إن ملايين الناس في مناطق الريف في العالم النامي هم فقراء لا بسبب عدم قدرتهم على إدارة المال، بل لأنهم لا يملكون إلا القليل جداً منه. وفي حين تشير الدراسات إلى أن صغار المتعهدين الريفيين يحصلون على معدلاتٍ عالية من العوائد من رأس المال الذي يستثمرونه، فإن المشكلة هي أنهم يفتقرون إلى أموالٍ كافية، ما يعني أن عائدهم التراكمي يبقى متدنياً، وهكذا فانهم يمضون حياتهم في الفقر.
وأحد الأهداف الرئيسة للخدمات المالية في الريف هو تزويد هؤلاء الناس بالأموال والتمويل والخدمات المالية التي يحتاجون إليها لزيادة مكاسبهم وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. وقد وفرت سنة الأمم المتحدة للائتمان المتناهي الصغر 2005 فرصةً للحوار فيما بين المؤسسات المالية ومصارف التنمية والحكومات والجهات المانحة بشأن دور وإمكانات الخدمات المالية في الريف - ما الذي يمكنها عمله، والى من يمكنها أن تصل، ولماذا لم تستطع الوصول حتى الآن إلى عددٍ كبير من فقراء الريف.
تركيز جديد. في الماضي، كانت مصطلحات "الخدمات المالية في الريف" و"الائتمان الزراعي" تستخدم على نحوٍ متبادل. أما الآن فان التركيز قد توسع: إذ أن مستقبل التخفيف من وطأة الفقر في الريف يكمن في الاستثمار في كافة جوانب التنمية الريفية، لا في الزراعة وحدها. فزيادة الأعمال في مناطق الريف تولّد الحافز الاقتصادي لتحسين البنية الأساسية، ما يؤدي إلى رفع تنافسية الإنتاج. ولكن التنمية لا تتحقق إلا حينما تكون المنطقة الريفية قادرة على جذب الاستثمارات الريفية واستدامتها، من خلال بيئة تشغيلٍ مؤاتية، ومنتجات وخدمات مالية مناسبة، وعوائد مغرية.
إن الجهود التي تبذل لجعل الخدمات المالية في متناول الأسر الريفية الفقيرة يجب أن تتغلب على معوقات رئيسة عديدة. أولها، أن الدخل في الريف شديد التعرض لمخاطر منتظمة، كالطقس السيئ والأمراض، والتقلبات الدورية والموسمية في أسعار السلع الزراعية. وأي خسارة للدخل المتوقع تكون ذات أثر كبير، وتقلل المدخرات والقدرة على الاقتراض.
بالنسبة لمزوّدي الخدمات المالية، يُعدّ قطاع الريف محفوفاً بالمخاطر بوجه خاص. حيث أن العوائد على رأس المال المستثمر منخفضة، وهوامش الأرباح غالباً ما تكون متدنية جداً. كما أن التكاليف التشغيلية مرتفعة في المناطق المعزولة و - بسبب عدم توفر الضمانات الإضافية في كثير من الأحيان - يواجه المقرضون مخاطر أكبر لعدم سداد القروض. إضافةً إلى ذلك، فإن تدنّي مستوى المهارات يحد من القدرة على إدخال التكنولوجيا الجديدة، ما يؤثر على الإنتاجية والتنافسية في السوق معاً. كما يحدّ الإقصاء الاجتماعي من كفاءات الإنتاج والتسويق.
بالرغم من هذه المعوقات، فقد أدخلت مؤسسات الائتمانات الصغيرة (MFIs) ابتكاراتٍ - بصورة رئيسة في مناطق المُدنية، وكذلك في القطاع الريفي - التي أخذت تحقق في كثير من البلدان طاقات تلك الائتمانات الصغيرة. إذ أصبحت قروض رأسمال التجارات الصغيرة والإنتاج الحرفي والأعمال الصغيرة تشكل جزءاً متنامياً من الملفات المالية لهذه المؤسسات، بينما لبّت منتجات المدخرات الريفية كذلك حاجةً هامة. وقد كانت الائتمانات الصغيرة مفيدةً في إدراك تعددية الاحتياجات التمويلية للأسر - ليس للائتمانات الإنتاجية فحسب، بل كذلك، لرسوم الدراسة والتكاليف الصحية والإسكان، إضافةً إلى خدمات أخرى كالحوالات والتأمين ومنافذ المدخرات المتناولة.
وكثيراً ما كانت الائتمانات الصغيرة رائدة في معالجة قضايا المساواة الاجتماعية والجنسانية والعرقية التي تبقي الأسر أسيرةً للفقر. ففي البلدان التي تهيمن فيها زراعة الكفاف، عمل تحسين حصول النساء على الائتمان الريفي لصالح تمكين تلك النساء وعائلاتهن، ولصالح مساواتهن وتحسين حياتهن.
