6 نوفمبر/تشرين الثاني - تؤثر ظاهرة التصحر على 30 في المائة من سطح الأرض، وتهدد مساحات شاسعة من الأراضي الإنتاجية في العالم. ولمعالجة هذه المشكلة الخطيرة فإن العلماء يتجهون أكثر فأكثر نحو اعتماد أسلوب الزراعة الصونية التي تشكل استراتيجية قادرة على الإسهام في كبح زحف الصحراء، وزيادة الغلات، والنهوض بالدخول، وتمكين المزارعين من اختصار فترات الإراحة.

وقد شهد المركز الاختباري والإرشادي لتقنيات الري والأراضي القائم على الساحل الأدرياتيكي في إيطاليا مؤخراً عقد دورة تدريبية بمساعدة فريق للمنظمة يقوده السيد خوزيه بنيتس خبير الزراعة الصونية ومشاركة 17 شخصاً قدموا من ثمانية من أشد البلدان جفافاً في العالم. وانضم إلى هؤلاء خبراء من المنظمة ومن معاهد في أستراليا والولايات المتحدة.

الغرض: كبح زحف الصحراء. الوسيلة: الزراعة الصونية

حماية الأرض

ترتكز الزراعة الصونية على ثلاثة مبادئ رئيسية هي: تفادي تحريك التربة قدر المستطاع واستخدام أسلوب الغرس المباشر، والحفاظ على غطاء دائم للتربة، والاختيار الحكيم لتناوب المحاصيل. ويبدأ الأمر بالزراعة ذات الحرث الضئيل أو التي يُستغنى فيها عن الحرث تماما. ويساعد ذلك على الحفاظ على المواد العضوية في التربة ويقلل من التعرية الريحية والمائية.

ويقول السيد بينيتس ''في ظل النهج التقليدية يحرث المزارعون أرضهم بغية نثر البذور، وكذلك لتهوية التربة، والسماح بنفاذ الماء، والتخلص من مخلفات المحصول السابق، وكشف وتدمير الآفات والكائنات العضوية الضارة''. ويضيف قوله ''إلا أنه عوضاً عن الحرث فإن بمقدورهم استخدام مثاقب البذور التي تخلق جيوباً صغيرة لوضع البذور وتترك مخلفات المحاصيل في مكانها. وتكفل هذه المخلفات حماية الأرض من التعرية الريحية وتيسر النشاط البيولوجي الذي يضمن تهوية الأرض أيضا''.

كما أن الامتناع عن الحرث يزيد من كمية المواد العضوية في التربة، ويمنحها قواماً نفوذاً يتيح رشح المزيد من الماء إلى جذور المحاصيل، عوضاً عن انسيابه سطحياً وجرفه للتربة الثمينة معه. وهكذا فإن الامتناع عن الحرث يكفل زيادة المحاصيل وتقليل التعرية.

وفيما يتعلق بالآفات فإن بالمستطاع مجابهتها بالاعتماد على أساليب المكافحة المتكاملة، وهي تقنية تضمن الفتك بالعضويات المؤذية عن طريق تعريضها لأعدائها الطبيعيين، مما يعني التقليل من استخدام المبيدات الكيميائية.

وهكذا تسفر الزراعة الصونية والمكافحة المتكاملة للآفات عن تعزيز المناعة إزاء التدهور البيئي، بما في ذلك التعرية الريحية والمائية. كما أنهما تؤديان إلى زيادة الغلات والدخول، وتوفير تكاليف الوقود واليد العاملة المستخدمة في الحرث، إلى جانب الحد من الفيضانات، بل وإلى انبثاق الينابيع التي جفت منذ عهد بعيد من جديد.

الفوائد في المناطق الجافة

تتسم الزراعة الصونية بالفائدة في المناطق الجافة على وجه الخصوص، حيث يشكل انخفاض معدلات الأمطار العائق الرئيسي أمام زراعة المحاصيل الغذائية، كما أنها قد تساعد المزارعين على التحول إلى طرق إنتاجية أفضل. وبفضل استخدام الزراعة الصونية تتمكن التربة من تخزين كميات أكبر من المياه التي تهطل خلال فترة الإراحة، بحيث يستطيع المزارعون النظر في أمر اعتماد دورات محصولية أشد كثافة.

