وفى "قرن المدن" سيكون هناك تحدى كبير يتمثل في توفير كميات كافية من الأغذية المغذية التي يسهل الحصول عليها من جانب سكان الحضر وبخاصة الفقراء. وهناك طريقة فعالة جدا لتعزيز الأمن الغذائي للمستهلكين في الحضر، وهى تحسين كفاءة جميع الأنشطة التي تتولى إحضار الأغذية وتوزيعها داخل المناطق الحضرية، وتجميعها، ومناولتها، وفرزها، وتعبئتها، وتجهيزها وبيعها بالجملة، وبيعها بالتجزئة، وطهيها لبيعها كغذاء يباع في الشارع.
المستهلكون يدفعون "كثيرا جدا"
أجرى قسم نظم الدعم الزراعي بالمنظمة بحثا مستفيضا عن المعوقات التي تواجه عملية تسويق الأغذية في الحضر في البلدان النامية اتضح منها: أولا، أن عملية إنشاء وتوسيع أسواق الجملة في كثير من بلدان أمريكا اللاتينية والبلدان الأسيوية تمضى بصورة متخلفة عن معدل النمو في سكان الحضر وفى تدفقات الأغذية. أما المدن الأفريقية فتفتقر، مع القليل جدا من الاستثناءات، إلى مرافق محددة لأسواق الجملة.
والمناطق الحالية المخصصة لتجارة التجزئة غالبا ما تكون غير كافية. كما أن ثلاجات التبريد عادة ما تكون غير كافية- أو لا تعمل على الإطلاق بسبب عدم وجود الصيانة المناسبة- والإيجار غالبا ما يكون مرتفعا. لذلك تسوء بسرعة حالة الأغذية القابلة للتلف. وتفتقر الأسواق العامة إلى الإدارة المهنية بما يجعلها غير قادرة على وضع اللوائح موضع التنفيذ. لذلك فإن عمليات البيع والشراء في الأسواق العامة هي أكثر صعوبة وبالتالي تكون أكثر تكلفة.
ويقول قسم نظم الدعم الزراعي "أن الكثيرين من تجار الأغذية يرون أن الأسواق الرسمية" الحضرية تمثل مصدرا للدخل لصناديق المدن، وترتفع أصواتهم بالشكوى بأن ما يتم تحصيله من أموال لا يعاد استثماره في صيانة البنية الأساسية وتحسين الخدمات. وهذا ما يولد شعورا لدى التجار بأن ضرائب السوق لا مبرر لها، كما أن ذلك يؤدى إلى حدوث قلاقل عندما تزيد نسب هذه الضرائب.
الأسواق العشوائية
يشير قسم نظم الدعم الزراعي إلى أنه في الوقت الذي يذهب فيه المستهلكون الموسرون إلى الأسواق الممتازة للتسوق، فإن سكان الحضر من ذوى الدخل المنخفض عادة ما يذهبون إلى المتاجر أو ساحات الأسواق القريبة من منازلهم أو يشترون من باعة الشارع الجائلين. وفى الوقت ذاته لم يحدث توسع بالسرعة الكافية في أسواق المناطق الحضرية الجديدة، كما أن الأسواق الحالية غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من تجار التجزئة.
يؤدى عدم توافر المكان والفرص السوقية في المدن الصغيرة التابعة إلى ظهور الأسواق "العشوائية" وهى تسد فجوى مهمة في سلسلة توزيع الأغذية ولكنها تخلق مشاكل تتعلق بالمرور والصحة والبيئة. وفى ليما، بيرو نشأت 80% من أسواق التجزئة بطريقة عشوائية وهى تتواجد بالقرب من المناطق السكنية ذات الدخل المنخفض ولا يوجد بها غير القليل من المرافق العامة. وفى مناطق الدخل المنخفض في مدن أمريكا اللاتينية تشتعل المنافسة بين متاجر المواد الغذائية الصغيرة التي تدار عائليا للاستحواذ على السوق المحلية. وتعتبر هذه المنافسة- التي يزيد من شدتها ظهور الأسواق الممتازة والأسواق الكبيرة- ونقص المهارات التنظيمية المسؤولان عن تحقيق عائدات منخفضة أو سلبية وهو ما يؤدى بدوره إلى توقف الاستثمار الخاص.
الرؤية الاستراتيجية
يهدف قسم نظم الدعم الزراعية من خلال برنامجه "إمدادات الأغذية وتوزيعها على المدن" إلى تقديم المشورة لرؤساء ومديري ومخططي المدن بشأن الوسائل التي يمكن اتباعها من أجل تحسين تسويق الأغذية في المدن وتحقيق الأمن الغذائي بها.
ويقول قسم نظم الدعم الزراعية أن الخطوة الأولى هي ضرورة توافر الفهم الكافي لعملية توزيع الأغذية في الحضر: "حيث تحتاج سلطات المدينة إلى أن يكون لديها رؤية استراتيجية عن كيفية النهوض بالمدينة على المدى المتوسط (4- 6 سنوات) والمدى الطويل (10- 15 سنه) من حيث التنمية المكانية والديموغرافية والاقتصادية إلى جانب المتطلبات الغذائية". وهى تحتاج أيضا إلى صياغة سياسات وبرامج محلية لتخفيض تكاليف تسويق الأغذية وإتاحة سبل الوصول إليها، والنهوض بالعمالة المنتجة في مجال تسويق الأغذية وتوسيع نطاق الزراعة في المناطق الحضرية وما حولها.
وحتى يتسنى خفض التكاليف ينبغي تنشيط الأسواق المتنقلة والأسبوعية والأسواق الحرة والمتاجر والأسواق الممتازة التي تشترى مباشرة من المنتجين المنظمين، وتقديم المساندة من خلال وضع اللوائح المحددة واستخراج التصاريح، إلى جانب تقديم الدعم اللوجستى والحوافز. وقد يحتاج تسهيل الوصول المادي إلى الأسواق إلى استثمارات في الطرق وأماكن الانتظار، وإعادة تنظيم الحركة المرورية، وإعادة توزيع بعض المهام السوقية المحددة (مثل إعادة توزيع الأغذية) على المدن الثانوية بغرض تخفيض الضغط على المراكز الحضرية المزدحمة.
ومن التدابير الأخرى التي يوصى بها العمل على تسهيل الحوار بين جماعات المستهلكين والتجار وناقلي الأغذية وإشراكهم في اتخاذ القرار، وزيادة الوعي والكفاءة التقنية بين أصحاب المتاجر وتجار السوق والعاملين في نقل الأغذية ومد راء السوق من خلال تقديم المعلومات والبرامج التدريبية، وتحسين إدارة وصيانة الأسواق الحضرية بالتعاون مع مستخدمي السوق.
ويقول قسم نظم الدعم الزراعية، أن مثل هذه الإجراءات التعاونية ستؤدى إلى تحسين وصول المستهلكين إلى الغذاء، وبذلك تصبح المدن أقل تعرضا وأكثر استدامة وإنصافا، وهكذا تصبح أماكن أفضل للعيش فيها.
نشر هذا المقال فى يونيو/حزيران 1999