بحث
مخزن  البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات

أضواء كاشفة / 2006

حصاد البطاطس في الإكوادور. وتعدّ السنة الدولية للبطاطس عام 2008 مبرراً كافياً للاحتفال بها

الكنز الدفين: البطاطس

على الرغم من غمطها حقها في أحيان كثيرة، فإن هذه الدرنة الشديدة القدرة على الاحتمال، والتي يعود أصلها إلى جبال الأنديز، تنمو بسرعة وقابلة للتكيف وعالية الغلّة وحساسة للمدخلات المتدنية. كما أنها غذاء أساسي لملايين البشر في أنحاء العالم...

"لقد كان تخصيص الأمم المتحدة سنةً دوليةً في وقتٍ من الأوقات يعني بالفعل شيئاً ما. ولكن ماذا نصنع حيال تخصيص الأمم المتحدة عام 2008 سنةً دوليةً للبطاطس ؟" هكذا بدأت افتتاحية شديدة القسوة مؤخراً في صحيفة يومية كندية على الخط مباشرة، حيث أطلقت نكتةً مفادها أن تلك السنة ربما تسفر عن "إعلان لحقوق البطاطس والدرنات النشوية الأخرى الصالحة للأكل".

لقد كشف كاتب الافتتاحية قلة معرفته بمكانة البطاطس في الزراعة، والاقتصاد، والأمن الغذائي العالمي. فمن حيث الكمية المحصودة المجردة، تعدّ درنة البطاطس المتواضعة في الحقيقة المحصول الغذائي رقم (4) في العالم - بعد الذرة والقمح والأرز - إذ بلغ إنتاجها في 2005 زهاء (323) مليون طن. وبالنسبة للبلدان العشرة الأكثر إنتاجاً، التي تقدم نحو ثلثي الإنتاج العالمي من البطاطس (راجع الجدول أدناه)، تقدر القيمة الإجمالية لهذا المحصول بنحو (4) آلاف مليون دولار.

بطاطس 2008
بإعلانها عام 2008 سنةً دوليةً للبطاطس (IYP) ، تسعى الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تركيز انتباه العالم على الدور الذي يمكن للبطاطس أن تضطلع به في دحر الجوع والفقر. حيث طلبت الجمعية العامة من منظمة الأغذية والزراعة القيام - بالتعاون مع الحكومات والوكالات التابعة للأمم المتحدة والمراكز التابعة للجماعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية والمنظمات غير الحكومية - بتيسير تنفيذ السنة الدولية للبطاطس. يذكر أن فكرة إعلان السنة الدولية قد جاءت - وعلى نحو ملائم - من ممثل بيرو الدائم لدى المنظمة في روما. ألق نظرة...
كما تعد البطاطس كذلك حاسمةً في الأمن الغذائي لمئات الملايين من الناس في العالم النامي، حيث ارتفع الاستهلاك السنوي مما يقل عن (10) كيلوغرام/ للشخص في أوائل الستينات من القرن العشرين إلى زهاء (15) كيلوغرام. وعلى الرغم من انخفاض إنتاج البطاطس في أوروبا، فقد بقي النمو قوياً في البلدان النامية - بصورة خاصة في الصين والهند - حتى أن الإنتاج العالمي منها قد تضاعف تقريباً خلال السنوات العشرين الماضية. وتقول منظمة الأغذية والزراعة (فاو) بأنه منذ أوائل الستينات من القرن العشرين، فاقت الزيادة في مساحة الإنتاج المكرسة للبطاطس في العالم النامي مثيلتها بالنسبة للسلع الغذائية الرئيسة الأخرى مجتمعة، وبحلول 2020 من المتوقع للطلب على البطاطس أن يبلغ ضعف ما كان عليه عام 1993.

