يبدأ اليوم النموذجي للأطفال في مدينة دار السلام وما حولها في تنزانيا قبل شروق الشمس، عندما يوقظون للاستعداد للمدرسة. حيث يكون الإفطار الاعتيادي كوباً من الشاي، مع اللبن أحياناً. وقرابة الساعة (6.30) صباحاً يستقلون حافلة عمومية لتأخذهم إلى المدرسة التي يبدأ الدوام فيها الساعة (7) تقريباً. وعند الساعة (10) صباحاً يعطون فسحة، وفرصة لتناول وجبتهم الحقيقية الأولى منذ زبدية عصيدة الذرة الناشفة، مع التوابل، التي تناولوها على العشاء في المساء الفائت.
حيث تتوجه غالبية الطلبة إلى ملعب المدرسة لشراء الكسافا المقلية من الباعة المتجولين في الموقع، الذين يقدمون كذلك البطاطس والموز المقليين، اللذين يسهل ازدرادهما بالماء المنكّه. على الرغم من أن ذلك الغذاء مالئ للمعدة ويساعد في تلبية الاحتياجات اليومية من الطاقة، إلا أنه ينقصه مجموعة من المغذيات الأخرى الضرورية لأطفال مفعمين بالنشاط ويمرون في مرحلة نمو . ولسوء الحظ أن الوجبات الخفيفة الغنية بالطاقة لكنها فقيرة بالمغذيات هي الأغذية التي لا يستطيع كثير من الأطفال شراء أغذية سواها.
ويقوم اختصاصيو التغذية وسلامة الأغذية لدى المنظمة الآن بتطوير استراتيجية ترمي إلى تعزيز صحة وتغذية الأطفال في دار السلام - وربما في أماكن أخرى في أفريقيا - من خلال تحسين سلامة الأغذية وجودتها، وبصورة خاصة كثافة المغذيات الصغرى في أغذية الطرقات التي تباع لهم في المدارس. حيث تقول جينا كندي، اختصاصية التغذية " لقد وجدت دراستنا أن أغذية الطرقات تشكل جزء هاما من المتحصل الغذائي للأطفال أثناء اليوم الدراسي. كما وجدت أيضاً أن معظم المأكولات الخفيفة والوجبات التي يشترونها تحتوي في الغالب على الطاقة والدهون، وتفتقر بصورة واضحة إلى المغذيات الصغرى."
لقد أجرى هذه الدراسة باحثون من جامعة سوكووين الزراعية في بلدية كينوندوني، بدار السلام في تنزانيا، وهي منطقة حضرية وشبه حضرية مختلطة يوجد بها عدد كبير من المدارس العمومية. حيث يبلغ متوسط عدد الطلبة في الصف نحو (60) طالباً، ولا تقدم فيها وجبات مدرسية. وتكونت أدوات المسح من استبيانات استهدفت (1180) طالباً في الصفين الخامس والسادس (تتراوح أعمارهم بين 12 و 14 سنة)، إضافةً إلى (170) بائع أغذية طرقات متجول يعملون داخل ساحات المدارس أو قريباً منها. كما تبع الاستبيانات نقاشات جماعية مركزة مع الباعة المتجولين والآباء والمعلمين، إضافةً إلى مقابلات متعمقة مع عينة تضم (40) بائع متجول.
وتقول جويس كينابو من جامعة سوكووين، التي قامت على تنسيق الدراسة " كنا بحاجة لتحديد أغذية الطرقات الأكثر إعداداً، والعوامل التي يتقرر على أساسها ما يشترى منها - مثل الثمن والملاءمة وأفضليات المستهلكين. كما سعى المسح أيضاً إلى فهم كل من المعوقات والفرص المتاحة لتحسين الجودة التغذوية للأغذية."
