بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2006

أحد مربّي النبات مع نباتات أرز في معهدٍ للبحوث الزراعية في حيدرآباد/ الهند

مبادرة عالمية بشأن تربية النباتات

إن جميع الأعمال التي يجري القيام بها لصيانة التنوع الوراثي المحصولي ستكون غير مجدية إذا كانت البلدان النامية غير قادرةٍ على استخدام هذا التنوع إلى الحد الأقصى...

وفقاً لآخر تعداد، كانت بنوك الجينات في العالم تصون زهاء 1.5 مليون عينةٍ نادرة من محاصيل الأغذية وأقاربها البرية، فتزود مربي النباتات في العالم بمصدرٍ لا ينضب من التنوع الوراثي اللازم لبرامج التحسين المحصولي. ففي المكسيك مثلاً، يحتفظ المركز الدولي لتحسين الذرة والقمح (CIMMYT) بنحو 22000 مدخلة ذرة مخزونةً على درجة - 3° مئوية داخل سراديب صممت خصيصاً لتكفل صلاحية البذور مدة 25 إلى 40 سنة.

الآن، إنتقل ببصرك بعيداً إلى موزمبيق، حيث تعد الذرة غذاء أساسياً، إلى المعهد القومي لبحوث الزراعة في مابوتو. فهناك تخزن بذور الذرة في برادات، ويخدم أربعة مربي نباتاتٍ كبار القطرَ كله، حيث يقسمون وقتهم بين العمل في بحوث الذرة والكسافا والفاصوليا. إذ كان المصدر الآخر للذرة المحسنة في البلاد، وهي شركة موزمبيق للبذور، قد أوقف برنامج الذرة لديه عقب انتهاء تمويل الجهة المانحة له. والنتيجة: لم يطلق المعهد خلال الفترة من 1985 إلى 2001 سوى بضعة أصنافٍ من الذرة المحسنة، وقد كان تأثيرها ضئيلاً على إنتاج الذرة - حيث ما زال متوسط غلال الذرة لدى المزارعين منخفضاً لا يتعدى طناً واحداً للهكتار.

قوة تربية النباتات

لقد كانت تربية النباتات مفيدة في زيادة الإنتاج المحصولي في البلدان المتقدمة والنامية معاً خلال القرن الماضي كله. فقد احتلت أصناف الأرز والقمح عالية الغلة قلب الثورة الخضراء، التي أسفرت عن زيادة مذهلة في إنتاج الأغذية في آسيا في السبعينات من ذلك القرن. وفي الولايات المتحدة، يعزى نصف المكاسب في غلال المحاصيل الحقلية الرئيسة كلها خلال السنوات السبعين الماضية إلى التحسينات الوراثية - للذرة وفول الصويا والقمح، حيث تشير التقديرات إلى أن المتوسط السنوي للمكاسب بفضل تربية النباتات يتراوح بين واحد إلى ثلاثة في المئة سنوياً.
إن حالة تربية النباتات في موزمبيق، وكذلك نتائج المسوحات التي أجرتها المنظمة (فاو) لبرامج تربية النباتات في 44 من البلدان النامية الأخرى، سيتم عرضها خلال الدورة الأولى للجهاز الرياسي للمعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة، التي ستعقد في مدريد خلال الفترة 12-16 يونيو/ حزيران. وفي إحدى "الفعاليات الجانبية" الخاصة، ستقدم المنظمة مقترحاً لمبادرةٍ عالمية لبناء القدرات في مجال تربية النباتات (GIPB) تهدف إلى مساعدة البلدان النامية على زيادة إنتاجيتها الزراعية من خلال الاستخدام المستدام للموارد الوراثية النباتية.

