتحول عن أسواق الجملة التقليدية إلى تجار جملة ملتزمين، يعتبرون أكثر استجابة لاشتراطات الجودة والسلامة والاتساق من تجار الجملة التقليديين، الذين يجمعون المنتوجات من منتجين عديدين وقد لا يكونوا قادرين على توريد الكميات اللازمة. وتشير الخبرة في تطور محلات السوبر ماركت في الولايات المتحدة وأوروبا إلى أن الخطوة التالية ستكون الاندماج أو تشكيل الائتلافات بين السلاسل وتجار الجملة الملتزمين، والتحرك صوب الإنتاج التعاقدي مباشرة من المزودين المفضلين، وبهذا يتم تجاوز تجار الجملة التقليديين تماماً.


"المزوِّد المفضَّل"؟
دور الحكومة. يقول أندرو شيبرد: ثمة شيء واحد مؤكد وهو أن " محلات السوبر ماركت قد وجدت لتبقى. وعلى الحكومات أن تتعرف على الاتجاهات وتحدد أساليب لدعم المزارعين كي يلبوا احتياجات سلاسل التزويد الحديثة، وأن تساعد كذلك نظم التسويق الحالية على التنافس مع قطاع محلات السوبر ماركت." حيث تستطيع الحكومات مثلاً أن تقدم حوافز - من ضمنها التطبيق الأكثر صرامة للأنظمة - لتشجيع تحديث الأسواق التقليدية. كما يمكن أن تكون خدمات الإرشاد أكثر تجهيزاً لتلبية احتياجات المزارعين للمعلومات عن الأسواق وعن قضايا الجودة. ولأن "نماذج سلاسل التزويد" الجديدة لا تشجع استثمار محلات السوبر ماركت في المزودين، فإن بمقدور الحكومات أن تحفز ترتيبات للتمويل بين البنوك ومحلات السوبر ماركت والمزودين وشركات المدخلات.

كما يجب توجيه العناية إلى الأطر القانونية والتنظيمية التي تحكم قطاع البستنة. حيث يمكن للحكومات أن تقدم المشورة حول الترتيبات التعاقدية، وتضع خطط التحكيم، وتطوّر إصدار شهادات الجودة، وتقيم مختبرات وإجراءات تشخيص لمعالجة نواحي القلق المتصلة بالسلامة. ولأن صغار المزارعين سيجدوا أن من الصعب - إن لم يكن من المستحيل - عليهم أن يتنافسوا مع المزارعين الكبار في تزويد محلات السوبر ماركت فإنه يمكن للحكومات كذلك أن تشجع على إقامة ائتلافات تعاونية ترتبط إما مباشرةً بمحلات السوبر ماركت أو بتجار جملة وسطاء. كما يمكن لوزارات الزراعة أن تساعد محلات السوبر ماركت وأرباب الصناعات الزراعية في العثور على مزارعين تتوفر لديهم القدرة على تزويد ما يحتاجه المشترون. وأخيراً، إن إحدى الاستراتيجيات الدفاعية الجيدة للمنتجين وتجار الجملة عند انخفاض نصيبهم في السوق هي زيادة الحجم الكلي للسوق: حيث قامت بلدان آسيوية عديدة باطلاق حملات ترويج "خمسة كل يوم" التي تشجع الناس على التمتع بخمس حصص صحية من الفواكه والخضراوات يومياً.

  • اقرأ تقرير المنظمة The implications of supermarket development for horticultural farmers and traditional marketing systems in Asia (PDF, 224kb)
  • المزيد عن آثار محلات السوبر ماركت على المزارعين الآسيويين
مايو/أيار 2005
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2005