بدون إفطار. أظهرت القياسات الأنثروبومترية لجميع الأطفال المشاركين أن (23) بالمئة من الأولاد و (15) من البنات مصابون بالتقزم الحاد أو المتوسط. كما كشفت الردود على الاستبيانات أنه في حين كان ثلثا الطلبة يتناولون في العادة طعام الإفطار في المنزل، فانه كان يتكون عادةً من الشاي، "مضافاً إليه اللبن في بعض الأحيان". كما تحضر نسبة ضئيلة من الأطفال فحسب وجبات غداء جاهزة لتناولها كوجبة منتصف الصباح.
وقد كان الباعة المتجولون الذين يقدمون الوجبات والمأكولات الخفيفة بصورة رئيسة من النساء، اللواتي يدفعن رسماً قليلاً للمدرسة كي يعملن داخل ساحة المدرسة ويقدمن مجموعة عريضة من المنتجات الأخرى، ومن ضمنها البطاطس المقلية والأرز المقلي والأرز مع الفاصوليا والموز المقلي وفطائر الطماطم والبصل المقلية والفول السوداني المقلي مع السكر والبطاطس الحلوة المقلية والماء المحلّى والمنكَّه.
لكن غالبيتهن كانت قد حصلت على قليل من التعليم الرسمي دون أي تدريب رسمي على الإطلاق في مجال إعداد الطعام تحت ظروف سليمة وصحية. والأكثر من ذلك، أن غالبيتهن كن مشغلاتٍ منفردات: إذ لم يكن ثمة اتحادات نظامية للباعة المتجولين ومن ثم لم توجد آليات للوصول إلى الائتمان أو المعلومات التغذوية أو مكونات ذات جودة تغذوية أفضل، أو للتفاعل مع الوكالات المسئولة عن مراقبة جودة الأغذية.
حصص صغيرة. يحصل الباعة المتجولون على مكونات الأغذية والمأكولات الخفيفة مسبقة الصنع من أسواق الجملة ومحلات البيع بالتجزئة المحلية بصورة أساسية، حيث يحدد الاختيار على أساس " أنواع الأغذية المفضلة من جانب أطفال المدارس بصورة رئيسة، إضافةً إلى التكلفة". وقد وجد المسح كذلك أن عدداً ضئيلاً من الباعة المتجولين يبيعون مواد غذائية مفردة يمكن أن تشكل وجبةً ملموسة. وقال الباعة موضحين أن غالبية أطفال المدارس يفضلون المأكولات الخفيفة الصغيرة مرتفعة الطاقة الكالورية على الوجبات - مثل الفاصوليا أو الأرز مع الخضراوات - لأنها ذات تكلفة أقل كما أنها "تملأ معداتهم بصورة سريعة". وعلى الرغم من أن بعض المأكولات الخفيفة المعروضة - مثل كرات اللوبيا البلدية المطحونة المقلية - أغنى بالبروتين، فان أحجام حصصها كانت صغيرة للغاية. وبعبارة أخرى، ليس في مقدور طفل المدرسة العادي أن يشتري وجبة كافية.
وتقول جويس كينابو " على الرغم من توفر مجموعة عريضة من الخضراوات في المنطقة، فإنها نادراً ما تعرض للبيع، نظراً لصعوبة تجهيزها. كما أن الباعة نادراً ما يبيعون الفواكه بسبب ارتفاع تكاليفها في موسمها وانخفاض هامش ربحها خلال الموسم. وفي جميع الأحوال، اتفق الباعة بصورة عامة على أن نوع الغذاء الوحيد الذي يبدو أن أطفال المدارس لا يشترونه هو الفواكه".
كما قال الباعة المتجولون خلال اجتماعات مجموعات التركيز أن عاملين يمنعانهم من تحسين الجودة التغذوية للأغذية التي يبيعونها: مستويات رأسمالهم المنخفضة التي تحول بينهم وبين شراء الفواكه والخضراوات، و "عدم مقدرة أطفال المدارس على دفع" ثمن الأغذية الأعلى سعراً.
