بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2006

   
الري في المكسيك. من بين كافة القطاعات التي تستخدم المياه، تشير الزراعة الى أقل عوائد اقتصادية كلية

قيمة المياه

إن التقويم الاقتصادي البحت للمياه كثيراً ما يغفل بُعدين هامين: القيم البيئية، مثل دور مجاري المياه في الحفاظ على تماسك النظام الإيكولوجي، والقيم الاجتماعية، مثل استخدام المياه لزراعة الأغذية التي نتناولها...

عندما نتذكر أن نحو 60% من الجسم البشري مكون من ماء، فإن الكل يجمع على أن المياه "مورد قيّم" بحق. ولكن ما هي قيمة نحو 3000 لتر من المياه التي تستخدم لزراعة الأغذية التي يتناولها الشخص العادي كل يوم؟ إن مثل هذا السؤال ربما بدا سؤالاً علمياً قبل 15 عاماً مضت، حينما كان ينظر الى المياه على نطاق واسع بوصفها بضاعةً عامة مجانيةً أو على الأقل ضئيلةَ التكاليف. أما الآن، وفي ضوء الحالات المتزايدة لشح المياه، والتنافس المتصاعد من جانب مستخدمي المياه للأغراض الصناعية والمنـزلية، والتحذير من تدهور النظم الإيكولوجية، فإن التقويم الاقتصادي لاستخدام المياه في الزراعة يبرز بصورةٍ سريعة كقضية رئيسة في مجال إدارة موارد المياه.

من بين كافة القطاعات التي تستخدم المياه العذبة، تشير الزراعة - التي تستخدم 70% من المياه المستخرجة من المصادر الطبيعية عالمياً - الى أقل عوائد اقتصادية كلية. وقد أدت تلك الحقيقة ببعض أنصار تقويم المياه الى تأييد "أسواق المياه" غير المنظمة التي تقوم، من خلال معاملة المياه كسلعةٍ اقتصادية، بتحويل المياه من الاستخدامات متدنية القيمة الى الاستخدامات عالية القيمة - أي من الزراعة المروية الى زراعة البساتين الأعلى قيمة، ومن مناطق الريف عموماً الى القطاعات الصناعية والحضرية. وحجتهم في ذلك هي أنه نظراً لتفوق الطلب على العرض عند التعامل مع المياه كبضاعةٍ مجانية، فإن السوق سوف "يجعل العرض والطلب في حالة توازن" كما أنه - في بعض الحالات - سيخفف من الآثار الضارة بيئياً للاستغلال المفرط للمياه.

"خط قاعدي ثلاثي الأبعاد": لكن تقريراً جديداً للمنظمة يقول بأن الاستخدام العشوائي للنهج الاقتصادي ينطوي على مخاطرة المبالغة في التشديد على "التعبيرات النقدية عن القيمة" على حساب بُعدين هامين آخرين هما: القيم البيئية مثل دور مجاري المياه في الحفاظ على التنوع البيولوجي وتماسك النظام الإيكولوجي، و القيم الاجتماعية، التي قد تعني في الأساس استخدام المياه لزراعة الأغذية اللازمة لطعامنا فقط. وما نحتاج إليه كما تقول الدراسة هو أطر تقويم مياهٍ تقوم على أساس "خط قاعدي ثلاثي الأبعاد" فتعطي قيمةً مكافئة لاستخدامات المياه الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

ويجادل التقرير بأنه لا يمكن التوصل الى تقويمٍ صحيح للمياه إلا من خلال عملية يشارك فيها كافة أصحاب الشأن في مجال استخدام المياه. ولاستكشاف النُهج الموجهة صوب أصحاب الشأن، يعرض التقرير حالاتٍ من كمبوديا وسري لانكا وتنـزانيا، حيث كانت أدوات وأساليب التقويم قد جعلت جزءا لا يتجزأ من إدارة موارد المياه "في أرض الواقع". ويقول خبير المنظمة الذي شارك في كتابة التقرير ليون هيرمانز "لقد وجدنا أن مفهوم القيمة شخصي بصورة متأصلة. ففي نهاية المطاف، القيمة في الحقيقة هي ما يتفق عليه أصحاب الشأن. وهذا هو ما يجعلنا نرى أن التقويم وسيلةٌ عملية لمساعدة أصحاب الشأن على التعبير عن القيم التي تمثلها البضائع والخدمات المتصلة بالمياه، وتقديم الدعم لهم في التوفيق بين طلباتهم على المياه."

