في يوم كالح وكئيب من أيام صيف عام 2001 وقفت مجموعة من الرجال بالقرب من سد على نهر'' آندهي خولا'' في نيبال. ولم تكن هذه المجموعة قد وصلت إلى هناك للتمتع بالمناظر الطبيعية التي حجبها الهطول المتواصل للأمطار الموسمية. وعوضاً عن ذلك أخذ أفراد المجموعة يحدقون في صف من الأحواض الإسمنتية الصغيرة التي غطت ضفة النهر. وكانت هذه الأحواض مملوءة جزئياً بالماء، في حين تموضع كل منها في موقع أعلى من الحوض السابق له.

وضمت المجموعة اثنين من خبراء المصايد الداخلية في المنظمة بصحبة زميل نيبالي من هيئة مصايد الأسماك الداخلية في كاتامندو. وكانت المجموعة تنظر إلى سلم سمكي، أي سلسة من الدرجات التي تستطيع الأسماك 'تسلقها' (بل القفز من فوقها في الواقع) فوق مستوى السد.

ويقول فليكس مارتن، أحد خبيري المنظمة اللذين كانا ضمن المجموعة في ذلك اليوم، ''إن الناس قد يحتاجون إلى إمدادات الطاقة الكهربائية والمياه التي توفرها السدود، لكنهم بحاجة أيضاً إلى الأسماك كطعام لهم''. ويضيف مارتن ''وما لم تكن الأسماك من الأبطال الأولمبيين في ميدان القفز بالزانة فإن السدود ستحول بينها وبين الصعود إلى أعالي الأنهار للتفريخ''. ويضم إقليم ''الهمالايا كوش'' الهندي أكثر من 140 مليون نسمة، ويمكن أن تعاني المناطق الجبلية فيه من شح المواد البروتينية. وبمقدور الأسماك، مثل سمك المهسير الذي يقدره هواة صيد الأسماك حق التقدير، الإسهام في النهوض بالوجبات الغذائية للمجتمعات المحلية الريفية سواء في الجبال أو في السهول في أسفل الأنهار.

ويضيف الخبير مارتن ''إن بمقدور ممرات أو سلالم الأسماك أن تساعد على حل مشكلة مسالك الهجرة المسدودة. غير أن من الواجب تصميم مثل هذه التدابير بعناية''. ويمضي إلى القول: ''إن سلم الأسماك المقام على نهر 'أندهي خولا' يتطلب من الأسماك القفز بعلو نصف متر، وهو ارتفاع مفرط بالنسبة إليها. ولقد حدثت قصص مشابهة لذلك في السدود الأخرى''.

ولا تقتصر هذه المشكلة على نيبال التي بذلت في الواقع جهوداً أكبر مما بذلته العديد من البلدان في مجال تحقيق التكامل بين المصايد الداخلية والسدود. كما أن هذه المسألة ليست المسألة الهامة الوحيدة فيما يتصل بالمصايد الجبلية.

وهكذا فقد عقدت منظمة الأغذية والزراعة، وحكومة نيبال، والاتحاد الدولي لصون الطبيعة، وشبكة مراكز تربية الأحياء المائية في آسيا والمحيط الهادي، والصندوق العالمي للطبيعة، وهيئات أخرى ندوة بشأن أسماك المياه الباردة في إقليم ما وراء الهمالايا في كاتامندو. وحضر هذه الندوة 70 مشاركاً من 10 بلدان في الإقليم ومن بلدان خارجه وذلك لتحديد التدابير اللازم اتخاذها.

سمك المهسير الخارق

وثمة تنوع شديد في أنواع الأسماك في الإقليم. وتضم نيبال 156 نوعاً محلياً منها، بالمقارنة مع 218 نوعاً في منطقة الهمالايا في الهند، و41 نوعاً في بهوتان. وتنتمي هذه الأسماك إلى عدة أسر مختلفة، بما في ذلك التروتة الثلجية (والتي لا تعتبر تروتة حقيقية) والتروتة البنية (التي أُدخلت في القرن الماضي وهناك أعداد كثيرة منها الآن في أجزاء من الإقليم).