إمكانيات كبيرة: يقول إريك كوينمان، رئيس إدارة المحاصيل والمراعي لدى المنظمة، وهي الإدارة التي ستتولى زمام المبادرة في تنفيذ السنة الدولية للبطاطس 2008 "بالنسبة للناس ذوي الدخل المنخفض في مناطق المدن والريف على حدٍ سواء، تعدّ البطاطس بالفعل كنزاً دفيناً. فهي تنمو بسرعة وقابلة للتكيف وعالية الغلّة وحساسة للمدخلات المتدنية. إنها ملائمة تماماً للأماكن ذات الأراضي المحدودة واليد العاملة الوفيرة، وهي ظروف تتميز بها مناطق كثيرة في العالم النامي. كما أنها تتمتع كذلك بإمكانيات كبيرة غير مطروقة لتحقيق زياداتٍ إضافية في الغلال والإنتاجية، خصوصاً في بعض المناطق الزراعية الهامشية التي لا تناسب المحاصيل الأخرى."

كانت البطاطس (Solanum tuberosum) قد نشأت أصلاً قبل نحو 8000 عام في المناطق الاستوائية الشاهقة في جبال الأنديز، حيث جرى استنباط (5500) صنف زراعي مذهل من جانب المزارعين عبر الأجيال. وبعد أن أخذها الأسبان إلى أوروبا في القرن 16، تكيفت هذه الدرنة بسرعة مع ظروف الزراعة في الشمال وسرعان ما أصبحت غذاءً أساسياً في حقبةٍ اتسمت بنمو سكاني سريع. ومن أوروبا انتشرت عبر مناطق أخرى في المعمورة: حيث تزرع البطاطس اليوم في أراضٍ زراعية تقدر مساحتها بنحو 180000 كم²، تمتد من نجد يونان في الصين والأراضي المخفضة شبه الاستوائية في الهند إلى مرتفعات جاوة الاستوائية وسهوب أوكرانيا.

إنتاج البطاطس عام 2005 (طن)
1- الصين73,036,500
2- الاتحاد الروسي36,400,000
3- الهند25,000,000
4- أوكرانيا 19,480,000
5- الولايات المتحدة الأميركية19,111,030
6- ألمانيا11,157,500
7- بولندا11,009,390
8- بيلاروس 8,185,000
9- هولندا6,835,985
10- فرنسا6,347,000
المصدر: FAO/ESS
وعلى الرغم من أن البطاطس تعدّ فقيرة نسبياً في المغذيات، فإنها غنية بالكربوهيدرات، ما يجعلها مصدراً جيداً للطاقة. كما أنها تمتاز باحتوائها على أعلى كمية من البروتين (زهاء 2.1 بالمئة على أساس الوزن الطازج) بين عائلة محاصيل الجذور والدرنات، والبروتين فيها ذو جودة عالية نوعاً ما، ونمط الأحماض الأمينية فيه مناسب تماماً لاحتياجات بني البشر. كما أن البطاطس غنية جداً بفيتامين (ج) - حيث تحتوي حبة البطاطس من الحجم المتوسط على نصف ما نحتاجه للاستهلاك اليومي تقريباً.

ويطرح المحصول المروي بعمر 120 يوم تقريباً بين (25) و (35) طن/هكتار من الدرنات الطازجة في الظروف المعتدلة وشبه الاستوائية، بينما يمكن للمزارعين في المناطق الاستوائية أن يحصدوا بين (15) و (25) طناً خلال 90 يوماً من الزراعة. وقد أصبحت البطاطس في الأراضي المنخفضة في بنغلادش وشرق الهند محصولاً رَيعياً شتوياً ذا قيمة كبيرة، بينما في الفلبين وإندونيسيا يساعد إنتاج البطاطس في تلبية الطلب المتصاعد بصورة سريعة عليها من جانب صناعات الأغذية الخفيفة. وكذلك في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أضحت البطاطس الغذاء المفضل في مناطق المدن، وغذاءً أساسياً ومحصولاً رَيعياًً هاماً في مناطق الإنتاج في مرتفعات الكاميرون وكينيا وملاوي ونيجيريا ورواندة وجنوب أفريقيا.

وتقول المنظمة بأن "ثمة علاقة من نوع خاص تربط البطاطس بالمساواة بين الجنسين". حيث أن الدرنات القابلة للأكل هي في العادة محاصيل النساء بالنظر إلى دورهن البارز في نظم الحدائق الأسرية وإلى التأنيث المتزايد للزراعة. ففي بلدان نامية كثيرة يعدّ إنتاج البطاطس وتسويقها هو مجال سيطرة النساء في الأسر الزراعية. كما أن القيمة التغذوية والسهولة النسبية لإنتاج البطاطس قد جعلتاها كذلك مكوناً على قدر من الأهمية في قطاع الزراعة المُدُنية الآخذ في التوسع على نحو سريع، والذي يوفر الأمن الغذائي والتشغيل لنحو (800) مليون شخص في البلدان النامية.

