هناك نحو 10 ملايين كيلومتر مربع من القارة الأفريقية موبوءة بذبابة ''تسي تسي''. وثمة جزء خصب من هذه المساحة الشاسعة تتعذر زراعته ويطلق عليه اسم الصحراء الخضراء التي لا يقربها بشر ولا حيوان. وفي حال استئصال ذبابة ''تسي تسي''، ومن ثم القضاء على مرض التريبانوزوما الذي تنقله، فإن ذلك سيتيح للريفيين الأفارقة استرداد بقاع واسعة من قارتهم وتعزيز الإنتاج الغذائي إلى حد بعيد.

وتنقل ذبابة ''تسي تسي'' اللاسعة طفيلية المثقبية القاتلة التي تهاجم دم ضحاياها وجهازهم العصبي. وتؤدي هذه الطفيلية إلى الإصابة بمرض التريبانوزوما الذي يُعرف شكله البشري باسم مرض النوم وشكله الحيواني باسم ''ناغانا''.

ويندرج مرض التريبانوزوما في عداد أشد الأمراض فتكاً في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء حيث يؤدي إلى قتل 80 في المائة من ضحاياه. وتشير التقديرات إلى أن العدد الإجمالي للمصابين به يصل إلى نحو نصف مليون شخص. ويؤدي هذا المرض إلى نفوق 3 ملايين رأس من الحيوانات سنوياً كما يسفر عن انخفاض القدرة الإنتاجية للحيوانات المصابة. ويصل عدد الحيوانات التي تعاني من مرض ''ناغانا'' إلى قرابة 50 مليون حيوان، بينما يهدد مرض النوم زهاء 60 مليون إنسان، جُلّهم في المناطق الريفية.

سبب جذري من أسباب الفقر

ومن بين البلدان السبعة والثلاثين المنكوبة بذبابة ''تسي تسي'' فإن هناك اثنين وثلاثين منها تنخرط في عداد أشد البلدان فقراً في العالم. وبالإضافة إلى الأعباء الاقتصادية التي تواجهها هذه البلدان فإنها تفقد ما يتراوح بين 600 مليون و2ر1 مليار دولار كل عام في الجهود المبذولة لمكافحة المرض وكخسائر مباشرة في إنتاج اللحوم والألبان.

ويقول السيد يورغي هندركس، خبير المنظمة في ميدان مكافحة الحشرات والآفات، ''إن ذبابة ''تسي تسي'' هي حشرة تنشر الفقر، فهي تحول دون إفلات السكان من فخ الفقر بمنعهم من إنتاج ما يكفي من غذاء للبقاء على قيد الحياة''. وفي الحقيقة فإن ذبابة ''تسي تسي'' ومرض التريبانوزوما هما العائقان الرئيسيان أمام استحداث نظم زراعية مستدامة في الإقليم، مما يلحق الضرر بأشد الفقراء حرماناً ألا وهم الريفيون في البلدان المثقلة بالديون في أفريقيا.

وتضم المناطق الخالية من ذبابة ''تسي تسي'' ، مثل المرتفعات أو منطقة الساحل شبه القاحلة، نحو 155 مليون رأس من الأبقار من أصل 165 مليوناً في أفريقيا جنوب الصحراء، مما يؤدي إلى نشوء ظواهر الرعي الجائر أو الاستخدام المفرط للأرض لإنتاج الأغذية.

ولذلك فإن تحطيم حلقة الفقر يتطلب، في عداد ما يتطلب، تدابير لمكافحة التريبانوزوما وفقاً لما يؤكده السيد هندريكس الذي يقول ''إن التصدي لهذه المشكلة الأفريقية الهامة يعتبر شرطاً أساسياً من الشروط اللازمة لتحقيق هدف مؤتمر القمة العالمي للأغذية المتمثل في خفض عدد الجياع بمقدار النصف بحلول عام2015 ''.

وغالباً ما تلقى مشكلات ذبابة ''تسي تسي'' والتريبانوزوما الإهمال لأن ضحاياها، وهم الريفيون الأفارقة عاجزون عن إسماع صوتهم في المحافل الدولية كما يشير السيد هندريكس. غير أن ذلك آخذ بالتحول. ففي أكتوبر/تشرين الأول عام2001 ، وبناء على طلب رؤساء الدول الأفريقية، فقد أطلقت منظمة الوحدة الأفريقية حملة لاستئصال ذبابة ''تسي تسي'' ومرض التريبانوزوما في عموم أفريقيا. ووافقت منظمة الأغذية والزراعة، ومنظمة الصحة العالمية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية على تقديم المساندة النشطة لهذه الحملة. وستشرع السلطات الوطنية، بالتعاون مع الحملة المذكورة، في إقامة مناطق خالية من ذبابة ''تسي تسي'' في ثلاث جهات في أفريقيا جنوب الصحراء وهي حزام القطن في أفريقيا الغربية، ووادي الصدع الجنوبي في أثيوبيا، وبوتسوانا.

