زرع البذور في الرمال التونسية


عندما يساعد التراث الزراعي المحاصيل على التكيف مع الجفاف وعلى تغذية المجتمعات المحلية على الرغم من الصّعاب

تعدّ أنظمة الزراعة الرملية في بحيرات غار الملح طريقة بارعة في الزراعة في الرمال، باستخدام المدّ والجزر من البحر لري المحاصيل بمياه الأمطار. وليس هذا سوى واحد من أكثر من 60 نظاماً من نُظم التراث الزراعي المهمة عالمياً اعترفت بها المنظمة في جميع أنحاء العالم. © الفاو/عبد الحكيم عيساوي

16/06/2020

 يمكن للطبيعة أن تتغيّر من عدو إلى حليف. وقد عرف المزارعون ذلك لعدة قرون وتعلموا البقاء على قيد الحياة وإنتاج الغذاء رغم درجات الحرارة الحار وشحّ المياه وحتى عدم وجود الأراضي الصالحة للزراعة.  وفي ظل هذه الظروف، ترجمت المجتمعات المحلية قدرتها على الصمود والابتكار إلى تقنيات زراعية تحملت اختبار الزمن وهي جزء من الحل لمستقبل مليء بالتحديات.

 كانت مدينة صغيرة في شمال تونس، غار الملح، مستوطنة فينيقية (1101 قبل الميلاد). بين جبال الناظور وبحيرات غار الملح وسبحا سيدي علي المكّي، ازدهرت مساحة صغيرة للأنشطة الزراعية باستخدام تقنية تسمى الرملي، اعتُمدت خلال الشتات الأندلسي في القرن السابع عشر. الرملي  يعني "على الرمال" والممارسة هي الزراعة على التضاريس الرملية. 

 تُروى محاصيل الرملي بمياه الأمطار العذبة التي تطفو على سطح مياه البحر المالحة. وتصل هذه المياه العذبة إلى المحاصيل من خلال حركة المد والجزر.  ويجب على المزارعين أن يحسبوا بانتظام مستوى سطح البحر وأن يحافظوا على التربة عند مستوى المياه بدقة. إذا كانت القطعة الأرضية جدّ منخفضة، وصلت المياه المالحة إلى الجذور، وقتلت  المحاصيل. وإذا كانت مرتفعة جداًّ، جفّت الجذور. وينظم المزارعون مستويات التربة بإضافة الرمال والسماد. 

 ويسمح هذا النظام الحاذق بالزراعة على مدار السنة دون مياه اصطناعية، حتى في فترات الجفاف. وتتكيّف ممارسات الرملي للغاية من أجل مكافحة الظروف البيئية الجافة عن طريق الحد من فقدان المياه من التبخر وزيادة قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه. 

وتحتفظ قرية غار الملح بتراثها الثقافي التقليدي حيث يُعدّ الصيد والأنشطة الزراعية مصدر الرزق الرئيسي.  وتشارك 46 في المائة من القوى العاملة في هذين النشاطين. ويزرع المزارعون في المقام الأول البطاطس والفاصوليا والبصل. في الواقع، من المعروف أن المحاصيل الرملية لها نكهة فريدة من نوعها يعرفها جيدا المستهلكون المحليون. وهذه هي  نتيجة الري الطبيعي الذي يلبي تماما احتياجات المياه من النباتات. ويسمح نظام الرملي هذا، الذي تم الحفاظ عليه عبر الأجيال، للسكان المحليين بزيادة  دخلهم السنوي.

تعمل 46 في في المائة من القوى العاملة في غار الملح تعمل في مجال صيد الأسماك أو الزراعة. ويعدّ الحفاظ على الممارسات التقليدية أمراً حيوياًّ لضمان الأمن الغذائي في هذه المنطقة.© الفاو/عبد الحكيم عيساوي

الحفاظ على المعارف القديمة

 وقد تم مؤخراً الاعتراف بالنظم الزراعية للرملي في بحيرات غار الملح والحدائق المعلقة من جبة العليا، وكلاهما في تونس، على أنها نظم تراث زراعي مهمة عالمياً، وهو برنامج صممته منظمة الأغذية والزراعة للحفاظ على الممارسات الزراعية التقليدية والابتكارية. وتتمتع  تونس الآن بثلاثة مواقع تُشَغّل فيها نُظم التراث الزراعي المهمة عالمياً، بما في ذلك موقع واحات قفصة التاريخي، الذي تم تعيينه في عام 2011. 