ويقول مسؤول أول تربية المحاصيل لدى المنظمة/ إلسيو غوماراس "تعد الدورة الأولى للمعاهدة فرصةً ثمينة لإيجاد توازنٍ أفضل بين صيانة التنوع المحصولي واستخدامه. حيث أن جميع الأعمال التي تم القيام بها من أجل صيانة جيرمبلازم النباتات ستكون لا طائل تحتها إن كانت القدرات المحلية في مجال تربية النباتات غير متاحة لاستخدام هذا الجيرمبلازم إلى الحد الأقصى."

لماذا تعدّ القدرات في مجال تربية النباتات بالغة الأهمية بالنسبة للبلدان النامية؟
"إن كافة البلدان التي أجرينا مسوحاتٍ لها في حاجةٍ لزيادة إنتاج المحاصيل لديها، وذلك من أجل كفالة أمنها الغذائي، إلى جانب زيادة الدخل في قطاعاتها الزراعية. حيث تشير بعض التقديرات إلى أن غالبية المحاصيل في البلدان النامية لا تحقق سوى 20% من إمكاناتها لطرح الغلال. ويعزى الجزء الأعظم من هذا العجز إلى إجهاداتٍ لا حيوية - التربة غير المناسبة والجفاف - في حين يعزى الباقي إلى إجهاداتٍ حيوية مثل الأمراض والآفات الحشرية والأعشاب الضارة وضعف تغذية النباتات. ولن تستطيع تربية النباتات بمفردها سد هذه الفجوة، لكن في مقدور مربي النباتات أن يسهموا في تحقيق غلالٍ أكثر من خلال استنباط أصنافٍ محسنة تلائم ظروف بلدانهم البيئية الزراعية خصوصاً، وتكون قويةً بما يكفي لتحمل الإجهادات في المناطق التي كثيراً ما تكون الأسمدة والمواد الكيماوية والري فيها باهظة التكاليف أو غير متاحة. وثمة تحدٍّ آخر يلوح في الأفق هو تغير المناخ، الذي يحتمل أن يؤثر على إنتاجية المحاصيل في الأقاليم الإستوائية. ولذلك، سيكون من الضروري أن تستخدم برامج تربية النباتات كافة الوسائل المتاحة من أجل التكيف مع تلك التغيرات. كما أن الأقاليم النامية تعتمد كثيراً على ما يسمى "المحاصيل اليتيمة" كالسرغوم واليام والكسافا ولسان الحمل، وهي محاصيل ذات أهمية متدنية أو معدومة الأهمية لدى المربين في العالم المتقدم، ولذلك فإن البحوث التي تجرى عليها قليلة."

ما هي النتائج التي تمخضت عنها مسوحات المنظمة لبرامج تربية النباتات في البلدان النامية؟
"أنجزنا حتى الآن مسوحات 44 بلداً في أفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، حيث بحثنا عن اتجاهات تربية النباتات، إضافةً إلى القدرات المتوفرة في مجال التكنولوجيا الحيوية ذات الصلة خلال الفترة من 1985 إلى 2005. وقد تبين لنا بكل وضوح أن القدرات في مجال تقييم الجيرمبلازم واستنباط الأصناف في غالبية البلدان غير كافية، وذلك نتيجةً لتخفيضاتٍ ضخمة في استثمار القطاع العام في التحسين المحصولي. ففي أفريقيا، التي أجرينا مسوحاتٍ على 19 بلداً فيها، كان الدعم المالي المقدم لتربية النباتات الآن أقل مما كان عليه في عام 1985. وكانت النتيجة أن عدد مربي النباتات أقل بكثير مما كان عليه في العالم المتقدم. كما كان المربون ضعيفي التدريب في التربية التقليدية، ولم يتلقوا أي تدريبٍ تقريباً في مجال التكنولوجيات الأكثر حداثة، مثل الإنتخاب بمعاونة واسم. وحتى في البلد الذي يملك قدراتٍ في مجال التكنولوجيا، كانت الروابط بين مستنبطي التكنولوجيا وبين مربي النباتات ضعيفة. كذلك قال المربون أن أحد أهم العوامل التي تحد من قدرة برامجهم هو قلة المعرفة في مجال الأساليب الجزيئية، يلي ذلك نقص بنية المختبرات الأساسية اللازمة لإجراء التجارب في مجال التربية المتقدمة للنباتات.

