بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2005

   
أدت العولمة الى تسريع تكرار ظهور أمراض الحيوان العابرة للحدود، وزيادة سرعتها وتوسيع نطاقها الجغرافي

العلم والإنتاج الحيواني العالمي


بقلم: لويز فريسكو
المدير العام المساعد، مصلحة الزراعة بمنظمة الأغذية والزراعة*

على الصعيد العالمي، يسهم قطاع الثروة الحيوانية بنسبة 1.5 بالمئة من الدخل المحلي الإجمالي، كما أنه أحد القطاعات الزراعية الفرعية القليلة التي تواكب التوسع الاقتصادي العام. ويدفع هذا النمو عملية صناعية جذرية، تتوسع فيها أحجام العمل، كما تُفصل فيها الثروة الحيوانية عن الأرض التي تسندها وتستخدم لإنتاج الأعلاف. وعند الطرف الآخر من المعادلة توفر الثروة الحيوانية صغيرة النطاق إسناداً حاسماً لسبل معيشة نحو 400 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع.

وفي عالمٍ يتزايد فيه عدد المستهلكين والمنتجين الذين يمكن لهم الحصول الفوري على المعلومات ذات الصلة ويستطيعون التعبير عن آرائهم، بينما لا يكاد آخرون يقدرون على إطعام أسرهم، يقع على عاتق العلم التزام أخلاقي في توجيه قطاع الثروة الحيوانية العالمي الآخذ في التوسع والمتغير على نحوٍ سريع، من أجل تخفيف آثاره السلبية إلى أدنى حد مع زيادة منافعه المحتملة إلى الحد الأقصى. أما التحديات التي تواجه العلم اليوم فتشمل قضايا "قديمة"، مثل زيادة كفاءة تحويل الأعلاف والقيمة التغذوية لوجبات الحيوان، والتي ما زالت ذات صلة وثيقة، إضافة إلى ذلك مجموعة من القضايا "الجديدة" ذات الانعكاسات الاجتماعية الأوسع - مثل تأثيرات الثروة الحيوانية على البيئة أو استخدام تطبيقات التكنولوجيا الحيوية التي تثير جدلاً ساخناً.

تحدي: الثروة الحيوانية في عالم متزايد التمديُن

بحلول عام 2010، يتوقع أن يكون أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في المدن. ويسهم كل من ارتفاع متوسط العمر المرتقب وانخفاض معدلات الولادة في المدن في شيخوخة السكان. كما أن أنماط استهلاك الغذاء أكثر تنوعاً في بيئات المدن، إلى جانب استهلاك الطبقة المتوسطة الناشئة في المدن لوجباتٍ أكثر غنى. هذا بينما يستمر فقراء المدن في مواجهة التحدي المتمثل في العثور على غذاء كافٍ، وفي تربية وذبح وتسويق الحيوانات في ظروفٍ كثيراً ما تكون غير صحية.

كيف يمكن لعلم الحيوان أن يساعد العالم المتحول نحو التمدين؟ أولاً، من خلال تكثيف الإنتاج: حيث ما زالت البحوث المتواصلة في مجال تغذية الحيوان وعلفه، وكذلك الموارد الوراثية الحيوانية، تَعِد بمكاسب ملموسة في مجال كفاءة تحويل الأعلاف. والتكثيف يعني توسيع نظم الثروة الحيوانية لتصبح نظماً تعمل على نطاق صناعي، خاصة فيما يتعلق بالخنازير والدواجن. وفي الوقت ذاته، يجب أن نتجنب التركز الإقليمي لإنتاج الثروة الحيوانية وأن نصمم نظماً فعالة لإدارة المخلفات كي نحمي البيئة من التلوث.

