الحفظ والتوسع

الفصل ٥
إدارة المياه

يتطلب التكثيف المستدام تكنولوجيات دقيقة وأذكى للري وممارسات زراعية تستخدم نُهج النظم الإيكولوجية للحد من احتياجات المحاصيل إلى المياه.

تُزرع المحاصيل في إطار طائفة متنوعة من نظم إدارة المياه، تتدرج من حرث التربة البسيط، إلى زيادة تسرب التهطال، إلى تكنولوجيات وإدارة الري المتطورة. ومن بين أراضي المحاصيل الموجودة على نطاق العالم والتي تقدر مساحتها بما يبلغ ١.٤ مليار هكتار، فإن نحو ٨٠ في المائة هي أراضٍ بعلية تُنتج نحو ٦٠ في المائة من الإنتاج الزراعي العالمي١. وفي ظل الظروف البعلية، تحاول إدارة المياه التحكم في مقدار المياه المتاح لمحصول من خلال تحريف انتهازي لـ ”مسار“ مياه الأمطار نحو تحسين تخزين الرطوبة في منطقة الجذور. ومع ذلك، فإن توقيت استخدام المياه ما زالت تمليه أنماط التهطال ولا يمليه المزارعون.

وتُروى مساحة تمثل نحو ٢٠ في المائة من مجموع مساحة أراضي العالم المزروعة بمحاصيل، وتُنتج نحو ٤٠ في المائة من مجموع الإنتاج الزراعي١. وتآلف ارتفاع كثافات زرع المحاصيل مع ارتفاع متوسط الغلات هو المسؤول عن هذا المستوى من الإنتاجية. وبالتحكم في كل من مقدار وتوقيت استخدام المياه في المحاصيل، يشجّع الري وييسر تركيز المدخلات لتعزيز إنتاجية الأراضي. ويروي المزارعون المحاصيل بالمياه لتحقيق استقرار الغلات وزيادتها ولزيادة عدد المحاصيل التي تُزرع كل عام. تفوق غلال الزراعة المروية غلال الزراعة المطرية على الصعيد العالمي مرتين الى ثلاث مرات. وبناءً عليه فإن وجود إمدادات مياه موثوقة ومرنة أمر حيوي لنظم إنتاج المحاصيل عالية القيمة وعالية المدخلات. وذلك بالرغم من أن المخاطر الاقتصادية فيها أعلى بكثير من نظيرتها في نظم الإنتاج المطري متدنية المدخلات. غير أن الري يمكن أن يؤدي الى نتائج سلبية تضر بالبيئة، من ضمنها تملُّح التربة وتلوث طبقات المياه الصخرية بالنترات.

ويعني تزايد الضغوط من الطلبات المتعارضة على المياه، إلى جانب الضرورات البيئة، أن الزراعة يجب أن تحقق ”مزيداً من المحاصيل من قطرات ماء أقل“ ومع تركها أثراً بيئياً أقل. وهذا يمثل تحدياً كبيراً، ويعني ضمناً أن إدارة المياه للتكثيف المستدام للإنتاج المحصولي يجب أن تتوخى زراعة أكثر ذكاءً وأكثر دقة. وسيقتضي أيضاً أن تصبح إدارة المياه في الزراعة أكثر مهارة بكثير في تبرير استخدامها للمياه تبريراً اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً.

وتتباين آفاق التكثيف المستدام تبايناً كبيراً بين نظم الإنتاج المختلفة، مع وجود قوى خارجية مختلفة تحرّك الطلب. ومع ذلك، بوجه عام، ستعتمد استدامة الإنتاج المحصولي المكثف، سواء كان بعلياً أو مروياً، على اتباع نُهج النظام الإيكولوجي من قبيل الزراعة التي تراعي حفظ الموارد، إلى جانب ممارسات أساسية أخرى، من بينها استخدام أصناف عالية الغلة وبذور جيدة النوعية، والإدارة المتكاملة للآفات.