أعطى سكان القرى الكمبوديون قيمة عالية للدلافين في أنهارهم - لكن الباحثين لا يعرفون لماذا
ففي كمبوديا مثلاً، قام مسح أجري في قرية فيوم سيان الصغيرة في مستنقعات نهر الميكونج بالجمع بين التقويم الاقتصادي التقليدي وبين التقويم الريفي التشاركي من اجل فهم قيمة المياه في موقعها الطبيعي في تقديم بضائع وخدمات النظام الإيكولوجي للمجتمعات المحلية، وبالتحديد من حيث سبل المعيشة والأمن الغذائي والصحة. وقد قامت مجموعة ممثلة للسكان بتحديد مجموعة متنوعة من قيم المياه، من ضمنها ري الأرز والنقل وطيور الماء وحتى الدلافين (لاحظ الباحثون أن "المجموعة لم تبين بوضوح لماذا كانت الدلافين مهمة"). ولكن الجميع اتفقوا على أن الأسماك، وهي مصدر قيّم للتغذية والدخل، كانت هي المورد "الأكثر أهمية" في مناطق المستنقعات، وخاصةً بالنسبة للسكان الأشد فقراً. ولهذا السبب نظر الى تناقص مخزونات الأسماك باعتباره مشكلة خطيرة.

وفي تنـزانيا، قامت دراسة أخرى بتحليلٍ للنـزاعات التي تغلي برفق فيما بين مزارعي الأرز تحت الري، وكذلك بين مزارعي الأرز وبين مالكي الثروة الحيوانية، في مسقط مياه مكوجي بجنوب غرب البلاد. إن التنافس منتشر في القطاعين الأوسط والسفلي من المنطقة، حيث تتوقف مجاري المياه بصورة منتظمة خلال فصل الجفاف. ففي القطاع الأوسط تمثل زراعة حقول الأرز المصدر الرئيس للدخل، وعادة ما يثور النـزاع على المياه في وقت مبكر من موسم الزراعة أثناء إعادة زراعة أشتال الأرز. وفي بعض السنوات يقوم المزارعون المتنافسون بتدمير قنوات المياه ونقاط دخولها من أجل تحويل المياه الى حقولهم، وقد تصاعدت بعض الخلافات حتى تحولت الى أعمال عنف.

مالكو المواشي: إن من يعوق إدارة المياه في منطقة مكوجي هم مالكو المواشي في القطاع السفلي، الذين يرعون قطعانهم محلياً خلال موسم الرطوبة ولكن يتحتم عليهم البحث عن مراعٍ في أماكن أخرى خلال موسم الجفاف. ونظراً لإعلان المستنقعات المجاورة محمياتٍ للصيد، فإن كثيراً من هؤلاء ينقلون أبقارهم الى داخل مناطق زراعة الأرز تحت الري، حيث يدمرون بين الحين والآخر مداخل مياه الري وقنواته. والنتيجة كما وجدها التقرير هي الوقوع في مأزق: حيث يقاتل مزارعو حقول الأرز بعضهم بعضاً للحصول على مياه الري، بينما يتحتم على مربي المواشي الاختيار بين الدخول في نزاع مع الرواة (المزارعين) أو مع القائمين على محميات الصيد.

في تنـزانيا، يتنافس مزارعو الأرز من أجل الدخل، لا من أجل المياه فقط
 
وبهدف المساعدة في حلحلة هذا الوضع، انطلق الباحثون لتحديد القيم التي تكمن وراء النـزاعات. وفي حالة مزارعي الأرز، لاحظ الباحثون أن الخلافات بشأن المياه كانت ناجمة عن تذبذبات في أسعار السوق - فعند التسويق المبكر، يمكن للأسرة في المتوسط أن تكسب أكثر من 300 دولار في السنة، مقارنةً مع 100 دولار فقط إذا ما قامت بالتسويق في وقت لاحق خلال الموسم. وكشف التقرير أن "القيمة الكامنة" هي ذاتها بالنسبة لكافة الأطراف وهي: أن النـزاع ليس على المياه في حد ذاتها، وإنما على ضمان دخلٍ أفضل." وندرة الأرز في الأسواق المحلية ربما كانت نتيجةً لشحّ المياه اللازمة لإنتاج الأرز. والنتيجة هي دورة يرفع فيها شح المياه سعرَ الأرز، الذي يعزر بدوره الطلب على المياه حيث يسعى عدد أكبر من المزارعين للاستفادة من ميزة ارتفاع أسعار الأرز، ما يؤدي بدوره الى تفاقم النـزاع على المياه.

ومن خلال توضيح هذه "القيم الكامنة"، ركز البحث عن حلول ليس على المياه - مثل تحسين كفاءة استخدام المياه على سبيل المثال - بل على توليد الدخل. وقد وجد الباحثون "أنه ربما كان ثمة مخرج واعد من الدائرة الشريرة وهو إنشاء نظام مشترك لإدارة وتسويق الأرز. حيث أن مرافق التخزين المشترك، مثلاً، ستزيد سيطرة المزارعين على توقيت التسويق، كما يمكن لها أن تقوّي موقفهم في المساومة. وبهذه الطريقة، يمكن لها أن تخلق قيمة، من خلال زيادة الدخل المشترك من مبيعات الأرز."

