ظهرت هذه المقابلة للمرة الأولى في نشرة ''أنباء وآراء'' الصادرة عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية:

ما هي النقاط البارزة برأيك لمؤتمر القمة؟ هل خابت آمالك بسبب ضعف مشاركة رؤساء البلدان الصناعية؟

لقد كان التمكُّن من دفع رؤساء الدول وآلاف المندوبين إلى ضم صفوفهم في الكفاح ضد معضلة الجوع وإدراج هذه المعضلة في جدول أعمال المؤتمر وجعلها محط اهتمام وسائل الإعلام العالمية من بين الإنجازات العظيمة التي حققتها القمة. وبالطبع فلقد كان بودنا أن نحظى بمشاركة عدد أكبر من أولئك الرؤساء. ومن جهة أخرى فإن حضور 73 من رؤساء الدول والحكومات وأكثر من 200 وزير من 179 بلداً نامياً ومتقدماً قد اتسم بأهمية بالغة. فهؤلاء هم ذوو الخبرات الميدانية وهم القادرون على ضمان تنفيذ التدابير المطلوبة. وهكذا فإن مشاركتهم وما أبدوه من التزام يبعثان في نفسي الأمل بالانتصار في النضال القائم ضد الجوع.

بعد مؤتمر القمة العالمي الأول للأغذية عام 1996 ساد التفاؤل، غير أن وتيرة الكفاح ضد الجوع قد تباطأت منذ ذلك الحين. هل كان هناك التزام حقيقي في قمة عام 2002 بتحقيق الهدف الذي رسمه مؤتمر عام1996، ألا وهو خفض عدد الجياع في العالم بنسبة النصف بحلول عام 2015؟

إن وتيرة التقدم لم تتباطأ، ولكنها أبطأ من أن تحقق الهدف المنشود. إن الحاجة تتطلب على وجه السرعة تجديد العزيمة السياسية وتوفير الموارد المناسبة. ولقد أُقر إعلان قمة عام 2002 من جانب كل الدول المشاركة في المؤتمر دون استثناء. وجددت هذه الدول التزامها بخفض عدد الجياع في العالم بنسبة النصف وأكدت من جديد حق كل إنسان في الحصول على أغذية سليمة ومغذية. كما وافقت على إنشاء التحالف الدولي ضد الجوع. غير أن نجاحنا بالطبع يعتمد في نهاية المطاف لا على الالتزامات المجددة ولكن على حجم الموارد المعبأة بعد ذلك وعلى استخدامها الفعال في الوقت المناسب.

الآن وقد انقضى مؤتمر القمة، ما هي آمالكم وتطلعاتكم الشخصية إزاء ما سيحدث لاحقاً؟ وما هي برأيكم العقبات البارزة التي تعترض طريق تحقيق تلك الآمال والتطلعات؟

هنالك توافق واسع على التدابير اللازمة لمكافحة الجوع وما أزال مفعماً بالتفاؤل في أن بمقدورنا بلوغ هدف خفض عدد الجياع بمقدار النصف بحلول عام 2015. غير أن على البلدان النامية والمتقدمة على حد سواء أن تعمل. وعلى العالم أن يعبئ مبلغ 24 مليار دولار كل عام. وإذا ما استثنينا مبلغ 5 مليارات دولار من المساعدات الغذائية و3 مليارات دولار من القروض بأسعار الفائدة التجارية، فإن ذلك يعني أننا بحاجة إلى توفير 16 مليار دولار للاستثمارات... ولدعم التنمية الزراعية والريفية في البلدان النامية. وعلى البلدان المتقدمة أن تحشد مبلغ 8 مليارات دولار سنوياً، وهو مبلغ زهيد بالمقارنة مع ما تنفقه على دعم قطاعاتها الزراعية سنوياً والذي يصل إلى 319 مليار دولار.

إلا أن على البلدان النامية أن تتصدر الصفوف في حشد مبلغ 8 مليارات دولار على المستوى الوطني كل عام لمساعدة الجياع والفقراء من أبنائها. ومن واجب البلدان النامية أن تكون قدوة تُحتذى في هذا الميدان بالنسبة لبقية أرجاء العالم.

هل ستُعقد قمة أخرى خلال خمس سنوات؟ وماذا تتوقعون أن يحدث إلى أن يحين ذلك؟

إن القمم لا تُعقد للتمتع بها، ولكنها تلتئم لتوفير مورد استثنائي للغاية في حالات الحاجة الحقيقية. ولذلك فإن من السابق لأوانه الإجابة على هذا السؤال. وإذا ما قامت الحكومات والمؤسسات المالية باعتماد التدابير المطلوبة إيفاء بالالتزامات التي قُدِّمت هذا العام، فقد لا تكون هناك حاجة إلى عقد قمة أخرى لسنوات عديدة قادمة.