نظم زراعة المحاصيل البعلية

ثمة أصناف كثيرة من المحاصيل التي تُزرع في النظم البعلية تكون مكيّفة بحيث تستغل الرطوبة المخزونة في منطقة الجذور. ويمكن زيادة تحسين النظم البعلية، مثلاً باستخدام المحاصيل ذات الجذور العميقة بالتناوب، وتكييف المحاصيل لإيجاد موئل لزيادة عمق الجذور، وزيادة قدرة التربة على تخزين المياه، وتحسين تسرب المياه، والإقلال إلى أدنى حد من التبخر من خلال تكوين مهاد عضوي. ويمكن أيضاً أن يؤدي امتصاص السيح من الأراضي المتاخمة غير المزروعة بمحاصيل إلى إطالة مدة توافر رطوبة التربة. وتحسين إنتاجية الزراعة البعلية يتوقف إلى حد كبير على تحسين رعاية التربة من حيث جميع جوانب إدارة المحاصيل. فعوامل من قبيل الآفات ومحدودية توافر مغذيات التربة يمكن أن تحد من الغلات أكثر مما يحد منها توافر المياه بحد ذاته٢، ٣. وتعتبر مبادئ الحد من الحرث، وتكوين مهاد عضوي، واستخدام التنوع البيولوجي الطبيعي والمدار (الموصوف في الفصل ٢، النظم الزراعية) مبادئ جوهرية لتحسين رعاية التربة.

ولذا سيتوقف نطاق تطبيق التكثيف المستدام للإنتاج المحصولي في إطار الظروف البعلية على استخدام نُهج مستندة إلى النظم الإيكولوجية تُزيد إلى أقصى حد من تخزين الرطوبة في منطقة الجذور. ومع أن هذه النُهج يمكن أن تيسر التكثيف، يظل هذا النظام عرضة لتقلبات هطول الأمطار. وسيؤدي تغير المناخ إلى زيادة المخاطر بالنسبة للإنتاج المحصولي. والتحدي المتمثل في وضع استراتيجيات فعالة من أجل التكيف مع تغير المناخ ليس، في حقيقة الأمر، مُلحَّاً في أي مجال آخر أكثر مما هو مُلحّ في مجال الزراعة البعلية٤.

ولذا تلزم تدابير أخرى لتبديد نفور المزارعين من الإقدام على المخاطرة. وتشمل هذه التدابير تحسين التنبؤ الموسمي والسنوي بهطول الأمطار وبتوافر المياه وإدارة الفيضانات، للتخفيف من آثار تغير المناخ وكذلك، في المستقبل الأقرب، لتحسين قدرة نظم الإنتاج على الصمود. وتتسنى تدخلات أكثر تفصيلاً لإدارة المياه للحد من مخاطر الإنتاج، ولكن ليس بالضرورة لزيادة تكثيف الإنتاج البعلي. فعلى سبيل المثال، يوجد مجال لتحوّل بعض النظم الزراعية البعلية إلى نظم ري تكميلي تُستخدم فيها مدخلات قليلة، لسد الاحتياجات في فترات الجفاف القصيرة أثناء مراحل النمو البالغة الأهمية ٥، ولكنها مع ذلك تعتمد أيضاً على توقيت هطول الأمطار ومدى كثافته.

ولقد طُبقت إدارة سيح المزرعة، بما في ذلك استخدام السدود التي تستبقي المياه في المناطق المزروعة، تطبيقاً ناجحاً في مناخات انتقالية، من بينها مناخ البحر المتوسط وأجزاء من منطقة الساحل، لتمديد توافر رطوبة التربة بعد كل هطول للأمطار. ويمكن أن تتيح إدارة السيح خارج المزرعة، بما في ذلك تركيز التدفق فوق سطح الأرض إلى المياه الجوفية الضحلة أو تخزينه من قِبَل المزارعين، رياً تكميلياً محدوداً. ولكن هذه التدخلات، عندما يجري التوسع فيها بحيث تشمل مساحات كبيرة، تؤثر على مستخدمي مجرى النهر وأرصدة مياه أحواض الأنهار بوجه عام.