يقوم الإنتاج الحيواني الصناعي الحديث على أساس قاعدة وراثية آخذة في التضيق - خاصة في الحيوانات المنتجة للألبان والدواجن والخنازير - ما ينطوي في المدى البعيد على خطر هبوط الإنتاج من خلال التهجين في إطار ضيق للموارد الوراثية. كما أن استخدام عدد قليل من المورثات قد يؤدي إلى نشر المورثات المتنحية المسؤولة عن الصفات غير المرغوب فيها. ويمكن للعلم أن يساعد في تحسين التوصيف الجزيئي وتحديد التنوع الوراثي الأساسي من اجل تحديد أولوياتٍ للصون الوراثي. كما يمكن للعلماء أن يساعدوا في الاستجابة للمطالب المتزايدة تعقيدا ً باطراد لمستهلكي الطبقة الوسطى، بأغذيةٍ قليلة الدسم وعالية البروتين وبمنع الميل المتزايد نحو السمنة، خاصة بين الصغار.

وأخيراً، "تناقض الرفق بالحيوان": المطالبة بأغذية معيارية وسليمة يمكن أن تتطلب نظم إدارةٍ يعتبرها بعض المستهلكين غير طبيعية أو قاسية. فيجب أن تكون اعتبارات الرفق بالحيوان مبنية على أساس العلم الصحيح والبحوث الموضوعية. والتطبيقات العملية للعلم في مجال الرفق بالحيوان تشمل تصميم بيئاتٍ تقلل المرض والإصابة والموت، إضافةً إلى إدارة السلوك الاجتماعي للحيوان بصورة تحد من الضغط الذي يلقاه.

تحدي: الثروة الحيوانية في المناطق ذات الروابط الضعيفة مع الأسواق

  
الآثار البيئية

يستخدم نحو 29 بالمئة من سطح الأرض للإنتاج الحيواني، إما بصورة مراعي دائمة للرعي أو أراضي محصولية لإنتاج الأعلاف الحيوانية الخضراء والعلف. وأحد المخاوف الرئيسة التي تراود صانعي السياسات في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء هو "الانعكاسات البيئية الخارجية السلبية" للإنتاج المكثف، وأهمها تلوث التربة والمياه بالمخلفات الناشئة عن الثروة الحيوانية التجارية.
إن بعض الأجزاء من العالم ما زالت معزولة ومشتتة السكان وذات اتصال ضعيف مع الأسواق. وفي بيئات كهذه، تجري ممارسة الإنتاج الحيواني من جانب صار المزارعين المعتمدين على الزراعة البعلية (المطرية) المختلطة أو الرعي - يعتمد زهاء 200 مليون شخص حالياً على الرعي المتنقل، مستفيدين من المراعي الطبيعية في الأراضي الجافة. وقاعدة الموارد الطبيعية في كثير من المناطق الهامشية متدهورة، كما أن حمولتها البشرية قد قربت من حدّها الأعلى. وحيث أن عدد السكان البشري ما زال في حالة تزايد، فإن من الضروري تطوير طرق بديلة لتوليد الدخل من اجل تمكين بعض الناس من ترك الإنتاج الحيواني.

وفي المناطق التي تكون فيها مؤشرات السوق ضعيفة، يقوم الإنتاج الحيواني فيها بصورة رئيسة على أساس المورد ، كما تشكل عوامل الطقس والمرض والصراعات الاجتماعية فيها مصادر رئيسة للأخطار بالنسبة لمربي المواشي. ويجب أن تحظى الابتكارات التي تثبّت وتحمي الإنتاج وتعزز مرونة سبل المعيشة - من خلال التنويع على سبيل المثال - بأولويةٍ أكبر مما تحظى به التدخلات التي تزيد الإنتاج فحسب.

كيف يمكن للعلم أن يساعد هنا؟ أولاً، من خلال تحسين التنبؤات الزمنية والمكانية لتوافر الأعلاف (والأغذية)، ومن خلال تشجيع الآليات المؤسسية المتصلة بتقليل أو زيادة أعداد القطعان في الوقت المناسب، إضافةً إلى خطط تأمين مبتكرة للثروة الحيوانية. كما يمكن للبحوث أن تساعد في تعزيز القيمة التغذوية للثروة الحيوانية على مكونات محاصيل غير صالحة للاستهلاك البشري، وتطوير تكنولوجيات زهيدة التكاليف لإطالة مدة عرض منتجات الثروة الحيوانية كي تبقى صالحة للاستهلاك أو البيع على مدار العام، ودمج الإدارة العرفية للأراضي والمياه في القانون الرسمي.