ما هو انطباعكم الأولي عن التغطية الإعلامية كماً ونوعا؟

اتسم جانب كبير من هذه التغطية بعمق التفكير والذكاء، ولا سيما في فرنسا حيث نشرت صحيفتا ''لوموند'' و''لوفيغارو'' سلسلة من المقالات التي تناولت القضايا المعنية بالتفصيل.

وكانت التغطية واسعة في أسبانيا، وألمانيا، وأمريكا اللاتينية، والعالم النامي ككل. على أن التغطية الإعلامية في بضعة بلدان متقدمة عانت من السطحية، وهو ما ينطبق عموماً على تغطية المسائل الدولية فيها. ونشرت كل من مجلة ''الإيكونوميست'' وصحيفة ''الفاينانشال تايمز'' مقالات عميقة عن القضايا الخطيرة الكامنة وراء استمرار ظاهرة الجوع في العالم.

وكانت التغطية الإذاعية والتلفزيونية العالمية جدية للغاية بصورة إجمالية.

وكرَّست هيئات إعلامية مرموقة مثل ''بي بي سي'' و''سي إن إن'' فترات طويلة من برامجها لتغطية القمة والقضايا التي دفعت المنظمة إلى عقدها. وأنا مسرور عموماً بأن تكون الفرصة قد أُتيحت للعالم ليتابع، قراءة وإنصاتاً ومشاهدة، ما نواجهه من مشكلات في النضال ضد الجوع، وليطَّلع على الحقائق التي غالباً ما تلقى الإهمال.

هل تعتقد أن البلدان الصناعية ستساند التحالف الدولي المقترح ضد الجوع
؟

أولاً أود أن أوضح أن التحالف الدولي ضد الجوع هو دعوة إلى العمل أقرها رؤساء الدول والحكومات الذين شاركوا في مؤتمر القمة العالمي للأغذية: خمس سنوات بعد الانعقاد. وفي الفقرة التنفيذية 2 من إعلان هذه القمة فقد ناشد زعماء العالم كل الأطراف (أي الحكومات، والمنظمات الدولية، وهيئات المجتمع المدني، والقطاع الخاص) تعزيز ما تبذله من جهود بحيث تعمل كتحالف دولي ضد الجوع بما يكفل تحقيق أهداف مؤتمر القمة العالمي للأغذية في موعد أقصاه عام 2015. غير أن الحاجة تدعو إلى وضع التفاصيل المتصلة بكيفية وضع ذلك موضع التنفيذ وتنسيقه بالمشاركة الكاملة لكل الجهات المعنية.

ولهذه الغاية فإن المنظمة دعت جميع البلدان الأعضاء، بما في ذلك الصناعية منها، والشركاء المحتملين من المنظمات الدولية الأخرى، والمنظمات غير الحكومية، وهيئات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمؤسسات الأكاديمية للتعاون معها في استحداث آلية تتميز بالشفافية والمشاركة التامة. ويسعدني للغاية أن بعض البلدان الصناعية قد بدأت بإرساء تحالفات وطنية ضد الجوع، وأنا واثق من أن بلداناً أخرى ستنضم إلى الركب قريبا.

ما الذي يمكن للمنظمة القيام به أو الذي ستقوم به بالفعل لإنفاذ الالتزامات المتعلقة بأهداف القمة؟ وما الذي ينبغي أن تقوم به الأطراف الأخرى؟

إن المنظمة لا تمتلك السلطة أو الصلاحية لإنفاذ الالتزامات على نحو ما تتمتع به، مثلاً، منظمة التجارة العالمية في تطبيق الاتفاقيات، أو مؤسسات ''بريتون ودز'' في إنفاذ الشروط. والآلية الرئيسية الموضوعة تحت تصرف المنظمة هي قوة المعلومات، والمشورة التقنية، وإيضاح الخيارات الممكنة عبر الأنشطة الرائدة. إن المنظمة تيسِّر إرساء المعايير وإبرام الاتفاقيات الدولية بشأن الاستخدام المستدام للموارد الطبيعية والمدخلات للتنمية الزراعية والريفية. كما أن المنظمة تسعى لاستخلاص الدروس من الخبرات الناجحة وغير الناجحة في الكفاح ضد الجوع والتعريف بها على أوسع نطاق. وفي الحقيقة فإن كل بلد يتحمل مسؤولية الالتزامات التي تقدم بها في مؤتمر قمة عام 1996 والتي أعاد تأكيدها عام 2002. والمنظمة مكلفة بمهمة رصد التقدم في تنفيذ التزامات مؤتمر القمة العالمي للأغذية وإطلاع المجتمع الدولي على ما تخلص إليه عبلجنة الأمن الغذائي العالمي. وللقيام بذلك فإن المنظمة تجمع وتنشر البيانات من خلال نظام المعلومات عن انعدام الأمن الغذائي والتعرض لنقص الأغذية ورسم الخرائط ذات الصلة، وهي بيانات تعدها شبكة مشتركة للأمم المتحدة في مختلف الدول الأعضاء. كما أنها تجمع التقارير الوطنية عن التدابير التي تتخذها البلدان المنفردة للوفاء بالالتزامات التي تقدمت بها أمام مؤتمر القمة.

