ناوتي، ناميبيا 6 أغسطس /آب 2002 - يعتبر إدخال محصول تجاري جديد إلى بلد من البلدان مغامرة محفوفة بالمخاطر.

فهل الظروف المناخية والزراعية مناسبة؟ وهل تتوافر المدخلات الضرورية، مثل مواد الغرس والأسمدة، بأسعار مقبولة؟ وهل هناك من سوق للمحصول الجديد؟ وهل يستطيع المزارعون الحصول على مشورة تقنية جيدة؟

إن المنظر المهيب لنحو 10000 شجرة من أشجار النخيل المروية بالتنقيط والمترعرعة في التربة الرملية لمزرعة حكومية في جنوب ناميبيا يبرهن على أن البلاد في طريقها إلى إتقان فن زراعة ثمرة شائعة في الطرف الشمالي من القارة لا في جنوبها.

ورغم أن طول الأشجار لا يتجاوز بضعة أمتار فإنها مثقلة بالثمار البرتقالية، والصفراء، والبنية القاتمة. ويشارك خمسة وعشرون مزارعاً ناميبياً في حلقة عمل في المزرعة يديرها موظفون حكوميون بمساعدة خبراء المنظمة عن تأبير النخل، وجني التمور وتعبئتها. وفي هذا العام تولت وحدة التعبئة الجديدة، المجهزة بغرف التخزين المبرد وبموائد الفرز الفولاذية، مناولة 25 طناً من التمور الممتازة التي شُحنت إلى فرنسا والمملكة المتحدة.

حلم رئاسي

كان سام نجوما أول رئيس لناميبيا يحلم عند استقلال البلاد عام 1990 بأن تغدو بلاده مركز إنتاج التمور في إقليم أفريقيا الجنوبية. وقد قامت الحكومة بتوظيف استثمارات من مواردها الذاتية في البرنامج ودعت المنظمة إلى توفير المساعدة التقنية لإنتاج المحصول الجديد.

ويقول هيلموت أنغولا وزير الزراعة، والمياه، والتنمية الريفية ''لقد التمسنا المشورة في مواقع مختلفة وقيل لنا أن بمقدور منظمة الأغذية والزراعة أن توفر لنا طائفة واسعة من الخبرات''. ويمضي أنغولا قائلاً ''إننا نريد أن نكون مركز تقانة التمور في أفريقيا الجنوبية. ولكي نترك أثراً في السوق العالمية، فإننا بحاجة إلى أن تبدأ البلدان المجاورة بزراعة نخيل التمور لأغراض التصدير، بحيث يذيع صيت الإقليم الفرعي كمنتج لهذه الثمار''.

وقد ثبت أن ناميبيا موقع ملائم لزراعة نخيل التمور.وكان هذا البلد شبه الصحراوي، الذي لا يزيد عدد سكانه عن 7ر1 مليون نسمة، يضم بعض أشجار النخيل البرية التي خلفتها وراءها القوات الألمانية. وتوافرت للبلاد شبكة جيدة للطرق ومن ثم فقد كان بالمستطاع شحن التمور بكفاءة إلى المطارات لتنطلق من هناك إلى الأسواق البعيدة. ولم تكن هناك آفات وأمراض خطيرة تصيب النخيل. وكان القطاع الزراعي التجاري الموجه نحو التصدير حافلاً بالفرص الجديدة ومستعداً لتقبل الطرق المبتكرة للعمل. ويتمتع النصف الجنوبي من الكرة الأرضية بميزة طبيعية تتيح له بيع المنتجات الطازجة إلى النصف الشمالي في غير أوقاتها الموسمية المعتادة هناك.

القطاع الزراعي تواق إلى الأفكار الجديدة

ويقول الدكتور عبد الوهاب زيد كبير المستشارين التقنيين للمنظمة ''إن ناميبيا ما تزال أرضاً بكراً''. ويضيف هذا الأستاذ الجامعي المغربي الذي أشرف على برنامج التمور بين عامي 1995 و2000 : ''إنهم راغبون في التعلم من نقطة الصفر. أما في البلدان التقليدية المنتجة للتمور فإنهم يجابهون محاولاتك لتعليمهم طرقاً جديدة بالقول أن طرقهم الخاصة تُستخدم منذ عهد لم تكن فيه أنت قد ولدت بعد''.

