بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2005

   
نحلتان داخل زهرة يقطين. حيث تلقح الحشرات والطيور والثدييات ثلثيْ محاصيلنا الغذائية. الصورة: كريس هيغينـز

حماية الملقّحات

دأب المزارعون منذ مدة طويلة على النظر الى التلقيح بوصفه واحدة من "الخدمات المجانية" الكثيرة التي تقدمها الطبيعة. لكن ثمة دلائل متزايدة تشير الى أن مجتمعات الملقّحات - وهي ضرورية لإنتاج الأغذية وسبل معيشة المزارعين - آخذة في الاضمحلال على الصعيد العالمي

في أوائل الستينات بدأت شركة عالمية رئيسة للأغذية بإقامة مزارع لنخيل الزيت الغرب أفريقي في ماليزيا، أملاً في تلبية حاجة سوق عالمية متنامية لزيت النخيل. وقد نمت النباتات بقوة، لكنها كانت تعاني من مشكلة خطيرة: لقد أنتجت ثماراً قليلة لأن حبوب اللقاح من أزهار النخيل الذكر لم تصل الى أزهار الإناث.

وبينما عادت إدارة المزرعة الى التلقيح اليدوي الشاق والمكلف، اكتشف الباحثون أنه في الكاميرون وهي الموطن الأصلي للنخيل تعيل أزهار النخيل الذكر سوسةً اسمها Elaeidobius kamerunicus تتغذى على لقاح الأزهار. وعندما تصبح أزهار الأنثى جاهزة للإخصاب تطلق رائحة تجذب السوسة الصغيرة - ومعها معطفها الكثيف من الحمض النووي الذكري. وبعد عمليات غربلة وحجر دقيقة، تم إدخال السوسة الى مزارع نخيل الزيت الماليزية في 1981. وكانت النتيجة: هبوط تكلفة التلقيح الى الصفر، وارتفاع إنتاج الثمار من 13 مليون طن الى 23 مليون طن خلال خمس سنوات.

" خدمة مجانية " ؟ إن سوسة Elaeidobius kamerunicus ما هي إلا واحدة فقط من زهاء 100000 نوع من الحشرات والطيور والثدييات التي تتوسط في التكاثر الجنسي لغالبية النباتات المزهرة في العالم - منها ما يزيد على ثلثيْ نباتات الأغذية - من خلال التلقيح. وحتى فترة قريبة جداً، كان المزارعون يعتبرون التلقيح واحدةً من " الخدمات المجانية " العديدة التي تقدمها الطبيعة، إذ كان التلقيح يعدّ أمراً بديهياً لدرجة أنه نادراً ما برز بوصفه " مدخلاً زراعياً" أو حتى كموضوع في دورات العلوم الزراعية.

لكن هذا الأمر أخذ في التغير. حيث تشير دلائل متزايدة الآن الى أن مجتمعات الملقّحات تتناقص في أرجاء العالم. ففي أوروبا وأميركا الشمالية هبط عدد خلايا نحل العسل هبوطاً حاداً كما فُقد معظم خلايا النحل البري. كذلك يتعرض الكثير من الفراشات الأوروبية لتهديد كبير نتيجة لتغير استعمالات الأراضي وتكثيف الزراعة. ومن بين الثدييات والطيور الملقحة على الصعيد العالمي، يعتبر 45 نوعاً من الخفافيش و 36 نوعاً من الثدييات غير الطائرة و 26 نوعاً من الطيور الطنّانة وسبعة أنواع من التُّمَّرات و 70 نوعاً من الطيور الجواثم مهددةًً أو منقرضة.

واستجابةً لما يخشى بعض الباحثين من أن يكون " أزمة تلقيح " تلوح في الأفق، قامت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع الحيوي عام 2002 بإطلاق المبادرة الدولية لحماية الملقّحات واستخدامها المستدام في إطار برنامج عملها في مجال التنوع البيولوجي الزراعي. وبوصفها منسقاً لتلك المبادرة، تقوم المنظمة الآن بإعداد مشروع مشترك بين برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومرفق البيئة العالمية يهدف الى سدّ الفجوات الواسعة جداً في قاعدة المعرفة المتصلة بخدمات التلقيح، والاضطلاع بدور رائد في الممارسات الزراعية الجيدة لحماية الملقّحات في مجموعة كبيرة من المناطق الإيكولوجية والنظم الزراعية.

