رغم الموارد الطبيعية الوفيرة، فان إفريقيا جنوب الصحراء ليست بالمكان الذي يسهل فيه أن تكون مزارعاً. فبينما تصبُّ موجات الجفاف والفيضانات والكوارث الأخرى جامَ غضبها دماراً بين الحين والآخر، يمكن للفقرِ المزمنِ والمشاكلِ الاجتماعيةِ والسياساتِ غيرِ الفعّالةِ والنـزاعِ المدني أيضاً أن تساهم في نقص الغذاء وانتشار سوء التغذية.
ولكن مرض نقص المناعة المكتسبة فرض خلال العِقد الماضي تحدّياً إضافياً على هذا الجزء من العالم، حيث يعتمد حوالي 80 بالمئة من السكان على الزراعات الصغرى في غذائهم ومعيشتهم. وفي حين يستمر المرض في قتل الملايين، ويترك عدداً لا يُحصى غيرهم من ضحايا المرض ممن لا يستطيعون لصغر سنّهم أو شدّة فقرهم أن يزرعوا ويُطعِموا أنفسَهم، فإن إفريقيا الجنوبية تعاني من نوعٍ جديدٍ ومختلفٍ من الأزمات - أزمةٍ تخلق بدوْرها فرصاً جديدة لانتشار الفيروس. هذه هي الرسالة التي يريد أن يوصلها فيلم وثائقي مدته نصف ساعة وعنوانه " نثر بذور الجوع" أعدّته منظمة الأغذية والزراعة بالاشتراك مع الصندوق التلفزيوني للبيئة.
وإذ يوضح الفيلم كيف تؤثر الأزمة مباشرةً على الملايين ممن يعيشون مع واقع المرض - ويعمل الكثيرون منهم في الزراعة أمثال بارنابوس و ميري تشابالا. ولأن مرض الأيدز غالباً ما يقع خلال السنوات الأكثر إنتاجاً من العمر - بين سنّ 15 و 49 - فإن الكثير من الحقول في إفريقيا الجنوبية يبقى غير مزروع. ونتيجةً لذلك، فان الأسر التي تشبه أسرة تشابالا لم تفقد الغذاء والمحاصيل النقدية فحسب، بل وفقدت مواردَ ثمينةً كالماشية والأدوات أيضاً. حيث تقول ميري "لقد إضطُررنا لبيع كل ما نملك لشراء الغذاء ودفع نفقاتنا الطبية".
ولسوء الحظ، فان الخدمات الصحية في هذا الجزء من العالم لا تفي باحتياجات أولئك المصابين بهذا الوباء. وفي وضعٍ كهذا، تعتبر التغذية الجيدة هي المفتاح. حيث يقول كاريل كولينـز وهو مسؤولُ تغذيةٍ تابعٌ للمنظمة ،يعمل في المنطقة وقدّم الدعمَ الفنيّ للفيلم الوثائقي، "عندما يعاني الناس سوء التغذية، فإنهم لا يملكون القوة اللازمة لتحمُّل الإصابة مما يجعل مرض نقص المناعة المكتسبة يتفاقم بسرعةٍ أكبر". ويضيف "قد لا يشفي الغذاءُ مرضَ نقص المناعة المكتسبة، لكنه يمكن أن يساعد الناس على أن يحيَوا حياةً أطول وأكثر إنتاجاً".
الغذاء قد يصبح وقاية
عندما يموت إنسان من مرض نقص المناعة المكتسبة "الأيدز"، غالباً ما تتفاقم المصاعب أمام أعضاء الأسرة الذين يخلّفهم وراءه، وخاصةً النساء والأطفال. وفي بعض المجتمعات مثلاً يمكن أن تفقد المرأةُ القدرةَ على الوصول إلى الأرض والموجودات الأخرى عند وفاة زوجها. ولأن إنتاج الغذاء غالباً ما يكون من مسؤولية الأنثى، فإن ممارسات الوراثة هذه يمكن أن تؤثر على الأسرة كلها. فقد ينزح أعضاء الأسرة بعيداً بحثاً عن الغذاء أو العمل، مما يزيد من احتمالات إصابتهم بفيروس المرض - والرجوع به معهم إلى البيت. أما الباقين فيمكن أن يكون الإتّجارُ بالجنس هو الخيار الوحيد أمامهم للبقاء على قيد الحياة.
وفي الفيلم، تقف ميرسي، إبنةُ التسعةَ عشر عاماً إلى جانب طريق خارجي مزدحم في محاولة أن تساعد في إعالة أخَوَيْها الصغيرين من خلال الدعارة. حيث تقول أنها في الليلة الجيدة تمارس الجنس مع 10 رجالٍ أو أكثر، ومقابل سعرٍ جيدٍ تقوم بذلك دون وضع احتياط واقٍ من الحمْل. وتضيف ميرسي بتَحَدٍّ "ما أحتاجه هو المال".
فالوعي بخطر مرض نقص المناعة المكتسبة يتنامى في أنحاء إفريقيا الجنوبية، ولكن - وكما توضح تعليقات ميرسي - فإن الجنسَ الآمِنْ لا يساوي شيئاً أمام معِدةٍ خاوية. حيث تقول الخبيرة مارشيلا فيلاريال، رئيس قسم السكان والتنمية لدى منظمة الأغذية والزراعة، ومركز الإتصال لدى المنظمة لقضايا مرض نقص المناعة المكتسبة: "إن الأمن الغذائي نفسُه يمكن أن يكون وسيلةً للوقاية".