استنباط الأصناف الجديدة يمكن أن يستغرق أعواماً
إن استنباط صنف جديد من الحبوب يمكن أن يستغرق نحو 12 عاماً، من عمليات التهجين التجريبية الأولى حتى إطلاقها بصورة نهائية إلى السوق. علماً بأن المحاصيل الشجرية تتطلب مدة أطول. حيث يحتاج جمع التنوع الوراثي الجديد الواعد وتقييمه وتجميعه إلى مدة سنة إلى ثلاث سنوات، يتبعها عدة سنوات أخرى لإعادة التركيب والانتخاب من أجل تحديد الخطوط الجديدة المناسبة لاستنباط أصنافٍ أفضل. ثم يحتاج الأمر إلى مدة سنة إلى ثلاث سنوات أخرى لإكثار البذور وتوزيعها على المزارعين.
"ثمة مشكلة كبيرة أخرى هي قلة الإلتزام طويل المدى تجاه تربية النباتات، من جانب الجهات المانحة وكذلك الحكومات القطرية على حد سواء. ففي حين يجب أن تكون نظم البحوث الزراعية القومية هي المصدر الأول من مصادر التمويل، كانت الموارد غير متاحة بتاتاً في بلدان كثيرة، لدرجة أن غالبية برامج التربية لم تقترب من الاستدامة. حيث تعتمد البرامج القومية إلى حد كبير على التمويل الخارجي، وهو في كثير من الأحيان قصير الأمد. ومن المعوقات الأخرى التي تعرفنا عليها ضعف صيانة الجيرمبلازم، والحصول المحدود على الموارد الوراثية الدولية، وضعف الروابط بين برامج التربية والسوق - حيث لا يستطيع المزارعون الحصول على بذور الأصناف المحسنة، أو كانت الأصناف المتاحة لا تلبي احتياجاتهم."

كيف ستساعد مبادرة عالمية لبناء القدرات في مجال تربية النباتات على تحسين ذلك الوضع؟
"إن الهدف الرئيس للمبادرة العالمية لبناء القدرات في مجال تربية النباتات هو تيسير العمل لتعزيز قدرات البلدان النامية كي تستخدم الموارد الوراثية النباتية بصورة فعالة، وذلك من خلال النهوض ببرامج تربية النباتات ونظم توصيل البذور لديها. فقد أبرزت مسوحاتنا أن ثمة مجالات متاحة لمجموعة من نشاطات بناء القدرات، من ضمنها التدريب، وتحديث الإجراءات المتصلة بالتجارب والاختبارات داخل المحطة والمزرعة، والحصول على أصناف جاهزة أو شبه جاهزة من مصادر خاصة وعامة. وستخدم المبادرة كمقاصّة للمعلومات، وتعمل يداً بيد مع البلدان النامية لتحديد احتياجاتها بحيث يستطيع الشركاء الآخرون في المبادرة تطوير خطط لتقديم ما يلزم من التدريب والجيرمبلازم والتكنولوجيات. كما سيكون الإلتزام الراسخ والدائم من جانب الحكومات القطرية بتقديم الأشخاص والمرافق والمساندة طويلة الأجل لبرامج تربية النباتات لديها شرطاً مسبقاً رئيساً لمشاركتها."