وفي ما يتعلق بالتكنولوجيات، فإن تمديد الفوائد البيئية الإيجابية وفوائد حفظ رطوبة التربة التي تحققها نُهُج النظم الإيكولوجية سيعتمد في معظم الحالات على مستوى التشغيل الآلي للمزرعة، الذي سيلزم للاستفادة من حالات هطول الأمطار. وستظل التكنولوجيات الأبسط، بما في ذلك الزراعة الانتهازية المعتمدة على السيح، محفوفة بالمخاطر على نحو متأصل، لا سيما في ظل نظم التهطال التي تتسم بعدم الانتظام بدرجة أكبر. وستظل أيضاً كثيفة الاستخدام لليد العاملة.

ومن اللازم أن يجري واضعو السياسات تقييماً دقيقاً للمساهمات النسبية للإنتاج البعلي والإنتاج المروي على الصعيد القطري. فإذا كان من الممكن تحقيق استقرار الإنتاج البعلي بزيادة تخزين رطوبة التربة، فمن اللازم الوقوف على الظروف الفيزيائية والاجتماعية – الاقتصادية التي يمكن أن يحدث هذا فيها وتحديد تلك الظروف بطريقة جيدة. ومن اللازم إجراء تقييم اجتماعي – اقتصادي دقيق للمزايا المتعلقة بكل من الاستثمارات المنخفضة الكثافة في التكثيف المستدام للإنتاج المحصولي في النظم البعلية الممتدة والاستثمارات الموضعية العالية الكثافة في نظم الري الكامل وذلك على ضوء أهداف التنمية.

وفي ما يتعلق بالمؤسسات، ثمة حاجة إلى إعادة تنظيم وتعزيز الخدمات الاستشارية التي تقدم للمزارعين الذين يعتمدون على الزراعة البعلية، وتجدُّد الجهود الرامية إلى الترويج للتأمين الخاص بالمحاصيل بالنسبة لصغار المنتجين. وسيلزم إجراء تحليل أدق لأنماط هطول الأمطار ولأوجه العجز في رطوبة التربة وذلك لتحقيق استقرار الإنتاج من النظم البعلية القائمة في ظل آثار تغير المناخ.

النظم الزراعية المروية

إن مجموع المساحة المهيأة للري الموجودة على نطاق العالم تتجاوز الآن ٣٠٠ مليون هكتار٦، ويقدر أن المساحة الفعلية التي يجري حصد محاصيل منها أكبر من تلك المساحة نتيجة لزرع المحاصيل مثنى وثلاثاً. وقد حدث معظم تنمية الري في آسيا، حيث يُمارس إنتاج الأرز في نحو ٨٠ مليون هكتار، وحيث يبلغ متوسط الغلات ٥ أطنان لكل هكتار (مقارنةً بما يبلغ ٢.٣ طن لكل هكتار من 5٤ مليون هكتار من أرز الأراضي المنخفضة البعلية). وعلى العكس من ذلك، تُمارس الزراعة المروية في أفريقيا في ٤ في المائة فقط من الأراضي الزراعية، نتيجة بصفة رئيسية للافتقار إلى استثمارات مالية.

والري هو وسيلة يشيع استخدامها من أجل التكثيف لأنه يتيح مرحلة يمكن عندها تركيز المدخلات. ومع ذلك فإن هذا التكثيف المستدام يتوقف على موقع سحب المياه واتباع نُهج قائمة على النظم الإيكولوجية – من قبيل حفظ التربة، واستخدام أصناف محسّنة، والإدارة المتكاملة للآفات – التي تمثل أساس التكثيف المستدام للإنتاج المحصولي. وتتباين وحدة توزيع الري وكفاءة استخدامه حسب التكنولوجيا المستخدمة لتوريد المياه، ونوع التربة وانحدارها (والأهم هو ما تتسم به من رشح)، ونوعية الإدارة.

وكثيراً ما يكون الري السطحي بواسطة شريط الحد، أو الحوض، أو الأخدود أقل كفاءة وأقل وحدة من الري العلوي (مثل آلية الرش، وآلة التنقيط، وشريط التنقيط). وقد اعتُبر الري المتناهي الصغر علاجاً تكنولوجياً لسوء أداء الري الحقلي، ووسيلة لتوفير المياه. ويتزايد الأخذ به من جانب العاملين في مجال البستنة التجارية في كل من البلدان المتقدمة والبلدان النامية، على الرغم من ارتفاع تكاليفه الرأسمالية.