تحدي: حماية صحة الحيوان والصحة البشرية

إن الثروة الحيوانية عائل هام للعوامل الممرضة، التي يمكن لها أن تهدد الأمن الغذائي والصحة البشرية. وبعض هذه الأمراض ينتشر بسرعة عبر الحدود والقارات، وكذلك فيما بين الأنواع، خاصة إذا انتقلت الحيوانات الحية لمسافات كبيرة.

تؤدي العولمة إلى زيادة تكرار حوادث وقوع أمراض الحيوان العابرة للحدود وسرعتها واتساعها الجغرافي (والشاهد على ذلك الوباء الحالي لأنفلونزا الطيور)، إضافةً إلى تيسير نشوء عوامل ممرضة في بيئات لم يسبق لها حتى الآن أن تأثرت بها. إن طبيعة هذه الأمراض العابرة للحدود وإمكانات اجتياز حدود الأنواع والتأثير على البشر لديها، تشكلان تحدياتٍ خطيرة تتجاوز حدود قطاع الثروة الحيوانية وتستدعي تعاوناً دولياً. كما أن الأمراض المستوطنة و "المنسية" كالسل والأمراض الطفيلية المزمنة غالباً ما تمر دون انتباه، لكنها تضعف الإنتاج كما يمكن أن تضر بصحة الإنسان.

وثمة دور حيوي يمكن للعلم أن ينهض به في تقديم فهم أفضل لانتقال العدوى والمرض، وتطوير أدوات تشخيص سريعة ودقيقة وقوية، وفي رصد العوامل الإيكولوجية التي تشجع على بروز العوامل الممرضة واستشعارها عن بعد. كما أن الإيصال السريع للمعلومات بشأن ظهور الأمراض، وتعليم العاملين الميدانيين مهمان كذلك في الجهود الدولية الرامية لتحسين المراقبة والاكتشاف والاستجابة السريعة. والبحوث ضرورية أيضاً من أجل تطوير لقاحاتٍ آمنة وتتمتع بعمر عرض طويل، وتطوير عقاقير مضادة للفيروسات من شأنها عند إدخالها ضمن اللقاحات أن توفر حماية تقريباً فورية إلى أن يصبح نظام المناعة قادراً على الاستجابة والمقاومة.

إن ثمة فرع غير مرغوب فيه من التطورات العلمية في مجال الدواء والصحة البشرية، وهو الاحتمال المتزايد للإرهاب البيولوجي. حيث أن زراعة الخلايا أو المستنبتات لإكثار عوامل ممرضة محتملة تؤثر على النباتات والحيوانات والبشر شائعة في المختبرات في أنحاء كثيرة من العالم. ولكن "تحويلها إلى سلاح" أمر أكثر صعوبة. وفي حين أنه لا ينبغي أن نبالغ في القلق من هذا الأمر، فإن الطريقة الوحيدة للتعامل مع هذا التهديد المحتمل هي من خلال الشفافية والتعاون الدولي.