وتشير ليندا كوليت، اختصاصية التنوع البيولوجي المحصولي بالمنظمة، الى أنه - باستثناء سوسة نخيل الزيت الكاميرونية المحتفى بها بصورة ملحوظة - ما زالت الملقّحات في العالم والى حد كبير لا تلقى ما تستحق من التقدير: " ربما لأن الحشرات غير واضحة للغاية، أو ربما لأن النظام عمل بصورة جيدة دون تدخل كبير في الماضي، ما زال مستوى وعي الرأي العام، أو حتى الوعي المتخصص فيما بين المزارعين والاختصاصيين الزراعيين، متدني جداً. والحقيقة أن خدمات النظام الإيكولوجي التي تقدمها الملقّحات ضرورية لإنتاج الأغذية - من حيث الغلة والجودة معاً - وتسهم في سبل المعيشة المستدامة للكثير من المزارعين في شتى أنحاء العالم."

الطيور والنحل
الطيور والنحل ... تطلق النباتات الزهرية التي تعتمد على الملقحات لقاحاً دقيقاً يشبه الغبار - وهو الخلايا التي تحمل الحمض النووي الذكري - الى الأطراف الخارجية لمئآبرها. وبعد ذلك يُلقى اللقاح على الحيوانات التي تزور الزهرة للحصول على الرحيق. وفي أثناء تنقل الملقّح هنا وهناك، يجري نقل اللقاح الى الجزء الأنثوي من الزهرة (أو من زهرة أخرى)، فيخترق الميسم الى المبيض. حيث يقوم بتلقيح بذرة غير ناضجة. ويستخدم كثير من الأزهار رائحة، وحتى علامات تعمل كدليلٍ، لجذب الملقحات. [الصورة:هيو ويلسون]
النحل البري: على الرغم من أن النباتات الزهرية ليست كلها تعتمد على الحيوانات في تلقيحها - فالحبوب مثلاً تلقح بواسطة الرياح - فإن غالبية بساتين العالم ومحاصيله البستانية والعلفية لا تنتج بذوراً وثماراً إلا إذا نقلت الحيوانات حبوب اللقاح من المئابر الذكرية في الزهرة الى المياسم الأنثوية لنفس الزهرة أو لزهرة أخرى.

وتشير تقديرات المنظمة الى أنه من بين ما يزيد قليلاً عن 100 نوع من المحاصيل التي تزود 90 بالمئة من إمدادات الأغذية في 146 بلداً، يلقح 71 منها بواسطة النحل (بواسطة النحل البري بصورة رئيسة)، ويلقح كثير غيرها بواسطة التِّرِبس والزنابير والذباب والخنافس والعثّات والحشرات الأخرى. وقد قدّر أن ما لا يقل عن 20 جنس من الحيوانات، إضافةً الى نحل العسل، تقدم خدمات التلقيح لأهم المحاصيل في العالم.

إن ضعف التلقيح يؤدي الى ضعف تطور الثمار. ففي البطيخ تؤدي زيادة تكرار الزيارات من جانب الملقحات الى ضمان الحصول على ثمار أغمق لوناً وأكثر نكهة، في حين أن حبوب اللقاح المختلطة التي تحملها النحلات القادمة من مسافات بعيدة له تأثير كبير على جودة البن. كما أن أزهار الأقحوان تفرز ذرور مبيدٍ حشري أقوى عقب زيارة الحشرات لرؤوس تلك الأزهار.

نحلة طنّانة أثناء العمل
كما أن التعرض للملقحات يمكن أن يشكل طريقاً لصون التنوع الوراثي في المحاصيل. وقد أثبتت الدراسات التي أجريت على اليقطين في كينيا أن تنوع مجتمعات الملقحات يساعد في صون أشكال اليقطين المتنوعة بصورة استثنائية، في حين يأمل الباحثون في المكسيك في زيادة مقاومة الأمراض في الأغاف/ الصبار الأميركي - المكون الأساسي في التكويلا (tequila) - باستخدام نوعين مهددين بالإنقراض من الخفافيش التي تلقح الأشكال البرية من هذا النبات.