جيرمبلازم البطاطس يحتفظ المركز الدولي للبطاطس (CIP) في بيرو بأكبر مجموعة جيرمبلازم بطاطس في العالم، من ضمنها (3800) عينة من البطاطس الأنديزية التقليدية الزراعية ونحو (1500) عينة من زهاء (100) من أقاربها البرية. ويعمل المركز - معتمداً على بنك التنوع الوراثي هذا - على تحديد جينات جديدة ذات قيمة زراعية، كما يساعد في تطوير أدوات لتوجيه استخدامها. وعندما يتم فهمها بصورة أفضل، يمكن إدخال السمات التي تسيطر عليها الجينات المنفردة أو المركبة في أصناف جديدة من خلال الجمع بين التربية التقليدية والتكنولوجيا الحيوية. المزيد من مركز (CIP)...
الإجهادات الحيوية: نظراً لكون متوسط استهلاك البطاطس في العالم النامي أقل من ربع نظيره في أوروبا وأميركا الشمالية، فإن ثمة مجال واسع لمواصلة تحقيق زياداتٍ في الإنتاج والاستهلاك في البلدان النامية. لكن منظمة الأغذية والزراعة تحذر من أن زيادة الإنتاج ستتطلب إدخال تحسيناتٍ على جودة المواد الزراعية، ونظماً زراعية تستخدم الموارد الطبيعية على نحو أفضل وتقلل من الآثار السلبية على البيئة، وفوق ذلك كله، درناتٍ تتصف بمقاومة أكبر للإجهادات الحيوية التي تسببها الآفات والأمراض.

إن لفحة البطاطس المتأخرة (LB) - التي يسببها عفن فطري ينتقل بالهواء - هي أخطر أمراض البطاطس في العالم. ففي البلدان النامية وحدها يصيب هذا المرض (3) مليون هكتار من الأراضي المنتجة للبطاطس، وتقدر خسائر المحصول بنحو (2.75) ألف مليون دولار في السنة. كما أن مجهودات مكافحة هذا المرض مكلفة أيضاً - ففي شمال الإكوادور ينفق المزارعون ما معدله (120) دولار للهكتار على مبيدات الفطريات، أي زهاء 10 بالمئة من مجمل التكاليف الإنتاجية لديهم.

ولم يكن أدلّ على تهديد اللفحة المتأخرة للأمن الغذائي من "مجاعات البطاطس" الأيرلندية في أواسط القرن التاسع عشر: حيث دمرت لفحة البطاطس غالبية محصول البطاطس في ذلك البلد، ما أدى إلى وفاة قرابة مليون شخص ونزوحٍ جماعي لملايين الأشخاص الآخرين. ويقوم الباحثون في المركز الدولي للبطاطس (CIP) حالياً بتطوير نظم إدارة متكاملة للفحة البطاطس المتأخرة تستخدم أصنافاً ذات مقاومة "صامدة وتدوم طويلاً" لهذا المرض، مترافقةً مع مدارس مزارعين حقلية تقوم باختبار وتكييف نُهُجٍ لإدارة المرض. ويقول المركز بأن مكافحة اللفحة المتأخرة بصورة أفضل من شأنها أن تولد منافع سنوية تبلغ (530) دولار للهكتار.

في غضون ذلك، تقوم المنظمة بمساعدة عدة بلدان نامية على زيادة إنتاجها من البطاطس من خلال القضاء على الأمراض والفيروسات من "تقاوي البطاطس seed potato"، أي القطع الصغيرة من الدرنات التي تستخدم لزراعة المحصول في كل موسم. ففي طاجكستان، مثلاً، انخفض إنتاج البطاطس بنسبة تزيد على 50% خلال التسعينات من القرن العشرين نتيجةً لنقص مواد الزراعة المحلية الجيدة إضافةً إلى الفيروسات التي أدخلت مع الدرنات المستوردة. وقد قدمت المنظمة خبيراً دولياً في مجال زراعة الأنسجة من أجل مساعدة هذا البلد على وضع الأساس اللازم لإنتاج تقاوي بطاطس خالية من الأمراض، وإيجاد مجموعات من الفنيين والمزارعين المدربين في مجال إكثار البطاطس.