تحدي: التكنولوجيا الحيوية في تطوير الثروة الحيوانية

  
جدول أعمال جديد

في الماضي، كان يتوقع من العلوم الزراعية أن تقدم تكنولوجيا معززة للإنتاجية. لكن جدول أعمال العلوم الآن أصبح أكثر اتساعاً، إذ يشمل كذلك العدالة وسلامة الأغذية والاستدامة البيئية. كما واصبح من الواضح أن البحوث - إضافة إلى مدى ملاءمتها وآثارها - تتحدد بصورة كبيرة على أساس عوامل من خارج ميدان البحوث، ومن ضمنها تغير أدوار القطاعين العام والخاص، والتكنولوجيا الحيوية وتكنولوجيا المعلومات، وحقوق الملكية الفكرية، والترابط المتزايد فيما بين الزراعة والأسواق العالمية.
إن فهم العامة "للتكنولوجيا الحيوية" متأثر بصورة كبيرة بما تعرفه أو تعتقده عن الكائنات المحورة وراثياً (GMOs). وتضارب المعلومات - والحجب الحقيقي أو المتصور للمعلومات - تقود جميعها إلى التشوش بشأن الفوارق بين التكنولوجيات الحيوية المختلفة وآثارها الإيكولوجية والبيئية بعيدة المدى. وهناك حاجة ملحة لإجراء مناقشات موضوعية ومبنية على علم بشأن التكنولوجيا الحيوية، وكذلك لبروتوكولات قائمة على أساس علمي لتحديد مستوى سلامة استخدامها أو مستوى الخطر الناجم عنها.

ولكي تستخدم التكنولوجيا الحيوية بصورة جيدة، يجب معالجة عدد من المخاوف. فعلى سبيل المثال، من الممكن أن يحصل فقد للتنوع الوراثي نتيجة لتفضيل السلالات عالية الإنتاج على السلالات التي تتمتع بسِمات وراثية أخرى. لقد كان هذا التفضيل سمةً مصاحبة لانتخاب الثروة الحيوانية على مرّ الزمن، ولكن أساليب التكنولوجيا الحيوية يمكن أن تسرّع هذه العملية. فعند تشجيعها الانتخاب لرفع الإنتاج، ينبغي للبلدان أن يكون لديها سياسات للصون الوراثي. كما أن الأدلة على تدفق المورثات بين النباتات المزروعة وقريباتها البرية قليلة حتى الآن، ولكن عدم توفر أدلة ليس برهاناً على ما يخالف ذلك. ولا بد من الرصد الدقيق عند إدخال سلالاتٍ أو أصنافٍ جديدة إلى بيئات جديدة.

لقد عبر المستهلكون عن قلقهم أيضاً بشأن الآثار المباشرة على البشر من تناول حيواناتٍ كانت قد أطعمت أعلافاً محورة وراثياً. إن التجارب حتى الآن تشير إلى أن هذا القلق لا مبرر له بالنسبة للمنتجات التي تستخدم حالياً؛ ولكنه سيبقى قائماً مع كل تغيير جديد يجري إدخاله. والرصد طويل المدى للآثار الإيجابية والسلبية أمر لا بد منه. كما أن المسائل الأخلاقية تبرز كذلك فيما يتصل ببحوث خلايا الساق و "pharming" حيث يجري تحوير الحيوانات وراثياً لإنتاج مواد للاستخدامات العلمية أو الطبية.


ويمكن للعلم أن ييسر التطوير المستدام والعادل والسليم لقطاع الثروة الحيوانية من خلال الابتكار في مجموعة متنوعة من المجالات. وبالنسبة للمجتمع، سيكون أحد التحديات الرئيسة هو إيجاد آليات للتمييز بين الجدوى الفنية والرغبة الاجتماعية. ومع تقدم العلم، تتقدم كذلك معايير ضمان الجودة ومراقبة الجودة، والتي إذا ما رفعت لأعلى مستوى ممكن فلسوف تخرج أعداداً كبيرة من مربي الثروة الحيوانية من السوق. وبالنظر إلى الترابط المتزايد فيما بين الاقتصادات، يجب علينا أن ندرك أن للخيارات القطرية انعكاسات دولية.

وربما كان أكبر التحديات التي تواجه العلم هو العثور على طرق للتواصل مع زبائنه ومع الجمهور بصورة عامة.


* بعد خدمة تجاوزت ستة أعوام قضتها مديراً عاماً مساعداً لمصلحة الزراعة لدينا، غادرت لويزا فريسكو منظمة الأغذية والزراعة (FAO) في 1 يونيو/ حزيران 2006
  • راجع كذلك أضواء كاشفة: العولمة والثروة الحيوانية و نحو الوصول إلى الأمن الحيوى
نوفمبر/تشرين الثاني 2005
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2005