إجتماع المائدة المستديرة الرفيعة المستوى عن الإصلاحات
في تجارة المنتجات الزراعية والأمن الغذائي
روما، 13 أبريل/نيسان 2005
بيان المدير العام
جاك ضيوف
المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة
السيد الرئيس،
أصحاب السعادة والمعالي،
السيدات والسادة،
يسرني أن أرحّب بكم اليوم للمشاركة في هذه المائدة المستديرة الرفيعة المستوى عن الإصلاحات في تجارة المنتجات الزراعية والأمن الغذائي التي تعقد على هامش الدورة الخامسة والستين للجنة مشكلات السلع والدورة التاسعة عشرة للجنة الزراعة.
وقد تميّزت حقبة التسعينات عامة بتحرير التجارة وبالإصلاحات الاقتصادية في مختلف أنحاء العالم تقريباً.
وفي موازاة ذلك، يبقى تأثير هذه التدابير على مكافحة انعدام الأمن الغذائي والفقر في صلب نقاش موسّع، إن في سياق المفاوضات الجارية في منظمة التجارة العالمية في إطار برنامج الدوحة للتنمية أو في سياق التحديات الملازمة لتجسيد الأهداف الإنمائية للألفية.
وتندرج المائدة المستديرة هذه في هذا الإطار وسيتناول البحث فيها ثلاثة أسئلة أساسية.
الجزء الأول: جدول أعمال المائدة المستديرة الرفيعة المستوى
هناك ثلاثة أسئلة مطروحة على مائدة البحث.
السيد الرئيس،
إنّ هذه الأسئلة هي الأهمّ بالنسبة إلى المنظمة على اعتبار أنها تشمل الجوانب الأكثر إثارة للجدل حالياً.
أولاً، هل يهدد تحرير مبادلات المنتجات الزراعية الأمن الغذائي والهدف من مكافحة الفقر في المناطق الريفية؟
ما يزال هذا السؤال مطروحاً حتى في البلدان التي خاضت عملية تحرير التجارة والتي تسعى إلى تحقيق هذا الهدف، لا سيما بواسطة آليات منظمة التجارة العالمية. ومع أنّ هناك إجماعاً كبيراً على ما يبدو حول كون تحرير المبادلات التجارية يعزز مردودية التجارة ونموها، يبدو لي أنّ النتائج الفورية التي تحققت حتى الآن ليست كافية بعد بالنسبة إلى معدمي الحال ومن يعانون من انعدام الأمن الغذائي. وتثبت التجربة أنّ ما تحقق من مكاسب وما لحق من خسائر يرتبط بسياق معيّن، شأنه في ذلك شأن توزيع الرابحين والخاسرين بين مختلف الأفراد والبلدان. ومن الناحية العملية، يبدو أنّ الوضع يعتمد إلى حد كبير على وجود عوامل مكمِّلة، وفي طليعتها مرونة العرض وتوزيع عائدات الأسر والمؤسسات والأسواق. وهذا يعني أنّ سياسات التحرير الملائمة تختلف باختلاف السياقات والأوضاع المحددة. فمن هنا أهمية تشاطر آرائنا وتجاربنا بغية تسليط الضوء على حالات النجاح والفشل وأيضاً على الأسباب التي تفسّر ما تحقق من نتائج حتى الآن.
السؤال الثاني - في أي ظروف يمكننا تبرير حماية القطاع الزراعي من أجل ضمان الأمن الغذائي مع أنّ الحمائية تتعارض مع التحرير؟ يكمن السؤال في معرفة ما إذا كان هناك من ظروف تبرر حماية القطاع الزراعي أو قطاعات فرعية أو منتجات زراعية بغية تعزيز الأمن الغذائي. فهل إنّ درجة الاكتفاء الذاتي الغذائي التي جرى بلوغها أو المحافظة عليها في بلد ما بفضل اتخاذ إجراءات للحماية التجارية تشكل مبرراً بهذا المعنى؟ وبعد، هل باستطاعة أي بلد أن يتذرّع بالفقر أو بضعف إنتاجية القطاع الزراعي لتبرير إمكانية لجوئه إلى الحماية، أقلّه بشكل مؤقت وإلى أي مدى يمكن الطلب إلى بلد ما عدم حماية الزراعة فيه إذا كان يستورد منتجات زراعية من بلدان تدعم المزارعين فيها؟
ويمكن أن نتساءل أيضاً عماّ إذا كانت الحماية تلعب دوراً مختلفاً بحسب درجة التنمية الاقتصادية أو هل بالإمكان تبرير الإعانات للزراعة استناداً إلى مختلف الأدوار التي تؤديها، بمعزل عن تأمين المواد الغذائية والأولية.