ويشرح الدكتور عبد الله وهابي مستشار المنظمة الحالي للمشروع خطة البرنامج الرئيسية مشيراً إلى أن المزارع الحكومية تضطلع بتمهيد الطريق عبر البحوث والزراعة الاختبارية، ثم ينضم المزارعون التجاريون إلى المسيرة حينما يرون أن بمقدورهم استخلاص عوائد معقولة من استثماراتهم، ويجيء بعد هذا المزارعون الفقراء الذين يشرعون في زراعة عدد صغير من أشجار النخيل بعد تحققهم من نجاح المزارعين التجاريين. وهكذا فإن من المنتظر أن يتسع القطاع لا على المستوى الوطني فحسب بل وعلى امتداد أفريقيا الجنوبية أيضا.

ويقول بيتر ديفيت مدير المشروع الوطني ''قبل خمس سنوات لم يكن عدد المزارعين المهتمين بتجربة المحصول الجديد يزيد على خمسة، أما الآن فقد وصل هذا العدد إلى خمسين''. ويضيف ديفيت الذي يعمل في مؤسسة التنمية الناميبية التي تتولى القيام بالمهام الإنمائية في البلاد بدعم حكومي غير مباشر ''إن الأمور على خير ما يرام، ونحن نعتزم الآن توزيع 500 من غراس نخيل التمور على مزارعي الأراضي المشاع سنويا. إنني أتلقى فيضاً من الطلبات من هؤلاء المزارعين للحصول على الغراس. ولقد عقدنا بالفعل دورة لإثني عشر مرشداً زراعياً من أبناء مناطق الأراضي المشاع لتدريبهم على زراعة النخيل''.

والآن المرحلة الأصعب - الحد من الفقر

تندرج الغالبية العظمى من المزارعين الناميبيين في عداد الفقراء، ولا بد لهؤلاء من العمل خارج القطاع الزراعي لتغطية احتياجاتهم. وتأمل الحكومة في أن تكون زراعة نخيل التمور خطوة نحو النهوض بالفرص المتاحة لأولئك المزارعين لزيادة دخولهم وتحسين مستوياتهم التغذوية. وتواصل المنظمة مساندة برنامج إنتاج التمور خلال المرحلة الخمسية الثانية التي ستستمر حتى عام 2006 والمتركزة على مساعدة المزارعين الفقراء.
وفي منطقة أوتجمبنغوي شمال غرب العاصمة ويندهوك أقيمت رقعة للبيانات العملية في الأراضي الحكومية تضم 100 شجرة نخيل. ويقول زيديكياس تساماسيب خبير الإرشاد الحكومي ''إننا نريد أن يبدأ الناس بإنشاء حدائق منزلية لإنتاج الطماطم، والسبانخ، والتمر، بحيث يأكلون بعضها ويبيعون البعض الآخر بما يلبي متطلباتهم''.

غير أن تكلفة مواد الغرس باهظة بالنسبة لصغار المزارعين حيث أن سعر الغرسة الواحدة التي ينتجها مختبر خاص لزراعة الأنسجة في ويندهوك يصل إلى نحو 20 دولارا. وقد وفر صندوق حملة تليفود في المنظمة المساعدة لبعض المناطق لشراء الغراس. ولولا توافر هذه المساعدة لكان على المزارعين الانتظار إلى أن تستخلص المزارع الحكومية غراساً من الأشجار المزروعة فيها.

وثمة برنامج توطين تنفذه الحكومة لمساعدة المزارعين الناميبيين المعدمين، وهو يشتمل على توفير المسكن، والتدريب، بالإضافة إلى رقاع من الأرض بمساحة أربعة هكتارات يتولى المزارعون المبتدئون زراعتها بأشجار النخيل، والكرمة، والخضر. وحتى هذا التاريخ وصل عدد الأسر التي استقرت في مشروع ري نهر أورانج في جنوب ناميبيا إلى 12 أسرة.

ويقول جاكسون ماتوكو البالغ من العمر 30 عاما، ''لقد كنت أعمل سابقاً كحارس ولكني كنت عاجزاً عن تحسين أوضاعي المعيشية''. ويضيف ماتوكو الذي وصل قبل شهر فحسب ليبدأ العمل كمزارع ''إنني أحب هذا العمل، ولو أنني لا أحصل منه على دخل كاف بعد. كما أن النقل يمثل مشكلة. على أني آمل بأن تكون الأحوال أفضل في العام المقبل''.