وقد بعث نحو 100 بلد هذا العام بمثل هذه التقارير. ووفر العديد منها وصفاً مفصلاً لطائفة واسعة من المبادرات الجاري تنفيذها على المستويات الوطنية ودون الوطنية لدحر الجوع وسوء التغذية. وما تدعو إليه الحاجة هو تحويل الكثير من الجهود الإيجابية ذات الطابع المحلي الصغير إلى كتلة حيوية مؤثرة على المستوى العالمي. وتحض المنظمة على التوسع في الاستخلاص المنتظم للدروس من الخبرات الناجحة لبلدانها الأعضاء. وسيسهم التحالف الدولي ضد الجوع، ومن خلال تعبئة الإرادة السياسية، في ضمان تكرار هذه النجاحات على نطاق أوسع. وعبر الجهود المنسقة فإن هناك أملاً حقيقياً في النجاح.

ما هي آثار القمة بالنسبة لأفريقيا جنوب الصحراء وآسيا الجنوبية؟

إن أهداف القمة وغاياتها موجهة نحو التصدي للفقر والجوع، ومن حيث النسب المئوية والأرقام المطلقة، فإن معظم الفقراء والجياع يعيشون في المنطقتين المذكورتين. ولذلك فإن تحقيق أهداف القمة سيخلِّف أثراً مباشراً وعميقاً على السكان هناك.

ولقد أحرزت آسيا الجنوبية تقدماً هائلاً في زيادة الإنتاج والقدرة الإنتاجية في القطاع الزراعي وشارفت على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الأغذية. بل إن بعض البلدان تمكنت الآن من تحقيق فوائض. غير أنه من حيث الأرقام المطلقة فإن هذه المنطقة ما زالت تضم العدد الأكبر من الفقراء والجوعى. وتحتاج البلدان في هذا الإقليم الفرعي إلى معدل أعلى من النمو الاقتصادي الإجمالي، وهو ما يتطلب تيسير وصول الفقراء والجياع إلى الأغذية، والرعاية الصحية، والتعليم، وتزويدهم أيضاً بالوسائل اللازمة للانخراط في الأنشطة الإنتاجية. وبالنسبة للبلدان ذات الفوائض فإن من الواجب منح الأولوية في الاهتمام إلى المشروعات حسنة الاستهداف وإلى القدرة على تعزيز الدخل. كما أن هذه البلدان بحاجة ماسة إلى تسهيل وصول سلعها إلى الأسواق الدولية.

وبالنظر إلى ضخامة عدد الفقراء والجياع، فإن بلدان هذا الإقليم الفرعي تتطلب دعماً وتعاوناً دوليين. ولذلك فإن أهداف القمة وغاياتها تتسم بأقصى درجات الأهمية في المنطقة المذكورة.

كما أن ظاهرتي الفقر والجوع تتسمان بالحدة في أفريقيا جنوب الصحراء، غير أن أسبابهما وسبل معالجتهما تختلفان عما هو قائم في آسيا الجنوبية. فبلدان أفريقيا جنوب الصحراء منكوبة بالقلاقل الأهلية، والحكم الرديء، وضعف الدعم الحكومي للتنمية الزراعية، ولا سيما فيما يتصل بالتحكم بالمياه، ومرافق التسويق. كما أنها تنوء تحت أعباء ديون باهظة، وتعاني من تدهور الإنتاج والقدرة الإنتاجية، وتكابد من تفشي فيروس نقص المناعة البشرية/مرض الإيدز. وتحتاج البلدان المذكورة إلى جهود متسقة لمعالجة المشكلات المتصلة بالحكم، و الإنتاج، والتجارة، ومرض الإيدز، والديون. وتشكل الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا خطوة إيجابية للغاية في هذا الصدد. ولذلك فإن مؤتمر القمة العالمي: خمس سنوات بعد الانعقاد يتسم بأهمية مباشرة لهذا الإقليم الفرعي حيث أنه ركز على توجيه اهتمام المجتمع الدولي نحو القضايا الهامة التي تتطلب لمسندة، ولا سيما البرنامج الشامل للتنمية الزراعية الأفريقية المنبثق عن الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا، والذي أعدته البلدان الأفريقية بالتعاون مع المنظمة.