روما ، إيطاليا - أنه يوم عذب من أيام أواخر الخريف في سواكوبمند في ناميبيا. ويتحلق ثمانية من العلماء الشباب الناميبيين حول حاسوب يعرض صورة لخط ساحلي. وتبين الرقع الواسعة المظللة بالأخضر أو الأحمر مدى استغلال أنواع معينة من الأسماك.

وبعد شهر من ذلك يظهر الحاسوب في جينجا في أوغندا ويتجمع حوله 20 من العلماء الأوغنديين والتنزانيين. وفي هذا الوقت فإن المشهد الذي يعرضه الحاسوب يتعلق ببحيرة فيكتوريا القريبة، أما الرقع المظللة فتبيِّن الكثافة العالية لنوع دخيل من الأسماك. وقد استُخلص كلا المشهدين المتصلين بالساحل الناميبي وببحيرة فيكتوريا من البيانات التي جُمعت قبلاً عن مصايد الأسماك في الموقعين المذكورين ومن مدخلات نظام للمعلومات الجغرافية. ويشارك العلماء في دورة يديرها موظفو وحدة المصايد الداخلية في المنظمة حول استخدام نُظم المعلومات الجغرافية في إدارة المصايد وتخطيطها.

وعلى المستوى العالمي فإن مصايد الأسماك الطبيعية الداخلية تسهم بنسبة 15 في المائة من إنتاج المصايد العالمي، حيث بلغ حجم مصيدها عام 1999 نحو 2ر8 مليون طن علماً بأن أكثر من 90 في المائة من هذا المقدار جاء من البلدان النامية. على أن من الصعب الحصول على بيانات دقيقة مما يعيق الإدارة الفعالة للمصايد. وبالفعل فقد قامت هيئة نهر الميكونغ، بعد مسوح محلية، بتعديل الأرقام المتصلة بإنتاج حوض الميكونغ بصورة غير رسمية من 300000 طن إلى 2ر1 مليون طن بعد إدراج عمليات الصيد الصغيرة والأسرية.

ويمكن لنظام المعلومات الجغرافية أن ينهض بشكل كبير بإدارة البيانات واستخدامها. ويشمل مصطلح ''نظام المعلومات الجغرافية'' أي تركيب يشتمل على حواسيب، وبرامج حاسوبية، وبيانات، وموظفين، ويرمي إلى تحليل المعلومات، وعرضها، والإبلاغ عنها. ويستخدم هذا النظام المعلومات ذات ''المرجعية الجغرافية''، أي المجموعة من موقع معروف، بحيث يمكن مقارنتها مع الأنواع الأخرى من البيانات المستخلصة من نقطة معينة. وهكذا فإن الباحثين يستطيعون دراسة المخزونات السمكية جنباً إلى جنب مع مستويات الصيد، والتلوث، ودرجة حرارة المياه، والعوامل الأخرى، ويتمكنون على وجه السرعة من معرفة طبيعة الروابط القائمة بينها. ويمكن استخدام البرامج الحاسوبية الخاصة بذلك في حاسوب مكتبي عادي.

وقد تم عقد الدورات التدريبية في مواقع مختارة بعناية. فتنزانيا وأوغندا تندرجان في عداد البلدان العشرة الأولى في العالم من حيث إنتاج المصايد الداخلية الطبيعية، وهو ما يرجع أساساً إلى بحيرة فيكتوريا التي تسيطران على نسبة 49 و45 في المائة منها على التوالي (يبلغ نصيب كينيا 6 في المائة). وفي ناميبيا، وعلى الرغم من صورة البلاد القاحلة، فإن مصايد الكفاف الداخلية توفر الرزق لنحو 10 في المائة من السكان، ويتمركز الجانب الأعظم من هذا النشاط على طول نهر أوكافانغو.

وهدفت الدورات التدريبية إلى تعليم المشاركين استخدام نظام المعلومات الجغرافية بسهولة تضاهي استخدامهم للصحائف المجدولة أو لجهاز معالجة النصوص. كما أن هذه الدورات حققت ما يلي:

* أظهرت الإمكانيات الواسعة التي يوفرها نظام المعلومات الجغرافية في ميدان إدارة المصايد
* أوضحت القدرة العالية لنظام المعلومات الجغرافية على مساعدة البلدان على تطبيق مدونة المنظمة للصيد الرشيد التي تسعى إلى ضمان الصيد المستدام
* ساعدت في الاختبار الميداني لكتيب جديد عن استخدام نظام المعلومات الجغرافية أعده اثنان من علماء المنظمة وزميل لهما من مؤسسة نيفيسكو في هولندا.