"يُعدّ هذا النظام [الرملي]  في الأساس زراعة عائلية. يتبادل المزارعون وسائل الإنتاج فيما بينهم و تتكون القوى العاملة من أفراد الأسرة الذين ينقلون الدراية الفنية وتقنيات الإنتاج على مر السنين من جيل إلى جيل،"  يقول محمد علي الدريدي، كبير المهندسين ورئيس قسم التنوع البيولوجي في وزارة البيئة التونسية. ويضيف "من المهمّ الاعتراف بالموقع كموروث قيمّ من خلال التوعية ودمج الموقع في التنمية المحلية، ليس فقط كنظام إنتاج ولكن كنظام متنوع ثقافيا وتاريخيا".

يعدّ ساحل تونس موطناً لثلثي سكانها. وهذه المناطق الساحلية التي تواجه بالفعل ارتفاع مستويات سطح البحر وتغيرات في درجات الحرارة، معرّضة بشكل خاص لتغير المناخ. وتعمل منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع البلد للمساعدة في تعزيز قدرة المجتمعات المحلية الضعيفة على الصمود.© الفاو/عبد الحكيم عيساوي

تغيُّر المناخ: عدو هائل 

يعدّ ساحل تونس موطناً لثلثي سكانها. ومع كثافة هذه المناطق السكانية والتأثر بآثار تغير المناخ، فإن حماية هذه المناطق الساحلية تشكل أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها البلد. 

"سيساعد اعتراف منظمة الفاو بهذا النظام بوصه أحد  نظم التراث الزراعي المهمة عالمياً  في الحفاظ على التكيف بهذه الطريقة البارعة مع تغير المناخ ونظم الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية. كما سيساعد على ضمان التوازن الاجتماعي في المنطقة فيما يتعلق بإدارة الموارد وإنتاج الأغذية والحفاظ على الممارسات التي تضمن الأمن الغذائي في المنطقة." يقول فاضل بكار، مدير مشروع في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

كما يدعم مشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يتناول أوجه الضعف والمخاطر الناجمة عن تغير المناخ في المناطق الساحلية الضعيفة في تونس، هذا الموقع للمساعدة على وجه التحديد في معالجة الصعوبات التي يفرضها تغير المناخ على بقائه.

 إضافة إلى التحدي الكبير المتمثّل في تغير المناخ، فإن الحفاظ على التراث الزراعي مهدد أيضاً بسبب ضخامة أعداد الشباب الذين يهاجرون من المناطق الريفية إلى المدن بحثاً عن فرص عمل أفضل.  ويساعد برنامج المنظمة "نُظم التراث الزراعي المهمة عالمياً "على تحديد سبل التخفيف من التهديدات التي يواجهها المزارعون وتعزيز الفوائد المستمدة من هذه النظم الزراعية.

 نُظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية لأجل التصدي للجفاف والتصحر

يعدّ 17حزيران/ يونيو يوم التوعية حول التصحر والجفاف.  وفي جميع أنحاء العالم، يتراجع توافر وإنتاجية الأراضي الصالحة للزراعة،بسبب عنصر أساسي ألا وهو تغيُّر المناخ. ويساعد برنامج المنظمة "نُظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية"  على دعم براعة المزارعين والحفاظ على الممارسات التي تساعد على مكافحة تغير المناخ، ويسمح بمزاولة الزراعة في ظل ظروف قاسية. إن أنظمة زراعة المحاصيل في الراملي تثبت أنه حتى الجفاف والتصحر خصمين يمكن التغلّب عليهما بابتكار المزارعين ومثابرتهم.  

لقد تمّ الاعتراف رسميا بأكثر من 60 موقعا بوصفها من نُظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية. وتعدّ هذه المجالات حيوية لتحقيق الأمن الغذائي والمعيشي، وهي فضاءات دينامية تتعايش فيها الثقافة والتنوع البيولوجي والتقنيات الزراعية المستدامة.  ويساعد برنامج نُظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية المزارعين وإنتاجنا الغذائي بشكل عام على مواجهة التحديات المتزايدة المتمثلة في القضاء على الجوع وضمان الغذاء المغذّي للجميع.


للاطّلاع على مزيد من المعلومات

   الموقع الإلكتروني:  نُظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية 

  الموقع الإلكتروني:اليوم العالمي لمكافحة  التصحر والجفاف، 2020

  الأخبار: يتم الاعتراف بأنظمة الزراعة الفريدة في تونس بوصفها جزءاً من التراث الزراعي العالمي

8. Decent work and economic growth, 13. Climate action, 15. Life on land