ومن بين أهم الأسماك المحلية سمك المهسير الذي ينتمي إلى أسرة الشبوط. ويتميز هذا السمك بتنوع صفاته، فهو قادر على العيش في مناطق يقارب ارتفاعها سطح البحر إلى مناطق يصل فيها هذا الارتفاع إلى 2000 متر. وفي عام 1987 جرى تجديد مخزون نهر الميكونغ في جنوب شرق آسيا من سمك المهسير الهندي لتوفير الغذاء للمجتمعات المحلية. ووجد هذا النوع من الأسماك إضافة إلى أنواع أخرى من أسماك الهملايا، مثل التروتة الثلجية، طريقه أيضاً إلى بابوا غينيا الجديدة. وبمقدور عمليات تجديد المخزونات، إن جرت بعناية، أن توفر مصدراً قيماً جديداً من مصادر البروتين للمجتمعات المحلية الجبلية الجائعة داخل الإقليم وخارجه. ويعتبر ذلك سبباً طيباً للحفاظ على تنوع الأنواع السمكية، غير أن المنظمة توصي باتباع الحرص الشديد عند إدخال أنواع غريبة من الأسماك.

وتواجه الأسماك أخطاراً أخرى غير السدود. فالملوحة الناجمة عن إزالة الغابات وتعرية التربة تضر ببعض أنواع الأسماك، بما في ذلك سمك المهسير، وهو ما تتسبب به أيضاً المواد الملوِّثة الكيميائية. كما أن بعض طرق ''الصيد'' تتسم بالوحشية، حيث يقتل الصيادون الأسماك باستخدام الديناميت، بينما يقوم آخرون بالتقاط الأسماك البيوضة باستخدام الرماح والعصي عند محاولتها الشاقة الصعود إلى أعالي الأنهار لوضع بيوضها.

هل يتسم صيد الأسماك في المناطق الجبلية بالاستدامة؟

عمل الخبير مارتن لبعض الوقت في السهول الفيضية في بنغلاديش، ويستذكر هذه التجربة بقوله ''لم يكن هناك من صياد متفرغ واحد، لكن الجميع كانوا يصيدون الأسماك. ولهذا فلقد كان من الصعب تحديد مدى كثافة استغلال المصايد، وهو ما ينطبق أيضاً على الأنهار الجبلية''.

ويشير مارتن إلى أن من الأيسر رصد البحيرات، حيث أن الصيادين في بحيرة فيوا النيبالية مثلاً يُمنحون رخصاً للصيد إذا ما كانوا أعضاء في رابطة من الرابطات المعنية. ويسهم هؤلاء الصيادون في أنشطة تجديد المخزونات، وهو ما يقوم به أيضاً الرهبان البوذيون. على أن الحاجة تدعو هنا كذلك إلى تقدير المخزونات بحرص شديد.

من أجل المستقبل

ويقول الخبير مارتن ''من الواضح أن المصايد الجبلية تحتاج إلى حلول متكاملة''. ويمضي قائلاً ''إننا نحتاج إلى جهود علمية واقتصادية واجتماعية معا. ومن الواجب الموازنة بين الصون وبين الاحتياجات القائمة مثل الحاجة إلى التغذية وإلى الطاقة المائية''. ويشير مارتن إلى أن ''اجتماع كاتامندو كان الخطوة الأولى على طريق العثور على تلك الحلول''.

ومن بين التدابير التي دعت إليها الندوة ما يلي:

* النهوض بمستوى المعلومات المتاحة عن المخزونات السمكية واستغلالها؛
* تقدير الخطوات التي جرى اتخاذها بالفعل لإدارة المصايد والتوفيق بين احتياجاتها واحتياجات المنتفعين بالمياه؛
* دراسة دور المصايد في الإقليم والسبل المتاحة لمساهمتها بدرجة أكبر في التخفيف من وطأة الفقر؛
* ترويج الملكية والإدارة المحلية للموارد السمكية، بحيث يتيسر تطبيق مواسم الصيد المقيَّدة وحماية مواقع التفريخ؛
* التماس موارد رزق بديلة لسكان الريف إذا ما كانت بعض المصايد قد وصلت بالفعل، وهو ما يبدو على الأرجح، إلى مرحلة الاستغلال الكامل.

ويؤكد الخبير مارتن أن من الواجب ''عدم إهمال أي تدبير''. ويضيف ''إن الممرات السمكية ليست إلا قطعة واحدة من قطع أحجية مصورة. غير أن حل هذه الأحجية لن يكتمل إذا ما كانت هناك قطعة واحدة ناقصة فحسب''.