في غضون ذلك، إن تربية المواشي في القطاع السفلي نشاط اقتصادي عالي الكفاءة من حيث استخدام المياه، ولذلك فقد طرحت استراتيجية "لدفع مبالغ لقاء الخدمات البيئية" - وهي آلية محلية تتيح لمربي المواشي الوصول الى أراضي الرعي خلال موسم الجفاف في القطاع الأوسط من منطقة مكوجي مقابل تعويضات أو استثمارات مالية في نشاطات توليد دخلٍ بديلة لمزارعي الأرز. وقد لاحظ الباحثون "أن مربي المواشي الذين يرعون قطعانهم بصورة غير قانونية في محمية الصيد يدفعون بالفعل مبالغ لقاء الدخول إليها، وإن كانوا يدفعونها على شكل غراماتٍ لا ضرائب."

وأخيراً، قامت دراسة حالةٍ ثالثة أجريت بجنوب شرق سري لانكا بالبحث عن مجالٍ "لإجراء مقايضاتٍ أو صورٍ من التكامل" بين مصايد الأسماك الداخلية وبين مشروع شامل لإنتاج الأرز تحت الري في حوض نهر كيريندي. فبينما أنشأ المشروع أراضٍ جديدة لصيد الأسماك في خزانه الأرضي العلوي الواسع، رفعت المياه المتدفقة من الصرف مستويات المياه وخفضت الملوحة في الأهوار الساحلية، ما خفض إنتاجية مصايد الأسماك والتنوع البيولوجي فيها. ومن أجل تخفيض مستويات المياه، قام المزارعون أيضاً بين الحين والآخر بتصريف مياه الأهوار - ومعها مخزوناتها من السمك والربيان - في البحر.

إمكانات الإنتاج: بعد إجراء أعمال مسح اجتماعية واقتصادية في عينة ممثلة من القرى، وعقد حلقات عمل شارك فيها أصحاب الشأن ودوائر الحكومة، خلصت الدراسة الى أن المشروع قد زاد فعلاً الإمكانات الإنتاجية لمصايد الأسماك في مسقط المياه، من 1500 طن في السنة الى ما يزيد على 2600 طن. لكن الإنتاج الفعلي قد تأثر سلبياً من جراء تشغيل المشروع وممارسات إدارة المياه، وبصورة خاصة في سنوات الجفاف. واستنتجت الدراسة أن "النـزاعات على موارد المياه في الخزانات الأرضية والأهوار كانت هي القضايا الرئيسة المثيرة لقلق أصحاب الشأن، وليس الآثار الكلية لإنشاء المشروع نفسه. وقد ساعد تقويم أصحاب الشأن على بناء إجماعٍ على أن مصايد الأسماك في منطقة المشروع تجب إعادتها الى وضعها السابق وإدامتها، مع إدراك أن ذلك على الأقل سيتطلب تحسيناتٍ في كفاءة إدارة مياه الري."

يستخدم تقرير المنظمة الحالات الثلاث لتقديم "مخطط تمهيدي أول" لإطار تقويم مياه يعكس أهمية أصحاب الشأن بوصفهم القوة الدافعة الرئيسة في إدارة موارد المياه، ويضيف [أشياء جديدة] الى القاعدة الحالية لأدوات التقويم وأساليبه. حيث يقول ليون هيرمانز "إن العملية الموجهة صوب أصحاب الشأن يجب أن تشمل كلاً من أصحاب الشأن وخبراء تقويم المياه. وخلال العملية كلها، يجب استخدام مجموعة الأساليب المتاحة حالياً للتقويم الاقتصادي للمياه، ولكن بطريقة تشاركية، مع إدراك أن أصحاب الشأن هم في النهاية الذين ينبغي أن يتوصلوا الى اتفاق على كيفية اقتسام المنافع والتكاليف المتصلة بالترتيبات المختلفة لإدارة المياه."

  • حمِّل Stakeholder-oriented valuation to support water resources management processes - PDF, 1.64MB
  • اطلع كذلك على Economic valuation of water resources in agriculture (FAO, 2004) - PDF, 5.7MB
  • اقرأ المزيد عن قضايا المياه في مقالات أضواء كاشفة: : استخدام المياه في الزراعة, إدارة المياه عام 2030 و المياه في خدمة الأغذية والنظم الإيكولوجية في أفريقيا
مارس/آذار 2006
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2006