ويقول خوسيه أغويلار-مانخاريز خبير المنظمة وأحد المؤلفين الثلاثة للكتيب المذكور (إلى جانب فيلكس مارتان، الذي أسهم في إدارة الدورات، وغيرتيان ديغراف من مؤسسة نيفيسكو) ''إن بمقدور كل المشاركين المتمتعين بخبرة حاسوبية تزيد على خمس سنوات استخدام الكتيب بمساعدة ضئيلة فحسب. على أن المدرِّب يمكن أن يوفر دعماً وإرشاداً قيمين، وهو ما أردنا بالضبط التعرف عليه من هذه التجربة''.

ما هي طبيعة المساعدة التي يقدمها نظام المعلومات الجغرافية؟

يقول السيد أغويلار-مانخاريز ''إذا ما كان حجم المصيد آخذ بالتضاؤل وساورنا الشك في أن التلوث هو السبب، فإن بمقدورنا أن نعرض مجموعات البيانات المتصلة بالمصيد والتلوث جنباً إلى جنب على الشاشة. وإذا ما كان هناك من ترابط واضح بين هذه المجموعات، أو إذا انعدم مثل هذا الترابط، فإننا نكون قد تحققنا من صحة أو خطأ افتراضنا''. ويضيف أغويلار-مانخاريز قوله ''على أن نظام المعلومات الجغرافية أكثر فائدة حتى من ذلك بالنسبة لعلاقات الترابط الجزئية لأننا نستطيع على الفور أن ندرج عوامل أخرى ونبحث عن سبب أشد خفاء''.

كما أن بمقدور نظام المعلومات الجغرافية أن ينهض باستخدام الموارد الشحيحة. وعلى سبيل المثال فإن ناميبيا تمتلك خطاً ساحلياً بالغ الطول (1700 كم) وقاربين اثنين وطائرة واحدة فقط لرصد أسطول الصيد. غير أن على هذا الأسطول الإبلاغ عن وقت ومكان ما استخلصه من حصائل عند الإنزال. ويمكن تحميل هذه المعلومات باستخدام نظام للمعلومات الجغرافية وربطها ببيانات الطقس وغير ذلك من بيانات بحيث يمكن في العام التالي التنبؤ بموقع الأسطول، مما يعني اختصار الوقت الذي تنفقه وحدات الرصد في البحث عن الأسطول.

تفكير خلاق وأفراس نهر مخفية

جلب المشاركون في الدورات بياناتهم الخاصة، كما وأسهموا ببعض الأفكار الخلاقة حول سبل استخدام نظام المعلومات الجغرافية لها. واقترح عالم أوغندي ربط بيانات النضج الجنسي للأسماك بالمعلومات الخاصة بالموائل، وضغط الصيد، والعوامل الاقتصادية- الاجتماعية. ويمكن أن يكشف ذلك الأسباب التي تتيح أو تمنع الأسماك من بلوغ مرحلة التكاثر. ودعا المشاركون الآخرون في جينجا إلى إدراج البيانات المتصلة بنبات الياقوتية المائية، وهو آفة دخيلة تستهلك الأوكسجين وتخفي أفراس الماء مما يعرض الصيادين للخطر، في نظام المعلومات الجغرافية. ومن بين الاستخدامات الأخرى المقترحة رسم خرائط العلاقة القائمة بين سمك الفرخ النيلي الدخيل والأنواع المحلية.

وتدرس المنظمة الآن الكيفية التي يمكن بها لدورات نظام المعلومات الجغرافية أن تسهم فيما تقدمه من مساندة لإدارة المصايد، وذلك مثلاً عبر تقديم العون للبلدان لتنفيذ مدونة الصيد الرشيد. وبالمستطاع توفير المساعدة التقنية على استخدام نظام المعلومات الجغرافية، وبمقدور الباحثين تبادل البيانات شبكيا.

ويقول السيد أغويلار-مانخاريز ''ليس من السهل على الدوام إدراك ضخامة أعداد الناس في العالم النامي الذين يعتمدون في رزقهم على المصايد الداخلية''. ويمضي قائلاً ''إن الإدارة الجيدة لهذه المورد هي عنصر حاسم في إرساء الأمن الغذائي. ولا يمكن القيام بذلك ما لم يتمكن العلماء من معرفة ما الذي يصيب الأسماك حقا''.

استضاف المركز الوطني للمعلومات والبحوث البحرية في سواكوبمند الدورة التي عُقدت في ناميبيا، بمساندة من الوكالة النرويجية للتعاون الدولي. أما دورة أوغندا فقد استضافها المعهد الأوغندي لبحوث الموارد السمكية ومشروع موارد مصايد الأسماك في بحيرة فيكتوريا الممول من الاتحاد الأوروبي.

موجز: تسهم المصايد الداخلية بنحو 15 في المائة من مجموع إنتاج المصايد في العالم، علماً بأن الجانب الأعظم من هذه المصايد قائم في البلدان النامية. وبمقدور نظم المعلومات الجغرافية أن تساعد البلدان على الاستفادة على النحو الأمثل من المعلومات الشحيحة المتوافرة عن المخزونات السمكية.