أما السؤال الثالث، فيتعلق بالسياسات الوطنية التي ينبغي تطبيقها من أجل ضمان الأمن الغذائي في مرحلة التحوّل إلى تحرير أكبر للتجارة بالمنتجات الزراعية. وحتى ولو سلّمنا بأنّ الهدف المرجوّ يكمن في تحرير مبادلات المنتجات الزراعية، قد يتضح أنّ بعض التدخلات في الأسواق المحلية أو عند الحدود ضرورية في مرحلة التحوّل. فيكون السؤال عندها ما هي تلك السياسات والتدابير. لقد أثبتت التجربة والدراسات مرّة بعد أنها تعتمد إلى حد كبير على الظروف الخاصة بكل بلد. هل هناك مثلاً مؤسسات وأسواق ليس فقط لدعم هذه العملية الانتقالية إلى اقتصاد السوق بل أيضاً للاستجابة إلى احتياجات أصحاب الحيازات الكبيرة وصغار المزارعين على حد سواء؟ ويمكن أن يتناول البحث أيضاً أهمية عائدات الرسوم الضريبية التي قد تنخفض بفعل فتح الأسواق. وبالفعل، اعتبر العديد من البلدان النامية في مرحلة أولى أن لا خيار أمامها سوى فرض ضرائب على الزراعة لكسب عائدات عامة. وأخيراً، من شأن الانضمام إلى اتفاق تجاري إقليمي أن يشكل تدبيراً مؤقتاً قبل الانتقال إلى مرحلة الاندماج الأوسع والموجهة بقدر أكبر نحو السوق العالمية.
الجزء الثاني: حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم ودور الزراعة الرائد
حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم
إلتزم مؤتمر القمة العالمي للأغذية عام 1996 بخفض عدد ناقصي الأغذية في العالم إلى النصف بحلول عام 2015. وسيجري العام المقبل استعراض نصف المدّة لما أحرز من تقدّم. وفي هذا الإطار، لا بد من التوقف عند ثلاثة استنتاجات أبرزتها حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم الصادرة عن المنظمة:
أولاً، يقدّر بنحو 852 مليون نسمة عدد ناقصي الأغذية في العالم في الفترة 2000-2002. وإنّ عدد الجياع في البلدان النامية لم ينخفض بأكثر من 9 ملايين نسمة في خلال 10 سنوات منذ 1990-1992، وهي الحقبة المرجعيّة بالنسبة إلى مؤتمر القمة العالمي للأغذية. وخلال النصف الثاني من العقد المذكور، ارتفع العدد بحدود 4 ملايين في السنة، فانخفض بالتالي بحدود الثلث الانخفاض البالغ 27 مليون نسمة في السنوات الخمس السابقة.
ثانياً، برهن عدد كبير من البلدان في مختلف الأقاليم النامية أنّ النجاح في متناول اليد. فقد نجح أكثر من 30 بلداً يمثلون عدداً إجمالياً من السكان قدره 2,2 مليار نسمة في خفض انتشار نقص الأغذية على أراضيها بنسبة 25 في المائة، وهي خطوة هامة باتجاه تحقيق هدف مؤتمر القمة.
أخيراً، إنّ كل سنة تمرّ من دون تحسّن الأوضاع تودي بحياة 5 ملايين طفل. وتقدّر بمليارات الدولارات الخسائر في الإنتاجية وفي العائدات في البلدان النامية.
وفي كل سنة تمرّ من دون إحراز أي تقدّم في مواجهة الجوع، تكلّف الوفيات والإعاقات في البلدان النامية بفعل الخسائر الناجمة عنها في الإنتاجية 500 مليار دولار أمريكي بالقيمة الحالية.
