أنـتم في: الأولى > مركز الأنباء > بيانات المدير العام 2005

مقالات رأي بقلم المدير العام


إصلاح الأمم المتحدة - لابُد من تغيير الوكالات المتخصصة أيضاً

ستحتفل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) قريباً بعيد تأسيسها الستين. وقد أنشئت المنظمة بهدف تحرير الإنسانية من الجوع.. ومع ذلك ورغم الوفرة في الإمدادات الغذائية في عالم اليوم وإمتلاك القطاع الخاص لكل القدرات اللازمة لضمان النقل الفعال وتوزيع الأغذية في نطاق نظام تجاري عالمي يتزايد تحريره، هناك ما يزال 852 مليون شخص يعاني نقص التغذية ولاسيما في البلدان النامية، حيث أن واحدا من بين كل سبعة أشخاص ما يزال يواجه حياة مهددة بدرجة خطيرة بالهلاك جراء عدم كفاية الغذاء منذ اليوم الذي ولد فيه!

ومايزال القطاع الزراعي يطالب بإنتاج المزيد والمزيد من المحاصيل واللحوم والأسماك بالإضافة إلى الألياف لتلبية الطلبات المتزايدة بإستمرار لسكان العالم الذين يتوقع أن تزداد أعدادهم من ستة إلى تسعة مليارات في غضون السنوات الثلاثين القادمة. ولابد للقطاع الزراعي أن يؤدي دوره بطرق تُستَغل فيها الموارد الطبيعية إستغلالاً مستداماً على أن تبقى الأراضي والمياه والغابات والمحيطات في حالة سليمة بحيث تلبي إحتياجات أجيال المستقبل.

ومما لا شك فيه على أية حال، فان منظمة الأغذية والزراعة، باعتبارها واحدة من أقدم الوكالات المتخصصة في منظومة الأمم المتحدة، يتعين عليها أن تستجيب وبعزم إزاء الوضع الذي تجد فيه منظومة الأمم المتحدة نفسها،كي تواجه النداءات التي تدعو إلى إصلاحات أساسية . فالمنظمة بحاجة كما هو الحال مع بقية الهيئات التابعة للأمم المتحدة ، إلى خفض سقوفها ، والإسراع في ردود فعلها ، وتجنب الإزدواجية ، والتخلي عن أنشطة بإستطاعة الآخرين القيام بها وتعزيز أعمالها في المناطق التي تتمتع بمزايا خاصة ومؤكدة.

ولهذا السبب ، يجري حالياً إتخاذ خطوات للبدء بعملية الإصلاح بعيدة المنال في منظمة الأغذية والزراعة .. وإذا ما وافقت عليها البلدان الأعضاء في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الحالي، فان هذه الإصلاحات ستتأقلم مع التغيرات سريعة الحركة التي تجري ضمن محيط التعاون التنموي، وبذلك ستستجيب بطريقة أفضل إلى الطموحات العالية التي تسمو إليها البلدان المتقدمة والبلدان النامية.

فالحاجة أقوى من أي وقت مضى بالنسبة لمنظمة دولية تتوفر لديها القدرة أن تجمع حكومات كل البلدان في محفل محايد للتفاوض بشأن الأغذية والإتفاقيات الزراعية ذات الإهتمام العالمي. وان مساعدة البلدان على تطبيق المعايير الغذائية التي برزت من خلال التعاون مع منظمة الصحة العالمية لحماية المستهلكين إنما تمثل مجالاً حيوياً جديراً بالتركيز ، حيث أن تنمية التجارة الدولية في مجال المنتجات الزراعية تعتمد وبشكل متزايد عل هذه المعايير التي من شأنها ألاّ تجعل القواعد والتعليمات الوطنية عوائق فنية إزاء دخول الأسواق.

ففي الواقع، هناك حالة تستدعي تعزيز قدرة منظمة الأغذية والزراعة من أجل أن تعمل في نطاق عدد من الأولويات ، ويشمل ذلك مساعدة البلدان الأعضاء على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية ، ولاسيما ما يتعلق بخفض نسبة الجوع إلى النصف بحلول عام 2015.

والمنظمة حالياً تراجع أولوياتها، إذ ستعيد تنظيم نفسها من أجل تحسين قدرتها على معالجة المشاكل العالمية ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة للمزارعين، فضلاً عن مسائل مثل الآفات المهاجرة كالجراد وطيور " كويلا" الأفريقية و الجموع الغفيرة من الدود التي تتحرك بأعداد كبيرة لا تبالي بالحدود وتدمر المحاصيل التي تقع في طريقها وتحرم الملايين من المزارعين من إمداداتهم الغذائية وسبل رزقهم. فالإقتصاد العالمي يتكبد سنوياً خسائر بمليارات الدولارات بسبب أمراض النباتات والمواشي التي يمكن الوقاية من الكثير منها بكلفة منخفضة نسبياً.

وقد أظهرت الحالات الطارئة، التي غالباً ما تتكرر وبشكل متزايد ، أظهرت أهمية تنسيق الإستجابة الدولية الفعالة إزاء موجات الجفاف والفيضانات الفصلية والأعاصير وموجات المد العالي الضخم تسونامي.. فالبلدان المتأثرة تتطلع إلى دعم منظمة الأغذية والزراعة لوضع إستراتيجيات قطرية بهدف إعادة تأهيل القدرات الإنتاجية التي من شأنها أن تُعيد فرص العمل والمدخولات . وهناك أيضاً هموم خطيرة عامة بشأن الآثار الكارثية للأمراض مثل انفلونزا الطيور التي تسببت إلى الآن بوفاة 60 شخصاً وخسارة 140 مليون دجاجة.

وسوف تُعيد منظمة الأغذية والزراعة تركيزها على مسألة بناء القدرات وذلك من خلال زيادة أنشطتها في مجال التدريب وتعزيز المؤسسات. وسوف لا تعتمد فقط على المصادر التقليدية للمساعدة من دول الشمال ولكنها ستوسع أيضاً برنامجها للتعاون ما بين دول الجنوب، مع التركيز على إستغلال الكوادر الحيوية من الخبرات في المجالات التقنية والإقتصادية والإجتماعية في قطاع الزراعة والموجودة حالياً في البلدان النامية.

فالتغيير ليس أمراً سهلاً أبداً، غير أنه أمرٌ ضروري بالنسبة لمنظمة الأغذية والزراعة كي تستمر في أداء دورها ، في نطاق نظام إصلاح الأمم المتحدة، وبكلفة معقولة، لكي تضمن في النهاية تحرر الإنسانية من الجوع.


سبتمبر/أيلول 2005