من هي الجهات التي تودّ أن تراها مشاركةً في المبادرة؟
"في الأساس، ستكون المبادرة العالمية مبادرةً متعددة الأطراف تتكون من مؤسسات ووكالات معرفة من شتى أنحاء العالم لها باع طويل في مساندة البحوث الزراعية، وذلك من خلال العمل المشترك مع البرامج القطرية المكرسة لتطوير قدراتٍ أكبر في مجال تربية النباتات. وسيشمل الشركاء في المبادرة مراكز الجماعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية (CGIAR)، والمراكز القومية للبحوث الزراعية، والمراكز الإقليمية المتميزة في مجال البحوث الزراعية، والجامعات والمؤسسات الأكاديمية الأخرى، والجمعيات المهنية الزراعية، والمنظمات غير الحكومية. كما سيؤدي المزارعون دوراً حاسماً من خلال المشاركة في وضع غايات وأهداف برامج التربية وكذلك في نشاطات الإنتقاء المحلية. وستكون المشاركة من جانب شركات القطاع الخاص مثلها في الأهمية."

الصندوق والمعاهدة...

يعمل الصندوق الاستئماني العالمي للتنوع المحصولي، الذي تشترك في استضافته منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والمعهد الدولي للموارد الوراثية النباتية (IPGRI)، لإقامة وقفٍ بقيمة 260 مليون دولار من أجل المساعدة في صيانة المجموعات المودعة لدى بنوك الجينات القطرية والدولية وجعلها متاحة. يذكر أنه قد تمت المصادقة على المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة لدى المنظمة من جانب 104 بلدان. أما الأهداف الرئيسة للمعاهدة، التي أقرها مؤتمر المنظمة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2001، فهي صيانة التنوع الحيوي الزراعي واستخدامه المستدام، إلى جانب الاقتسام العادل والمتكافئ للمنافع. وستكون الدورة الأولى للجهاز الرياسي للمعاهدة (مدريد، 12-16 يونيو/ حزيران) هي المرة الأولى التي تلتقي فيها الأطراف المتعاقدة لبحث تنفيذ هذه المعاهدة. المزيد عن المعاهدة و الصندوق...
كيف ستعمل المبادرة العالمية مع المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة والصندوق الاستئماني العالمي للتنوع المحصولي؟
"إن البلدان التي تصادق على المعاهدة الدولية تتعهد بتنفيذ استراتيجية تمويلية "بتعبئة التمويل اللازم للنشاطات والخطط والبرامج ذات الأولوية، خصوصاً في البلدان النامية والبلدان التي تمر اقتصادياتها في مرحلة تحول". وهكذا فإن المبادرة العالمية لبناء القدرات في مجال تربية النباتات يمكن أن تعمل كبرنامج عملٍ مستقل يخضع لتوجيهات الجهاز الرياسي للمعاهدة في مجال السياسات، وكعنصرٍ ضمن استراتيجيتها التمويلية. حيث يمكن لتلك الاستراتيجية أن تستخدم المعرفة المتولّدة عن المبادرة العالمية في توجيه أولوياتها. إن ما نتصوره هو آلية تحدد الاحتياجات في مجال بناء القدرات وتمنح الأولويات لهذه الاحتياجات، ثم تسعى للحصول على المساندة من جانب الأطراف المشاركة في المبادرة العالمية. وهو ما قد يستلزم إيجاد لجنةٍ توجيهية للتنسيق بين احتياجات الجهات المانحة والاحتياجات القطرية. ومن خلال المشاورات، كتلك التي سنعقدها في مدريد، نأمل في إيجاد تصورٍ مشترك لما يجب عمله وتحديد من هم الذين يمكنهم أن يساهموا. إننا ننظر إلى المبادرة العالمية على أنها مكمِّل للصندوق الاستئماني العالمي للتنوع المحصولي - ففي حين يركز الصندوق على صيانة التنوع المحصولي، ستخطو المبادرة خطواتٍ عملية لكفالة امتلاك البلدان النامية القدرات اللازمة لاستخدامه."

  • أنظر تقرير المنظمة Way forward to strengthen national plant breeding and biotechnology capacity فبراير/ شباط 2005 (PDF, 127K)
  • المزيد عن عمل منظمة الأغذية والزراعة في مجال تربية النباتات والتكنولوجيا الحيوية (بالإنكليزية)
يونيو/حزيران 2006
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2006