ويكتسب الري الناقص وتنويعاته من قبيل الري الناقص المنظم أرضاً في الإنتاج التجاري للأشجار المثمرة وبعض المحاصيل الحقلية التي تستجيب للإجهاد المائي المحكوم في مراحل النمو البالغة الأهمية استجابة إيجابية. وكثيراً ما يُمارس الري الناقص المنظم اقتراناً مع الري المتناهي الصغر و”الزرع بالتسميد“ الذي تُستخدم الأسمدة فيه، في إطار الري المتناهي الصغر، مباشرةً في المنطقة التي يتكون فيها معظم بذور النبات. وقد جرى تكييف هذه الممارسة للري الأخدودي الأبسط في الصين. والفوائد التي تتحقق، من حيث الإقلال من المدخلات من المياه، ظاهرة ولكنها لن تتحقق إلا إذا كان الإمداد بالمياه يمكن التعويل عليه إلى حد كبير.

سيكون الري الدقيق المستند إلى المعارف والذي يتيح للمزارعين استخداماً موثوقاً ومرناً للمياه أساساً رئيسياً للتكثيف المستدام للإنتاج المحصولي. وقد جرى تجريب النظم الآلية باستخدام كل من آلات الرش المجهزة الصلبة والري المتناهي الصغر، وهو ما ينطوي على استخدام جس رطوبة التربة ودرجة حرارة ظلة المحاصيل لتحديد أعماق الري التي يجب استخدامها في الأجزاء المختلفة من الحقل. والري الدقيق واستخدام الأسمدة الدقيق من خلال مياه الري يمثلان كلاهما إمكانيتين مستقبليتين في ما يتعلق بالمحاصيل الحقلية والبستنة، ولكن توجد عثرات محتملة. إذ تشير عمليات محاكاة بالحاسوب أجريت مؤخراً أن إدارة الملح تشكل، في البستنة، عاملاً بالغ الأهمية في ما يتعلق بالاستدامة.

والتكاليف الاقتصادية للزراعة المروية كبيرة. فاستخدام تكنولوجيا آلات الرش وتكنولوجيا الري المتناهي الصغر، وكذلك التشغيل الآلي لتصميمات الري السطحي، ينطويان على نفقات رأسمالية وميزانيات تشغيلية طويلة الأجل. وتوفر مسدسات الأمطار أحد أقل الخيارات الرأسمالية تكلفة لتغطية مساحة كبيرة بالري العلوي، ولكنها تنطوي عادةً على تكاليف تشغيلية مرتفعة. ولنظم الري العلوي الأخرى تكاليف رأسمالية عالية وتُعتبر، بدون توافر دعم بإعانات الإنتاج، غير ملائمة للنظم الزراعية التي يتبعها ذوو الحيازات الصغيرة.

والخدمات التي تقدمها كثرة من نظم الري العامة أقل من مثالية، نتيجة لأوجه القصور في التصميم والصيانة والإدارة. وثمة مجال كبير لتحديث هذه النظم وإدارتها، من خلال كل من الإصلاح المؤسسي وفصل توفير خدمات الري عن الإشراف الأوسع نطاقاً على موارد المياه وتنظيمها.

والصرف يمثل عنصراً مكمّلاً جوهرياً، ولكنه كثيراً ما يكون موضع تجاهل، للري، لا سيما حيثما كانت مناسيب المياه تحت الأرض مرتفعة وملوحة التربة تمثل عائقاً. وستلزم استثمارات في مجال الصرف لتحسين إنتاجية نظم الري واستدامتها ولكفالة الإدارة الجيدة للمدخلات الزراعية. ومع ذلك، فإن الصرف المحسّن يزيد من مخاطر خروج الملوثات، مما يسبب تدهوراً في المجاري المائية وفي النظم الإيكولوجية المائية المرتبطة بها.

ويحظى زرع المحاصيل المحمي، في بيوت ظليّة في الأغلب، بشعبية متزايدة في كثير من البلدان، من بينها الصين والهند، لإنتاج الفاكهة والخضر والأزهار بصفة رئيسية. وفي الأجل الطويل، سيزداد تدريجياً شيوع نظم الإنتاج العالية الكثافة ذات الدورة المغلقة، باستخدام الري التقليدي أو الزراعة في الماء أو الزراعة في الهواء، لا سيما في المناطق المحيطة بالحضر التي توجد فيها أسواق قوية وتتزايد ندرة الماء فيها.