وهذا ما يضع الزراعة في وضعٍ فريدٍ للمساعدة في تخفيف بعض آثار وباء مرض نقص المناعة المكتسبة. وتمثل السياسات التي تضمن حصول المرأة على الأرض والتمويل والتعليم على قدم مساواة خطوةً هامة في هذا الإتجاه. ولكن المنظمة تساعد أيضاً في تطبيق تدابيرَ أكثرَ مباشرةً إلى المنطقة، مثل العمليات التي توفر العمالة كزراعة المحاصيل التي تتطلب حراثةً أقل، والزراعة الحمائية وهي أسلوب قليل التكاليف يحول دون تدهور الأراضي من خلال استخدام كميات أقل من المياه والأسمدة.
ماذا عن المستقبل؟
ويصور الفيلم بعضَ المبادرات القائمة في المجتمعات التي إنبثقت عن الأزمة - وهي منظماتٍ مثل منظمة "كوباتسيرانا - Kubatsirana"، وهي جماعة دعمٍ تطوعية تعمل في موزامبيق على المساعدة في تقديم الرعاية المنـزلية والغذاء والتوعية بمخاطر مرض نقص المناعة المكتسبة إلى السكان الأشد عوزاً.
غير أن العدد المذهل للأطفال الذين يخلّفهم وباء مرض نقص المناعة المكتسبة أيتاماً - 11 مليون يعيشون حالياً في إفريقيا جنوب الصحراء وحدها - يدل على أن الحاجة تدعو للقيام بالكثير من العمل. حيث يتساءل ستيفين لويس، مبعوث الأمم المتحدة الخاص لمرض نقص المناعة المكتسبة في إفريقيا، عن "ماذا يمكنك أن تفعل لو لم تحْظَ بالرعاية أو الحب أو الحنان عند نموِّكَ كطفل لأن والديكَ توفيا عندما كنتَ صغيراً جداً؟". ويضيف قائلاً "بعد مًضِيِّ خمسة عشر أو عشرين عاماً، لا يعلمُ غير اللهُ آثارَ عدم الإستقرار على هؤلاء الأطفال".
ولهذا السبب، يعتقد الكثيرون أن الأزمة الحقيقية في إفريقيا الجنوبية ستحدث لاحقاً خلال مصارعة هؤلاء الأيتام ليصبحوا بالِغين. ولكن سول، إبنُ الأربعة عشر عاماً، واحدٌ من أكثر الأيتام حظاً: فمنذ وفاة والديه بسبب مرض نقص المناعة المكتسبة قبل ثلاثة أعوام، وهو يعيش مع إخوانه الثلاثة الأصغر سِنّاً في كوخ من غرفة واحدة، ويتلقى بعض المعونات الغذائية من منظمة "كوباتسيرانا". إلا أنه مثله في ذلك مثل الكثيرين من الأيتام الآخرين، قد توفي والداه قبل أن يتمكنا من نقل معارفَ أجيالٍ عن الفلاحة وأصناف المحاصيل والأدوات إلى أطفالهما. وبدون هذه المهارات، فإن سول وأخَواه وأخته عاجزين على إنتاج غذائهم - أو الحصول على الدخل اللازم لشرائه من الآخرين - ولذلك فإن توقّعات مستقبلهم تصبح أكثر إظلاماً.
صيْحةٌ لإيقاظ العالم
قد تتحمل إفريقيا الوطأةَ العظمى لأزمة مرض نقص المناعة المكتسبة الحالية - حيث تُؤوي القارة أكثر من 75 بالمئة من ما يُقدَّر بنحو 42 مليون إنسان يعيشون مع المرض - ولكن الإتّجاهات في أماكن أخرى لا تقلُّ تهديداً: حيث يتوقع أن تضمّ الهندُ على سبيل المثال ما يقرب من 25 مليون شخصٍ من حاملي فيروس نقص المناعة المكتسبة مع نهاية العِقد، في حين تتزايد معدلات الإصابة بسرعةٍ صارخة في أنحاء أخرى من آسيا، ومنطقة البحر الكاريبي وأوروبا الشرقية.
ويقول وليام د. كلي رئيس إدارة برامج التغذية لدى منظمة الأغذية والزراعة، نأمل أن يكون هذا الفيلم صَيحةً توقِظُ العالم". ويضيف "ففي حين أنّ من الضروري الإسراع بالعمل لمكافحة الأزمة في إفريقيا الجنوبية، فان بلداناً أخرى تحتاج أيضاً اتخاذ خطوات شجاعة الآن قبل أن تبلغ معدلات الإصابة لديها نِسَباً وبائية. ولا يوجد جزءٌ من العالم محصَّنٌ ضد المرض، وتدعو منظمة الأغذية والزراعة كل شخص - في قطاعات الصحة والزراعة والقطاع الاجتماعي - للعمل معاً لتخفيف آثار مرض نقص المناعة المكتسبة ووقف إنتقاله".
صدر في مايو/آيار 2003
للإتصال:
Erwin Northoff
Information Officer, FAO
erwin.northoff@fao.org
tel+390657053105
|