وفي حين لا يعدّ التلقيح عاملاً في إنتاج الخضراوات الورقية ومحاصيل الجذور، فإنه مهم لإنتاج البذور. حيث تتراوح تقديرات زيادة البذور نتيجةً للتلقيح الأمثل بين 100 بالمئة في الفجل والملفوف وبين ما يزيد على 350 بالمئة في البصل.

القيمة النقدية: يصعب تحديد حجم إنتاج الأغذية البشرية الذي يعتمد على خدمات التلقيح من جانب الحيوانات. إلا أن أحد التقديرات يشير الى أن القيمة النقدية السنوية لخدمات التلقيح في الزراعة العالمية يمكن أن يصل الى 200 مليار دولار. فقد أظهرت بحوث حديثة في النظم الإيكولوجية للبن في كوستاريكا أن التلقيح من جانب النحل البري الذي يعيش في بقع الغابات المجاورة يسهم في زيادة الغلال بنسبة 20%.

إن تأثيرات اختلالات التلقيح على تكاثر النباتات لم تدرس بعمق. ولكن - كما تقول كوليت - الدلائل تشير الى أنه - حتى في الظروف الطبيعية - تعدّ ندرة الملقحات في المناطق المتأثرة كثيراً بفعل الإنسان، مثل مشاهد المزارع الطبيعية والغابات المفتتة، عاملاً أقوى من الطقس أو خصوبة التربة أو المرض في الحدّ من نجاح تكاثر النباتات.

ومما نجدر ملاحظته أن قاعدة المعرفة اللازمة لحماية الملقحات كشكولية. حيث يفتقر الباحثون الى معلومات عن احتياجات النباتات التلقيحية، وعن الملقحات الضرورية، وعن الاتجاهات في مجتمعات الملقحات. فللملقحات احتياجاتها الخاصة من الموارد - للتعشيش والتغذية والتناسل، فهي تحتاج الى ظروف خاصة من غطاء نباتي وموائل. وهكذا، فإن ممارسات إدارة استخدامات أراضي " صديقة للملقحات" يمكن أن تساعد على ضمان بقائها. إلا أنه لا يوجد في الحقيقة قاعدة معرفة عن الاحتياجات الخاصة للملقحات البرية، وبالذات في البلدان النامية.

حملة في أميركا الشمالية
يتعاون ما يزيد على 90 منظمة في تنفيذ حملة لحماية الملقحات بأميركا الشمالية (NAPPC). وتركز الحملة الانتباه على "مأساة الملقحات" وتهدف الى توضيح التحسينات القابلة للقياس في مجتمعات الملقحات وصحتها خلال خمس سنوات. وكجزء من الحملة، تعمل وكالة حماية البيئة الأميركية على وضع قائمة بالمبيدات التي تضر أنواع الملقحات، إضافة الى توصياتٍ بوضع أدلّة تدريب لمستخدمي المبيدات ترمي للحد من الأخطار.
وسيسعى المشروع الجاري إعداده الى سدّ العديد من هذه الفجوات من خلال نشاطات في سبعة بلدان نامية عبر المعمورة. وسيكون أحد الأهداف الرئيسة تحديد واختبار وتوثيق الممارسات الزراعية الجيدة لحماية الملقحات وإدارتها، وذلك من خلال " نَهج النظام الإيكولوجي". فربما جرى تشجيع المزارعين على حماية " الممرات " التي تصل ما بين الموائل الطبيعية، مثلاً، أو ترك مساحات غير مزروعة داخل المساحات المزروعة أو في محيطها.

كما يشدد المشروع أيضاً على أهمية الروابط فيما بين صون وظائف النظام الإيكولوجي ونظم الإنتاج المستدام والحدّ من الفقر. حيث تقول ليندا كوليت " إن ما نأمل في إنتاجه هو مجموعة من الأدوات والمنهجيات والاستراتيجيات وممارسات الإدارة الجيدة التي يمكن تطبيقها في مجهودات الحفاظ على الملقحات في كافة أنحاء العالم. وهذا بدوره سيسهم في تحقيق هدفٍ أكثر شمولاً هو: تحسين الأمن الغذائي والتغذية وسبل المعيشة للمجتمعات السكانية في الريف."

  • المزيد عن المبادرة الدولية لحماية الملقّحات واستخدامها المستدام
  • إشترك في PollenBytes، ونشرة Ecoport عن إيكولوجيا التلقيح
ديسمبر/كانون الأول 2005
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2005