واستخدام المياه لأغراض الري يقلل من التدفقات في مجرى النهر، ويغيِّر توقيتها، ويُوجد ظروفاً مواتية لحدوث أزمات، من قبيل تكاثر الطحالب السمية. وتتضمن الآثار الثانوية تملُّح المجاري المائية والمسطحات المائية وتلوث المغذيات فيها وتلوثها بمبيدات الآفات. وثمة مفاضلات بيئية أخرى من النظم المروية؛ فحقول الأرز تعزل مستويات من المادة العضوية أكبر من المستويات التي تعزلها تربة الأراضي الجافة، وتساهم بكمية سيح من النترات أقل، وتولّد انبعاثات أقل من أكسيد النيتروز (أكسيد الأزوت). وفي مقابل ذلك توجد الانبعاثات الكبيرة نسبياً من الميثان (ما يتراوح من ٣ في المائة إلى ١٠ في المائة من الانبعاثات العالمية) وغاز النشادر.

وتستخدم المحاصيل عادةً أقل من ٥٠ في المائة من مياه الري التي تحصل عليها، وتتسم نظم الري التي توجد في حوض نهر مخصص بالكامل أو مخصص تخصيصاً مفرطاً بانخفاض كفاءتها. ومحاسبياً، من الضروري التمييز بين مدى كمية المياه التي تُستنفد، سواء بطريقة مفيدة أو بطريقة منتجة. والاستنفاد المفيد من جانب المحاصيل – النتح هو القصد من الري: فمثالياً، سيكون الرشح مسؤولاً عن كل الاستنفاد الذي يحدث مع انعدام البخر من سطح التربة وسطح المياه. وثمة إمكانية ما لتحسين إنتاجية المياه بالحد من خسائر البخر غير المنتجة.

ولذا فإن التحسينات في إنتاجية المياه على مستوى الأحواض تركز على الإقلال إلى أدنى حد من الاستنفاد غير المفيد٧. ومع ذلك، فإن الآثار التي تتخلف في اتجاه مجرى النهر عن زيادة استنفاد المياه لأغراض الزراعة ليست محايدة: فثمة أدلة على حدوث انخفاضات كبيرة في السيح السنوي من جراء ”تحسُّن“ المستجمعات العلوية التي اتبعت نهج جمع المياه جمعاً مستفيضاً في أجزاء من شبه الجزيرة الهندية٨.

وإدارة المياه عامل أساسي في الحد من فواقد النتروجين وخروجه من المزارع. ففي التربة التي يكون تصريفها حراً، تتعطل جزئياً عملية النترجة، مما يسفر عن انبعاث أكسيد النيتروز، بينما نجد في حالات التشبع (الأنوكسية) أن مركبات الأمونيوم والبولة تتحول جزئياً إلى غاز نشادر، في زراعة الأرز عادةً. ولذا من الممكن حدوث فواقد جوية من البولة، لأن كلاً من غاز النشادر وأكسيد النيتروز ينبعثان أثناء دورتي التبليل والتجفيف في الري. والنتروجين لازم في شكل نترات من أجل امتصاصه عند الجذور، ولكنه يمكن أن يتحرك بسهولة إلى مكان آخر أثناء عملية الانحلال. ويجري استحداث عدد من مركبات الأسمدة المحمية والبطيئة الانبعاث من أجل الحالات المختلفة (انظر الفصل ٣، صحة التربة).

وديناميات تعبئة الفوسفات وتحركه في مصارف ومجاري المياه معقدة. فمن الممكن خروج الفوسفات من الزراعة في النظم المروية في حالة استخدام معدلات تدفق تحاتية في الري الأخدودي، أو إذا تشتت التربة الصودية. ومن الممكن أن ينحبس الفوسفات، والنترات إلى حد أقل، بوجود شرائط عازلة عند أطراف الحقول وعلى امتداد الأنهار، وهو ما يمنعها من الوصول إلى المجاري المائية. ومن ثم، من الممكن أن يؤدي مزيج من الإدارة الجيدة للري، وإعادة تدوير المياه الخلفية، وإدماج الفوسفات في التربة، إلى الإقلال، إلى ما يقرب الصفر، من خروج الفوسفات من الأراضي المروية.