"جنّة البطاطس" في ليسوثو
في مقاطعة بوثا - بوثي في ليسوثو، التي تعدّ سلة الخبز للبلاد، يعمل مشروع تنفذه المنظمة على تشجيع التحول إلى البطاطس عقب هبوطاتٍ ملموسة وقعت مؤخراً في غلال الذرة وهي المحصول الرئيس للمقاطعة. حيث يقول خبراء الزراعة أن مرتفعات بوثا - بوثي وسفوحها ملائمة تماماً لإنتاج البطاطس ويمكن أن تصبح "جنة تقاوي البطاطس" إذا ما حصل المزارعون على مواد زراعة خالية من الأمراض. وتقوم جماعات المزارعين المحليين حالياً - بتمويل من المنظمة - بإنشاء قطعة أرض مساحتها (10) هكتارات لإنتاج نحو (75) طناً من تقاوي البطاطس، سيتم بيعها للمزارعين في بوثا - بوثي والمقاطعات المجاورة.
كما وضع مشروع حديث آخر في سوريا الإجراءات اللازمة لإنتاج تقاوي بطاطس خالية من الفيروسات، وقام بتدريب المزارعين على القيام بإكثار التقاوي وتسويقها، إضافةً إلى بناء مرفق قطري لإنتاج الأمصال المضادة لاستخدامها ضد عترات الفيروس المحلية.

مقاومة الجفاف: تعمل البحوث على معالجة قضايا رئيسة أخرى في مجال إنتاج البطاطس، مثل تعطّش الدرنة لموارد المياه الشحيحة على نحو متصاعد والباهظة التكاليف: حيث تحتاج أصناف البطاطس الحديثة إلى الري الضحل المتكرر. ومن أجل تخفيض الاحتياجات المائية يقوم المربون باستنباط أصناف تمتاز بخاصية مقاومة الجفاف وتتمتع بمنظومات جذور أكثر طولاً. كما أن خفض فاقد ما بعد الحصاد سيسهم أيضاً في زيادة إمدادات البطاطس. حيث يقوم مشروع تنفذه المنظمة حالياً في بيليز بمساعدة تعاونيات المزارعين على تخفيض نسبة الفاقد من تقاوي البطاطس المخزنة والبطاطس المحصودة معاً، والذي يصل إلى 20 بالمئة سنوياً. حيث يهدف المشروع إلى تخفيض هذه الخسائر إلى 3 بالمئة من خلال بناء مخازن تبريد ذات أرضيات من الخيزران في مواقع استراتيجية، بغية تعليم المزارعين من خلال مشاهدتها.

وأخيراً، فإن زراعة البطاطس في بعض البلدان النامية تنطوي على استخدام مواد كيماوية زراعية خطرة. ففي جبال الأنديز بصورة خاصة يمثل الموت والمرض بين عمال المزارع وعائلاتهم بسبب سوء استخدام مبيدات الآفات مشكلةً خطيرة. حيث تمتص تربة المرتفعات الكثيفة كميات هائلة من المبيدات الحشرية، والتي تخترق المحاصيل اللاحقة، وتنساب فتلوث إمدادات المياه. ومن شأن استنباط تقاوي بطاطس نظيفة يعتمد عليها، وأصناف بطاطس مقاومة للفيروسات، إلى جانب تطبيق الإدارة المتكاملة للآفات أن تكون ذات فوائد ملموسة للبيئة، وذلك من خلال إحداث تخفيض كبير في الحاجة إلى الكيماويات.

  • المزيد من منظمة الأغذية والزراعة بشأن إدارة المياه لمحاصيل البطاطس و إدارة البطاطس بعد الحصاد
  • إعرف المزيد عن البطاطس من موقع ويب المركز الدولي للبطاطس
تشرين الثاني / نوفمبر 2006
مخزن:  البداية ·  أضواء كاشفة ·  المحفوظات   الأدلة:  خريطة الموقع © FAO, 2006