كبح انتشار ذبابة ''تسي تسي'' بالاعتماد على الحشرات العقيمة

ومن بين الطرق التي أثبتت نجاحها في مكافحة ذبابة ''تسي تسي'' تقنية الحشرات العقيمة. وفي ظل هذه التقنية يتم تعقيم ذكور ذبابة ''تسي تسي'' عبر استخدام الإشعاع ثم تُطلق في المناطق الموبوءة حيث تتزاوج. غير أنه على الرغم من أن الذكور تطلق حيوانات منوية أثناء عملية التزاوج فإن ذلك لا يؤدي إلى إخصاب بيوض الإناث البرية. ومع الإطلاق المستمر للذكور العقيمة فإن معدلات التكاثر في صفوف العشائر بأسرها تبدأ بالانخفاض بسرعة مما يؤدي إلى انقراض الحشرة. وقد نجح هذا الأسلوب، بالترافق مع الطرق التقليدية مثل الأفخاخ والمبيدات الحشرية، في تطهير جزيرة زنجبار التنزانية من ذبابة ''تسي تسي عام1997''.

ووفقاً لما يقوله السيد هندريكس فإن هذه الجهود الساعية إلى القضاء على ذبابة ''تسي تسي'' لا تخلِّف أي آثار مداومة على النظام الإيكولوجي. ويوضح هندريكس أن ''نقل الطفيليات لا يمكن أن يستمر دون عامل التسي التسي''.

ويشير رافايلي ماتيولي، خبير صحة الحيوان لدى المنظمة إلى أن وجود ذبابة ''تسي تسي'' وما تنقله من أمراض يؤثر على اختيار الناس لمواقع سكناهم، وطرق إدارتهم للثروة الحيوانية، ومدى كثافة الزراعة المحصولية. وتؤدي الآثار المتضافرة لذلك إلى تحولات في استخدام الأراضي وفي استغلال الموارد الطبيعية والبيئة، كما تضر بالرخاء البشري، وتزيد من هشاشة الأنشطة الزراعية. ومن الواجب مراعاة جميع هذه العوامل عند تصميم استراتيجيات مكافحة ذبابة ''تسي تسي'' ، بما في ذلك برامج الاستئصال، بغية تحقيق التنمية الزراعية المستدامة. وتشمل استراتيجية المنظمة لمكافحة ذبابة ''تسي تسي'' ومرض التريبانوزوما العناية بأمر الأوضاع المعيشية البشرية، والحد من الفقر، وإرساء الأمن الغذائي، والنهوض بخدمات الصحة العامة.

تحقيق العائد الأمثل من التكاليف

وفي ظاهر الأمر فإن النهج المتكامل، أي تطبيق تقنية الحشرات العقيمة إلى جانب الطرق الأخرى، هو نهج مكلف بالنظر إلى تفشي الفقر في أفريقيا جنوب الصحراء، واتساع رقعة المناطق التي ستشملها الحملة في نهاية المطاف، والحاجة بالتالي إلى أعداد ضخمة من الذكور العقيمة.

ويعلق السيد هندريكس على ذلك بقوله ''إن المسألة ليست حجم التكاليف التي يتطلبها هذا النهج المتكامل لمكافحة ذبابة ''تسي تسي'' ، بل حجم التكاليف الناجمة عن الإحجام عن المكافحة''. وبالفعل فإن تكاليف إهمال مكافحة هذه الحشرة باهظة للغاية. كما أن طرق المكافحة التقليدية تتطلب تكرارها بانتظام علماً بأنها عاجزة عن الاستئصال التام لتلك الآفة بأسلوب لا يُضر بالبيئة.

وبالمقارنة مع الطرق التقليدية فإن تقنية الحشرات العقيمة تتميز بأنها فعالة للغاية في ظروف العشائر الصغيرة في القضاء على آخر الذبابات المتبقية. وعندما يتعلق الأمر بمناطق واسعة ذات عشائر ضخمة فإن النهج المتكامل هو الأكثر اتساماً بالكفاءة التكاليفية بفضل وفور الحجم المتحققة. وتتطلب حزمة تقنية الحشرات العقيمة (إطلاق الذكور العقيمة مرة في الأسبوع على مدى 18 شهرا) استثمارات مماثلة لتكاليف تطبيق الطرق التقليدية على مدى سنتين إلى ثماني سنوات.

على أن من الواجب تحديد المناطق المستهدفة المناسبة قبل البدء بأي عملية واسعة لاستئصال الذبابة لضمان الكفاءة التكاليفية والاستدامة. وينبغي عدم إعطاء أولوية متقدمة إلى الأقاليم الموبوءة التي لا تصلح للزراعة أو تربية الأبقار. وتروج منظمة الأغذية والزراعة للعمل في مناطق مختارة حيث تعيق الآفة إرساء النظم الزراعية المختلطة التي تشتمل على تربية الأبقار وإنتاج الأغذية، وحيث تتوافر الإمكانيات للنهوض بالقدرة الإنتاجية الزراعية. وعلى غرار الطرق الأخرى فإن الواجب استخدام تقنية الحشرات العقيمة بطريقة تحقق الأثر الأمثل وتقلل من التكاليف إلى أقصى حد.

وبغية ضمان نجاح حملات إنشاء مناطق خالية من ذبابة ''تسي تسي'' فإن من الواجب أن تشارك فيها المجتمعات المحلية، والحكومات، والقطاع الخاص طبقاً لما يؤكده السيد هندريكس. وبدون الالتزام المتين والمساندة المالية المتواصلة على مدى عقود فإن المبادرات الإقليمية مثل حملة استئصال ذبابة ''تسي تسي'' ومرض التريبانوزوما في عموم أفريقيا لن يكتب لها النجاح.