وتشتمل الدورات المحصولية غير التقليدية التي تجري دراستها لاستغلال الزراعة الصونية في المناطق الجافة على الشعير، والقمح، والعدس، والحمص، وكذلك عباد الشمس، والذرة الرفيعة، والدخن، وفقاً لكميات الرطوبة المتاحة.

ويقول تيودور فريدريك خبير المنظمة ''إن الزراعة الصونية تتطلب الالتزام. إذ أن على المزارعين تغيير معدات البذر، كما أنهم بحاجة إلى مقادير أكبر من مبيدات الأعشاب والآفات للعام الأول أو العامين الأولين مع شروعهم في تطبيق المكافحة المتكاملة للآفات. وقد أعطى هذا الأسلوب أُكله حتى الآن في نحو 60 مليون هكتار في العالم، معظمها في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية. وكان بعض هذه الأراضي آخذ في التدهور بسرعة، وكان يمكن أن يغدو بغير الزراعة الصونية عديم الجدوى تقريبا''.

ولم يتم فعل الكثير في هذا الصدد في الأقاليم الجافة الهشة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وهي الأقاليم التي تمس فيها الحاجة على وجه الخصوص إلى الزراعة الصونية لمكافحة التصحر وزيادة رطوبة التربة. ولكن تطبيق هذا الأسلوب يواجه أشد الصعوبات في تلك البيئات أيضا.

تحطيم الحلقة المفرغة

يعتبر ترك مخلفات المحاصيل في الأرض عنصراً حاسماً في هذه الاستراتيجية. ولكن هذه المخلفات تُستخدم في الغالب لأغراض أخرى وعلى رأسها العلف، ولاسيما في الأقاليم الجافة حيث تشح المواد العضوية وترتفع قيمتها. وعلى سبيل المثال فإن الضأن يرعى جذامات الشعير، كما يُباع التبن كعلف تكميلي في أوقات العسر. وفي بعض الأحيان ترتفع أسعار المخلفات المحصولية حيث يمكن أن يزيد سعر تبن العدس على سعر الحبوب. بل إن المملكة العربية السعودية اضطرت إلى استيراده.

ولكن ترك بعض المخلفات المحصولية على الأقل في مكانها يمكن أن يعوض عما يستتبعه من تكاليف من خلال خفضه لوتيرة تبخر رطوبة التربة الثمينة. ويزداد هذا الأثر في الظروف المناخية الجافة بسبب بطء تحلل المخلفات. ويحفظ أسلوب الامتناع عن الحرث رطوبة التربة أيضاً، بحيث يتم إنتاج المزيد من المواد العضوية، مما يعوض ويزيد عن الخسارة الأولية للعلف أو للدخل المتأتي من بيعه.

وقد أثبت علماء المركز الاختباري والإرشادي لتقنيات الري والأراضي، بقيادة الدكتور ميكيلي بيزانتي، أن هذه المعادلة صالحة حتى في المناطق الجافة. وفي الحقيقة فإن آثارها في البيئة الجافة يمكن أن تكون هائلة، حيث أنها تؤدي إلى زيادة غلات القمح بمقدار يتراوح بين 5,0 و5,1 طن في الهكتار الواحد. كما أن بالمستطاع زراعة المحاصيل سنوياً عوضاً عن زراعتها كل سنتين في المناطق التي يقل فيها معدل هطول الأمطار عن 200 مم في السنة. وبمقدور بعض المناطق إنتاج محصول كل عامين عوضاً عن إنتاجه كل ست إلى سبع سنوات. ويمكن للزراعة الصونية أن تتيح العديد من الوسائل للتوفير في تكاليف التربة، والماء، والطاقة، واليد العاملة، ومن استهلاك المعدات.

ويقول الدكتور بينيتس ''لقد تأثر المشاركون بحلقة العمل التي كانت مبعث تشجيع لهم''. ويضيف بينيتس ''ليس هناك من معجزات، فالزراعة الصونية تتطلب العناية والجهد، ولاسيما في المناطق الجافة. ويمكن لهذه الزراعة أن تكبح الصحراء، وأن تتيح أيضاً زراعة المزيد من المحاصيل الغذائية. ولن تشهد الأوضاع تحسناً أفضل من ذلك!''.