تصور للمستقبل. إن أهمية الائتمان الريفي في التخفيف من حدّة الفقر وفي تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية تعني ضرورة بقائه أولويةً عالية بالنسبة للحكومات والجهات المانحة، وبالطبع، بالنسبة للأسر الريفية أيضاً. وبناءً على الاتجاهات الحالية، يمكن لنا أن نتوقع حدوث تغييراتٍ كبيرة في تقديم المنتجات والخدمات على مدى العقد القادم.
ففي البلدان التي عملت فيها مؤسسات الائتمانات الصغيرة وائتمانات التجزئة منذ مدة طويلة، سوف يشهد هذا القطاع اندماجاً أكبر، واتجاهٌ ملحوظ نحو تقديم خدمات أكثر تكاملا ً: حيث تستبدل منتجات القرض الواحد وخدمات المصارف الزراعية للائتمان فقط بخيارات المدخرات والحوالات والتأمين. ونظراً لضآلة عدد المزودين الذين يستطيعون تقديم مجموعة خدمات كاملة على نحوٍ كفؤ، ستحتاج المؤسسات للارتباط بشركات متخصصة (للتأمين والتأجير ورأسمال المضاربة ... الخ) إضافةً إلى منظمات "كفؤة ومناسبة" كالمنظمات غير الحكومية وجماعات العون الذاتي كي تيسّر توسعها في مناطق الريف. وسوف يحتاج الاستخدام الفعال للخدمات المالية إلى روابط أمتن مع خدمات التدريب والتكنولوجيا والتسويق والأعمال.
ماذا ستعني هذه التغيرات للاعبين الرئيسيين في الائتمان الريفي الحالي؟ إن مصارف التنمية الزراعية والريفية التي تركز على الائتمان هي في اضمحلالٍ مطرد، على الرغم من استمرارها في القيام بدور هام في بعض البلدان. وستتوقف منظمات غير حكومية كثيرة عن النهوض بدور مباشر في تقديم الائتمان الريفي لتركز عوضاً عن ذلك على بناء القدرات والقضايا الاجتماعية. وبالنسبة للجهات المانحة، يبشر الشكل الجديد للائتمان الريفي بالتحول من تقديم القروض الرأسمالية إلى تطوير نظام الائتمان الريفي وبناء قدراته. كما ستنخفض مشاركة الحكومات في الائتمان الريفي، لكن دورها في التنظيم والإشراف سيصبح أكثر أهمية مع تطور القطاع. وستكون النتيجة النهائية بالنسبة للعملاء، ومن ضمنهم فقراء الريف، هي قدرة أكبر على الحصول على مجموعة واسعة من الخدمات المالية والمكملة، بكلفة أقل.
عملاء صالحين للتعامل المصرفي "Bankable". لقد ساعدت سنة الائتمان المتناهي الصغر على تبديد الفكرة القائلة بأن الفقراء "يعوزهم حسن المسؤولية تجاه المال". والحقيقة أنها أكدت أنهم ليسوا فقط عملاء "صالحين للتعامل المصرفي" فحسب، بل ويشكلون كذلك سوقاً مالية هامة جداً وغير مطروقة إلى حد كبير. فعلى الرغم من افتقارهم للمصادر التقليدية للضمانات الإضافية، أثبت المتعهدون الصغار أن "ضغط مجموعة النظراء"، إلى جانب الاهتمام الذاتي بتوفر مصدر دائم للأموال، عادةً ما يكونان كافيين لضمان معدلات سدادٍ عالية جداً.
تساند منظمة الأغذية والزراعة وشركاؤها التنمويون الآخرون منظمات الخدمات المالية في الريف ومنظمات الائتمان المتناهي الصغر التي ترغب في إحداث فارقٍ في التخفيف من وطأة الفقر، والنمو الاقتصادي، والتمكين الاجتماعي. لكن شراكة من هذا القبيل تتطلب شفافية ومساءلة وتوحيداً قياسياً للتقارير وتشاركاً في العلم. إن نظرة المستقبل هي مبشرة - فالائتمان الريفي والأدوات الأخرى المؤثرة هي موجودة حالياً، كما ويجري تنقيحها وتحسينها باستمرار. ومعاً، نستطيع أن نجعل التصور حقيقةً واقعة.
راجع كذلك أضواء كاشفة: الأعمال التجارية الزراعية وصغار المزارعين احصل على المزيد عن برامج المنظمة في مجال الخدمات المالية في الريف نوفمبر/تشرين الثاني 2005 مخزن: البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات الأدلة: خريطة الموقع © FAO, 2005