وعلى الرغم من أن تركيز الدراسة قد انصب على سبل تحسين جودة الأغذية، لكنها أقرت بأن تدنّي الجوانب الصحية في إعداد الأغذية ربما يكون "معوقاً جوهرياً يقف أمام الإفادة من المنافع التغذوية المكتسبة". فقد وجدت - على سبيل المثال - أن الباعة المتجولين الذين يعملون في مجمعات المدارس "يفتقرون إلى البنية الأساسية الكافية التي من شأنها أن تعزز صحة الأغذية وسلامتها" - مثل المياه النظيفة ومناطق التخلص من النفايات - وأن المأكولات الخفيفة كثيراً ما تتعرض للأوساخ والغبار. حيث تقدم الأغذية على نحو شائع بواسطة اليد في صحف قديمة. كما يسمح بعض الباعة للأطفال بالتقاط المواد الغذائية بأنفسهم بواسطة أيديهم العارية، وهي ممارسة يمكن أن تؤدي بصورة سهلة إلى تلويث الأغذية بالجراثيم. كما تشير جويس كينابو إلى أن المدارس لا تطبق نظاماً لاستخدام النكهات الغذائية وعدد مرات استخدام زيت الطبخ، كما أن الملونات الغذائية المشتراة من المخازن المحلية تستخدم على نطاق واسع من جانب الباعة المتجولين، دون أن يكونوا على دراية بأخطارها المحتملة.
المزيد من اللبن والفواكه. لقد خلص الباحثون إلى الاستنتاج بأنه مع إدخال تحسينات على الجودة التغذوية، يمكن لأغذية الطرقات أن تساعد في تلبية احتياجات أطفال مدارس دار السلام من المغذيات الصغرى. حيث اقترحوا صنع وجبة خفيفة أكثر تغذية، من الكسافا - أكثر المواد الغذائية شيوعاً - وذلك بإضافة مكونات كالبقوليات والتوابل إليها. كما يمكن أن يكون للّبن المعاد تركيبه أن يكون مادة مغذية جديدة على قائمة الطعام.
ثمة مجال واسع لإدخال مزيد من الفواكه إلى أغذية الطرقات. حيث تفقد نحو (60) بالمئة من الفواكه المجنية في تنزانيا خلال نقلها أو تتعفن أثناء انتظارها للبيع. ولذلك فقد اقترحت الدراسة أن يستثمر المتعهدون في المجففات الشمسية، التي تقل تكلفة الواحد منها عن (100) دولار أميركي، لإعداد عبوات من الفواكه المجففة المضاف إليها مغذيات صغرى ويكون في مقدور الأطفال دفع ثمنها. وفوق ذلك كله، استنتجت الدراسة أنه من الضروري تثقيف الأطفال لاختيار أغذية مغذية، وأن من شأن تنفيذ حملات إعلامية عامة أن "تشجع الأسر على كفالة تناول أطفالها طعام الإفطار قبل مغادرتهم للمنزل".
وفي الختام، تقول الاختصاصية لدى مصلحة الزراعة والتغذية جينا كندي "نأمل أن يتولد عن هذا البحث اهتمام بتحسين سلامة وجودة أغذية الطرقات التي تباع لأطفال المدارس. وثمة إمكانية كبيرة للوصول إلى وضع يكون الجميع فيه رابحاً، بحيث يؤدي إلى تحسين القيمة التغذوية للطعام الذي يتناوله الأطفال، ويولّد في الوقت ذاته دخلاً لباعة أغذية الطرقات المتجولين." للحصول على نسخة من Improving the nutritional quality of street foods to better meet the micronutrient needs of schoolchildren in urban areas أكتب إلى ag21@fao.org المزيد بشأن التغذية في المدن وأغذية الطرقات من قسم التغذية وحماية المستهلك لدى المنظمة فبراير/شباط 2007 مخزن: البداية · أضواء كاشفة · المحفوظات الأدلة: خريطة الموقع © FAO, 2007