وتتوقف استدامة الزراعة المروية المكثفة على الإقلال إلى أدنى حد من الآثار غير المحسوبة التي تتخلف خارج المزرعة، من قبيل التملُّح وخروج الملوثات، وظروف صيانة صحة التربة والزرع. وينبغي أن يكون هذا هو التركيز الأول للممارسات والتكنولوجيا وصنع القرار على مستوى المزرعة، وهو يعزز الحاجة إلى وجود محاسبة بشأن مياه الاستنفاد، ووجود تخصيص للمياه يكون حكيماً بدرجة أكبر على نطاق الحوض وعلى نطاق مستجمع المياه، ووجود فهم أفضل للتفاعلات الهيدرولوجية بين نظم الإنتاج المختلفة.

factsheet
تحميل نشرة الوقائع
PDF، ١,٤MB
نشرة وقائع رقم ٤
إدارة المياه:
تكنولوجيات للحفظ والتوسع
  • جمع مياه الأمطار في منطقة الساحل في أفريقيا
  • الريّ المخفَّض من أجل غلّة عالية وأرباح صافية قصوى
  • الريّ التكميلي في الأراضي الجافة البعلية
  • استخدامات متعددة لأنظمة المياه

طرق المضي قُدُماً

وتنطوي الزراعة المستدامة في الأراضي المروية – وأيضاً على امتداد نطاق نظم الإنتاج البعلية والبعلية المحسنة - على مفاضلات في استخدام المياه، وتقاسم المياه بالمعنى الأوسع، وصياغة خدمات النظم الإيكولوجية الداعمة. وهذه المفاضلات تزداد تعقُّداً وتنطوي على أهمية اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة.

ستؤثر حوكمة عمليات تخصيص الأراضي والمياه بوجه عام تأثيراً قوياً على حجم الاستثمارات الأطول أجلاً في التكثيف المستدام للإنتاج المحصولي، لا سيما بالنظر إلى ما يرتبط بالإنتاج المروي من تكاليف رأسمالية وتكاليف مدخلات أعلى. وسيستمر تزايد الطلبات المنافسة على المياه من قطاعات اقتصادية أخرى ومن الخدمات والمنافع البيئية. وسيلزم أن تتأقلم إدارة المياه في الزراعة مع انخفاض كمية المياه لكل هكتار من الأراضي وسيتعين أيضاً أن تستوعب داخلياً تكلفة التلوث من الأراضي الزراعية.

وفي ما يتعلق بالسياسات، فإن طبيعة الزراعة تتغير في كثير من البلدان، مع تسارع وتيرة الهجرة إلى خارج الريف وتسارع عملية التحضر. وتتاح أمام الحوافز السياساتية التي تركز على الآثار البيئية غير المحسوبة الأشد إلحاحاً، مع استغلال دوافع الربح لدى فرادى المزارعين، فرصة أكبر للنجاح.

فعلى سبيل المثال، عندما يكون تلوث الأنهار والنظم الإيكولوجية المائية بالكيماويات الزراعية قد بلغ نقطة الأزمة، يمكن أن يكون فرض حظر على الكيماويات الخطرة مصحوباً بتدابير لرفع أسعار الأسمدة، وتزويد المزارعين بمشورة موضوعية بشأن معدلات جرعة الأسمدة، وإزالة الحوافز السلبية التي تشجع على استخدام الأسمدة بإفراط. وتدابير المتابعة قد تشجع عملية الإدارة على المستويات ”المطلوبة أو الموصى بها“، وتسعى إلى نُهج بديلة لزيادة الإنتاجية مع استخدام أكثر تواضعاً للمدخلات الخارجية. وفي تلك الحالة، سيلزم مزيد من الاستثمارات العامة لتحسين رصد أحوال النظم الإيكولوجية.

