لعل توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة الأنغولية ومتمردي حركة 'يونيتا' في 4 أبريل/نيسان بشيرٌ بإنهاء أطول حرب أهلية دائرة في القارة الأفريقية. غير أن يوم 22 مارس/آذار قد صادف الذكرى السنوية الأولى لحدث هام آخر في أنغولا هو الاعتراف القانوني بالحيازة المجتمعية للأراضي للمرة الأولى على الإطلاق.

وفي ذلك التاريخ أكد سكان بلدية ''تشيكالا'' الصغيرة والواقعة في مقاطعة ''هويلا'' الجنوبية حقهم في حيازة أراض مساحتها 4500 هكتار. ويقول باولو غروبو، خبير حيازة الأراضي لدى المنظمة، أن مساحة هذه الرقعة أو طبيعة المجتمع المحلي المعني بها ليستا مهمتين. أمّا ما هو مهم فعلاً فهو المبدأ بحد ذاته ''فعندما ينافح مجتمع محلي منفرد عن حقه في أرضه، فإنه يرسي الأساس اللازم لدولة ديمقراطية''.

كما أن ضمان حيازة الأرض يعتبر عنصراً ضرورياً من عناصر تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة. وبدون توافر هذا العنصر فإن المزارعين سيعجزون عن الحصول على القروض الائتمانية، ولن يكون لديهم حافز للقيام بتحسين الأراضي. ويقول السيد غروبو ''إن الحقوق المضمونة لا تكفل للمزارع مستقبله، غير أنها تجعله أكثر استعداداً لمواجهة ذلك المستقبل''.

وقد تؤدي آفاق السلام إلى توجيه المزيد من الاهتمام إلى قضية الأراضي. وفي منطقة تدور فيها المعارك فإن قيمة الأرض لا تساوي الكثير من الزاوية التجارية، حيث أن النصر العسكري والبقاء يتمتعان بالأولوية على حيازة الأراضي. غير أنه ما أن تفقد القضايا الأمنية أهميتها الطاغية حتى ينشأ في الغالب اندفاع هائل للحصول على الأرض.

طمر الماضي المعذب
كان مجتمع ''تشيكالا'' المحلي واحداً من عدة مجتمعات شاركت في مشروع رائد لترسيخ الأمن الغذائي في الريف، والذي أطلقته المنظمة بالتعاون مع الحكومة عام 1999. على أن الخبراء الإنمائيين لاحظوا أن هذه المجتمعات المحلية ليست مستعدة لتوظيف وقتها وطاقتها في تحسين أراض لا تملكها، وأنهم حوَّلت اهتمامها من إعداد الأراضي إلى ترسيم حدودها.

وتحف المشكلات بقضية حيازة الأراضي في أنغولا، التي كانت قبلاً مستعمرة برتغالية. ويرجع ذلك في جانب منه أنه ساد الاعتقاد عند استقلال البلاد عام 1975 أن هناك أراض شاسعة متاحة بحيث أن الحيازة لم تكن مسألة تستحق الاهتمام. ونتيجة لذلك فلم يتم وضع قوانين مخصوصة للأراضي.

وفي عام 1992 ، وعقب التحول من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق، صدر تشريع بتخصيص الأراضي التي تملكها الدولة، غير أن هذا القانون لم يمس القضايا الأساسية للحقوق العرفية. وأدى ذلك إلى فترة من الفوضى تمكن فيها بضعة أفراد أثرياء من السيطرة على موارد طبيعية واسعة.

وبالإضافة إلى ذلك فقد اندلعت بعد الاستقلال الذي جاء بشق الأنفس حرب أهلية على مدى أكثر من ربع قرن. وأدى القتال إلى موجات نزوح هائلة تدفقت على المناطق الحضرية في المقام الأول، مما ترك الكثير من الأراضي الزراعية دون عناية أو أن هذه الأراضي لم تعد ذات نفع بسبب زرع الألغام فيها. ولا تزيد نسبة الأراضي المنزرعة المستخدمة فعلاً عن 3 في المائة، في حين أن هناك نحو مليوني شخص تمس حاجتهم إلى المساعدات الإنسانية. وفي الوقت ذاته، فقد عانى الاقتصاد من التشويه بفعل الثروة الهائلة من النفط والألماس، كما أن التضخم الشديد قد أدى إلى ارتفاع أسعار الأغذية في المناطق الحضرية بصورة جامحة.

السياجات الطيبة تكفل علاقات طيبة بين الجيران
وقد أعاقت هذه العوامل تطور مفاهيم التشارك الضرورية لإقرار حقوق الأراضي وترسيم حدودها. ويقول السيد غروبو ''إن الأمر لا يتعلق فحسب بمجتمع يقول أن هذه الأرض له. فهذا المجتمع بحاجة إلى أن يوافق جيرانه على حدود تلك الأرض أيضا''.

وتفعل التوترات العتيقة، العرقية والنوعية بين الجنسين، فعلها جميعاً على المستوى المحلي، وتزيد من الجدل المحيط بالمطالبات المجتمعية. وأدت الحرب ومرض الإيدز إلى تسلم الأرامل رئاسة ملايين الأسر غير أنهما أسفرا في الوقت ذاته عن تحطيم تقاليد مساندة المجتمعات المحلية لهن. ونتيجة لذلك فإن بعض الناس يقولون بأن من الواجب تأكيد حق النساء في حيازة الأراضي الآن جنباً إلى جنب مع تأكيد الحقوق العرفية التي تترك الأرض تحت سيطرة الرجال.

غير أنه وفقاً للعديد من المراقبين فإن الأولوية ينبغي أن تكون لمسألة فتح باب النقاش بشأن حيازة الأراضي، وتأكيد حقوق المجتمعات المحلية في أراضيها، ثم التصدي بعد ذلك لقضية حق المرأة في الحيازة. ويوضح السيد غروبو الأمر، بقوله ''إن حيازة الأراضي هي معركة أخرى بالنسبة لأنغولا، ومن الواجب أن تدفع البلاد بعملية السلام هذه نحو تحقيق نصر واحد، وتأكيد حق واحد من حقوق الأرض في كل مرة''.

ترسيخ الديمقراطية
وتعتبر مسألة حيازة الأراضي قضية بالغة الحساسية بالنسبة للحكومة. وفي الوقت الراهن يعمل المسؤولون الحكوميون على وضع قانون جديد للأراضي. ويوفر مشروع للمنظمة المشورة القانونية في هذا الصدد. ويقول السيد غروبو أن تجربة ''تشيكالا'' توفر حجة قوية لإقرار القوانين العرفية جنباً إلى جنب مع القوانين الرسمية.

ويشير السيد غروبو إلى أن ''حقوق حيازة الأراضي تلقى الإقرار على أعلى المستويات في أنغولا''. ويمضي إلى القول بأن ''جهود المنظمة مع المجتمعات المحلية القاعدية وعملها لاستقطاب تأييد المسؤولين الحكوميين قد أسهم في تحقيق ذلك. والخطوة التالية هي بناء المؤسسات الديمقراطية، أي مكتب تسجيل الأراضي، والمحاكم، والأجهزة القضائية، وذلك لإنفاذ تلك الحقوق. غير أن حجر الأساس في هذه العملية قد أرسي بالفعل ألا وهو الثقة المتنامية للمجتمعات المحلية''.