دور التنمية الزراعية الرائد على صعيد الأمن الغذائي
سجّلت البلدان الثلاثون التي هي على الطريق الصحيح باتجاه تحقيق هدف مؤتمر القمة العالمي للأغذية نمواً سنوياً بمعدل 3.2 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي الزراعي، أي نقطة مئوية أكثر من العالم النامي برمّته.
ولا عجب في ذلك على اعتبار أنّ السكان المعدومين والجياع في العالم يعيشون في معظم الحالات في المناطق الريفية في البلدان النامية ويكسبون سبل عيشهم من الزراعة. وإنّ التنمية الزراعية عامل حيوي لتكثيف مكافحة الفقر وتوفير القدر الكافي من الغذاء للسكان وإتاحة الفرصة لهم للحصول عليه. ومن هذا المنطلق، فإنّ أنجع الخيارات المتاحة لمعظم تلك البلدان من أجل تحسين الأمن الغذائي والتغذية فيها تقضي بتحفيز الإنتاجية الزراعية وبزيادة عائدات صغار المزارعين.
وإنّ "برنامج مكافحة الجوع" الذي أعدته المنظمة تحضيراً لمؤتمر القمة العالمي للأغذية: خمس سنوات بعد الانعقاد بشكل ملموس مسألة الاستثمارات اللازمة لإعطاء الزراعة مزيداً من الديناميكية والزخم. ويقترح البرنامج العمل على جبهتين: أولاً تعبئة الموارد للتنمية الزراعية والريفية لتمكين السكان الأشدّ حرماناً ومعاناة من نقص الأغذية من زيادة عائداتهم وتحسين فرص عملهم بفضل تنافسية إنتاجهم ومن ثمّ اتخاذ إجراءات للاستجابة للاحتياجات الغذائية والتغذوية الملحّة للسكان الأكثر معاناة.
ويجب أن يكون النهج المتّبع في برنامج مكافحة الجوع منطلقاً أيضاً لمختلف الإجراءات المتخذة على شتى المستويات لبلوغ الهدف الأول من الأهداف الإنمائية للألفية الرامي إلى استئصال الفقر والجوع.
وهذا النهج هو نفسه المتّبع في البرنامج الخاص للأمن الغذائي الذي أطلقته المنظمة عام 1994 وتنفّذ أنشطته في 101 بلد حيث يسعى إلى تحسين نظم الاستغلال الزراعي وإنتاجيتها بواسطة جملة عناصر متكاملة. وإنّ معظم البلدان التي بادرت إلى اعتماد هذا البرنامج انتقلت حالياً من المرحلة الرائدة إلى مرحلة التوسّع على نطاق أشمل. وقد أمكن بفضل هذا البرنامج منذ بدء العمل فيه تعبئة أكثر من 700 مليون دولار أمريكي، مصدر أكثر من نصفها البلدان النامية نفسها.
وتكمّل البرنامج الخاص للأمن الغذائي البرامج الإقليمية للأمن الغذائي التي تركّز على تنمية التجارة الإقليمية والدولية لا سيما من خلال تحسين القدرات في مجال مواصفات الجودة ومعايير صحة الحيوان والنبات. وقد ساعدت المنظمة 17 منظمة اقتصادية إقليمية في العالم على إعداد برامج خاصة بها للأمن الغذائي.
السيد الرئيس،
ها قد طرحت مجموعة أسئلة يمكن تبادل وجهات النظر والمعلومات بشأنها على ضوء التجارب المكتسبة. والتجربة بالغة الأهمية على اعتبار أن لا جواب قاطعاً على هذه الأسئلة وإن كانت تطرح نقاطاً مثيرة للجدل بعض الشيء.
ويندرج في هذا الإطار موضوع البحث في مائدتنا المستديرة التي يجب أن تضع في الحساب الوضع العام للأغذية في العالم وحتميّة مضاعفة الجهود المبذولة في سبيل تحقيق أهداف مؤتمرات القمة العالمية للأغذية وللألفية.
وفي الختام، أشكركم على حسن إصغائكم وأتمنى لكم النجاح في مداولاتكم..
بيانات المدير العام
|