وفي المستقبل، سيتحسن إدماج تكنولوجيا التسميد (بما في ذلك استخدام الأسمدة السائلة)، والري الناقص، وإعادة استخدام المياه العادمة في إطار نظم الري. ومع أن إدخال تكنولوجيا جديدة في النظم الزراعية المروية ينطوي على تكاليف بدء عالية ويتطلب ترتيبات مؤسسية للتشغيل والصيانة، فإن استخدام الري الدقيق أصبح الآن عالمياً. فالمزارعون في البلدان النامية يستخدمون بالفعل مجموعات أدوات تنقيط منخفضة الرأس حيثما كانت هناك أسواق خاصة، من قبيل البستنة. وإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحدث توسُّع في توافر منتجات مقولبة بلاستيكية زهيدة الثمن وملاءات بلاستيكية للزراعة البلاستيكية. ومع ذلك، فإن التطبيق الواسع النطاق للبدائل، من قبيل التكنولوجيات الشمسية، أو تجنُّب التكنولوجيات الملوِّثة، سيكون بحاجة إلى دعم من تدابير تنظيمية وإشراف فعال على الامتثال.

ولقد أدت أوجه القصور في حوكمة بعض استثمارات الري إلى أوجه شذوذ مالية في التمويل الرأسمالي، والسعي إلى الريع في الإدارة والتشغيل، وسوء التنسيق بين الوكالات المسؤولة عن تقديم خدمات الري للمزارعين. وتلزم نُهج مبتكرة لتحسين الأطر المؤسسية التي تشجّع التنمية الزراعية والمائية، وتصون البيئة في الوقت ذاته. وتظل هناك إمكانات كبيرة لتسخير المبادرات المحلية في مجال التنمية المؤسسية وللتعلم منها، وإدارة آثار التكثيف غير المحسوبة، والحد من تكاليف المعاملات أو تجنبها. ومن الأرجح أن تكون الحلول غنية بالمعارف بدلا من أن تكون كثيفة استخدام التكنولوجيا.

المراجع

1. IIASA/FAO. 2010. Global agro-ecological zones (GAEZ v3.0). Laxenburg, Austria, IIASA and Rome, FAO.

2. French, R.J. & Schultz, J.E. 1984. Water use efficiency of wheat in a Mediterranean type environment. I: The relation between yield, water use and climate. Australian Journal of Agricultural Research, 35(6): 743–764.

3. Sadras, V.O. & Angus, J.F. 2006. Benchmarking water use efficiency of rainfed wheat in dry environments. Australian Journal of Agricultural Research, 57: 847–856.

4. UNDP. 2006. Human Development Report 2006. New York, USA.

5. Wani, S.P., Rockstrom, J. & Oweis, T., eds. 2009. Rainfed agriculture: Unlocking the potential. Comprehensive Assessment of Water Management in Agriculture 7. Wallingford, UK, CABI Publishing.

6. FAO. 2011. AQUASTAT statistical database (www.fao. org/nr/water/aquastat/main/ index.stm).

7. Perry, C., Steduto, P., Allen, R. & Burt, C. 2009. Increasing productivity in irrigated agriculture: Agronomic constraints and hydrological realities. Agricultural Water Management, 96(2009): 1517– 1524.

8. Batchelor, C., Singh, A., Rama Rao, M.S. & Butterworth, J. 2005. Mitigating the potential unintended impacts of water harvesting. UK, Department for International Development.

يمكن طلب شراء كتاب الحفظ والتوسع من العنوان التالي: publications-sales@fao.org

٥: إدارة المياه

يتطلب التكثيف المستدام تكنولوجيات دقيقة وأذكى للري وممارسات زراعية تستخدم نُهج النظم الإيكولوجية للحد من احتياجات المحاصيل إلى المياه.

١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧

يشكل الاستهلاك غير المستدام للموارد الطبيعية تهديداً خطيراً للأمن الغذائي. ويوضح هذا الكتاب السبيل اللازم لإطلاق ثورة "خضراء دائمة" تؤدي إلى تعزيز القدرة الإنتاجية إلى الأبد دون إلحاق أي ضرر إيكولوجي.
M. S. Swaminathan
أب الثورة الخضراء في الهند

تحميل النشرة الطائرة (٣,١MB)

للحصول على هذا الكتاب
يمكن طلب شراء كتاب الحفظ والتوسع من العنوان التالي: publications-sales@fao.org