أدى الإخفاق الواسع لمحصول البطاطا بسبب فطر لم يكن معروفاً آنذاك في اوروبا الى مجاعة شديدة في ايرلندا في الثلاثينيات من القرن قبل الماضي. وقد تمكن العلماء في جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية من التعرف على الجينات اللازمة لمقاومة ذلك الفطر، مما ساعد هذا الاكتشاف على إنهاء حالة المجاعة، ولكن بعد أن كان قد توفي أكثرمن مليون شخص بسبب الجوع. وتُبرز هذه القصة الأهمية القصوى التي تتمتع بها حماية التنوع الحيوي الزراعي.
لقد أسفر إختيار النباتات والحيوانات عبر آلاف السنين من قبل المزارعين عن التنوع الجيني الموجود حالياً. وهو تنوع حاسم في تحسين نوعية الأغذية وزيادة انتاجها. وعلى الرغم من أن هذا التنوع يمثل مفتاح الأمن الغذائي، الا أنه يتعرض للتدمير بشكل سريع. فلم يحظ المزارعون والمجتمعات الزراعية الذين طوّروا كل هذا التنوع الا بالقليل من الحوافز الاقتصادية للمحافظة عليه، ولم تلق مساهماتهم الكبيرة ما تستحقه من تقدير.
تولّت منظمة الأغذية والزراعة على مدى عدة سنوات قيادة مفاوضات شاقة متأنية بين الحكومات، شارك فيها كل المعنيين للتوصل الى اتفاق لحماية الموارد الوراثية النباتية واستخدامها بصورة مستدامة، بالاضافة الى المشاركة المنصفة والعادلة في الفوائد الناجمة عن استعمالها. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2001 تبنّى مؤتمر المنظمة بالاجماع الاتفاقية الدولية حول الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة.
وهي اتفاقية وصفها السيد خوزيه اسكيناس الكاثار، أمين الهيئة المعنية بالموارد الوراثية الغذائية والزراعية في منظمة الأغذية والزراعة، بأنها: '' مساهمة كبيرة قدمها المزارعون المحليون عبر الأجيال لتطوير وتوفير التنوع الحيوي. كما انها تشكل بوليصة تأمين على الحياة بالنسبة لمستقبلنا ومستقبل أطفالنا''. وأردف قائلاً: '' أن التنوع الحيوي الزراعي ميراث حيوي وهام تركته لنا الأجيال السابقة. ويقع على عاتقنا التزام اخلاقي بتمريره سالماً الى أطفالنا لكي يتمكنوا من مواجهة التغيرات البيئية غير المتوقعة والاحتياجات الانسانية المتغيرة''.
فالاتفاقية الدولية، موضوع البحث، ملزمة قانوناً وستدخل حيز التنفيذ عند المصادقة عليها من قبل أربعين دولة. وتتحمل الحكومات القطرية مسؤولية الإعتراف بحقوق المزارعين وتطوير آليات تضمن تقاسماً منصفاً وعادلاً للفوائد المتحققة من استعمال الموارد الوراثية التي طورتها المجتمعات الزراعية وعملت على حمايتها والمحافظة عليها، علماً بان الحكومات تكفل أيضا مشاركة المزارعين في عملية اتخاذ القرارات.
ويؤكد السيد إسكيناس أنه: ''يتحتم القيام بهذه الاعمال بأسرع وقت ممكن''، سيما وأن التنوع الحيوي آخذٌ في الاندثار بسرعة مخيفة بسبب عدم توفر الحوافز المناسبة للاستمرار في تطوير الاصناف النباتية المحلية وحمايتها.
وتشير الأرقام الى أنه من بين 10000 صنف من القمح كانت تستخدم في الصين عام 1949 لم يبق قيد الاستخدام منها في سبعينيات القرن الماضي الا 1000 صنف فقط. أي أن جزءاً كبيراً من هذا التنوع الحيوي الثمين قد ضاع والى الأبد.
ويسير التنوع الحيوي في مناطق الزراعة التقليدية التي تنحصر الآن في مناطق نائية، مثل مناطق الجبال العالية جنباً الى جنب مع التنوع الثقافي، حيث تقوم كل جماعة محلية بانتاج أصناف من المحاصيل التي كانت قد تكيفت مع البيئة هناك، والمحافظة عليها بتمريرها من جيل الى جيل، أي من الأم الى ابنتها ومن الجد الى حفيده.
وللدلالة على ذلك يقول كارلوس روميرو، أحد المزارعين من تجمع سكاني مستوطن صغير في جبال الأنديز: ''لقد نشأت مع جدي الذي يعود اليه الفضل في تمكّني من المحافظة على جميع هذه الانواع المختلفة من البطاطا. فنحن بحاجة اليها جميعها من أجل بقائنا: فبعضها يتمتع بمقاومة أفضل لدرجات الحرارة العالية، وبعضها يبقى صالحاً لمدة أطول، وبعضها يحتوي على عناصر غذائية أكثر والبعض الآخرلا يعدو كونه ذا طَعمٍ أفضل''.
وحالما تتم المصادقة على الاتفاقية الدولية المذكورة وتدخل حيز التنفيذ، ستحظى أعمال الحماية القيّمة التي تقوم بها التجمعات السكانية المحلية والمزارعون التقليديون أمثال السيد روميرو، بما تستحقه من تقدير ومكافأة، ومن ثم تصبح هذه الاعمال ذات قيمة ليس له فقط، بل للعالم كله ايضاً.
|