مركز الأنباء
 

بلدٌ يقدِّر قيمة غاباته رغم الإعمار المتواصِل

المنظمة/عدسة كاي فيدنهوفر ©
متطوعو جمعية تنمية الثروة الحرجية اللبنانية يجهزون شتلات الصنوبر لمشروع إعادة التحريج في قرية الرملية بلبنان.

الرملية، لبنان- في اكتوبر/تشرين الأول 2008 إحتدمت النيران في معظم غابات لبنان، باندلاع عدد من الحرائق الكبرى في آن واحد بمناطقٍ متفرّقة من البلاد لتأتي على أكثر من 1500 هكتار من المناطق الحرجية، و1.2 مليون من أشجار الأَرز وصنوبر البحر الأبيض المتوسط وغيرها. وألحقت هذه الكارثة مزيداً من الأضرار بالأراضي اللبنانية علاوةً على ما حاق بها من دمار نتيجة تفجُّر العداوات بين لبنان وإسرائيل عام 2006.

ففي لبنان تندلع هذه الأيام حرائق الغابات بوتيرةٍ متلاحقة، لأسبابٍ تُعزى أيضاً إلى التوسُّع العمراني للمناطق الحضرية وفقاً للسيد هشام سلمان المسؤول لدى جمعية الثروة الحرجية والتنمية "AFDC" اللبنانية، وهي منظمة غير حكومية تُكرِّس جهودها لبناء قدرات لبنان على الوقاية من حرائق الغابات وإطفائها.

وتشارك منظمة الأغذية والزراعة "FAO" جمعية الثروة الحرجية والتنمية اللبنانية جهودها الحثيثة في التصدي لحرائق الغابات والأدغال من جميع الجهات الممكنة، في إطار مشروعٍ لإدارة الغابات وصَونها بدأ تنفيذه في مارس/آذار 2008 بتمويلٍ من صندوق إعمار لبنان (الصندوق اللبناني للنهوض "LRF").

فرق إطفاء من المتطوعين

رغم أفضل جهود الوقاية، تحتدم النيران حتماً ولا بد من توفير التدريب والتجهيزات إذا كان للاستجابة أن تكون سريعةً وفعّالة. لذا يجري تشكيل فرق إطفاء الحرائق من المتطوّعين في المجتمعات المحلية لحمايتها بمناطق الغطاء الشجري. كما يتلقّى المتطوعون تدريباً ويُجهّزون بأدواتٍ وقائية عالية الجودة وفقاً للمقاييس المطبّقة.

وفي أكثر القرى اللبنانية تُستخدم مكبّرات الصوت العامة، لذا يُطلق الإنذار حالما يُكتشف حريقٌ وسرعان ما يتدفّق المتطوعون في المنطقة المعنية للانخراط في المكافحة على الفور. وقبل خوض عملية الإطفاء، يُزوَّد كلّ متطوّع بزيّ مقاوم للهب، وخوذة وقائية، وحذاء خاص، وحقيبة ظهر مصمّمة لحمل 22 لتراً من الماء- 20 لتراً منها للرش ولتران للشرب.

وتتوافر أيضاً في نقاطٍ إستراتيجية عرباتٌ حديثة مجهّزة بصهاريج وخراطيم مياه، وقد اختير لمركبات الإطفاء هذه نماذج من شاحنات صغيرة الحجم لتيسير الحركة وعمليات المناورة في المساحات الضيقة لا سيما فوق المنحدرات التليّة الكثيفة الأشجار.

ويقول مسؤول جمعية الثروة الحرجية والتنمية اللبنانية هِشام سلمان: "لدينا 16 وحدة من المتطوّعين في جميع أنحاء لبنان، تساعدنا أيضاً في عمليات التوعية البيئية".

تقييم الخسائر

من خلال العمل مع هذه المنظمة غير الحكومية، وبالاشتراك مع وزارتي البيئة والزراعة اللبنانيتين يُعنى مشروع المنظمة أيضاً بتقييم الخسائر المادية والاقتصادية التي نَجمت عن الحرائق الحرجية الأخيرة، مع رصد جهود التأهيل الجارية للوقوف على أعلى الأساليب المطبّقة جدوى وفقاً للاحتياجات الموقعية النوعية.

وفي تناسُق مع هذه الجهود يجرى الإعداد لإقامة مشتل بسعة 100000 شجيرة، مع توزيع 6 عربات لإطفاء الحرائق على خدمات الدفاع المدني ووحدات متطوعي مكافحة الحرائق. وقد حُشدت شبكة المنظمة غير الحكومية بأسرها، وتضم 10000 متطوّع، لشنّ حملات التوعية العامة مدعومةً بخطة إعلانية عبر قنوات التلفزيون والإذاعة وتعميم استخدام لوحات الإعلانات.

المنظمة/عدسة كاي فيدنهوفر ©
شاحنة إطفاء تخمد حريقاً نشب بسبب الأساليب الزراعية غير السليمة.

وانطلاقاً من اهتمامهم يخصص سكان بلدة الرملية وتخومها صباح كل سبت للحضور والمشاركة بالاستماع إلى محاضرة الوقاية من النيران والنهوض بمستويات إدارة الغابات.

وتقول محاضرات التوعية أن المجتمعات التي تشهد توسّعاً عمرانياً تميل إلى إهمال أهمية مناطقها البرية، وتفقِد بذلك درايتها بأفضل سُبل إدارتها، إذ كان "من التقليدي هنا جمع الأغصان الساقطة ومواد النمو النباتي أسفل الأشجار" لأغراض الطهي وحفظ الأغذية المزروعة محلياً. غير أنه مع نزوح أعدادٍ متزايدة من الشبيبة إلى المدن سرعان ما يطوي النسيان مثل هذه التقاليد فتُترك المناطق المشجّرة "مليئة بالوقود"، أو بالمواد السريعة الاشتعال، في وضعٍ أكثر تعرُّضاً لخطر الحريق. ومتى اقترن ذلك بأسلوب تطهير التربة بالحرق على النحو الدارج من قِبل المزارعين فسرعان ما تتضح مدى خطورة هذه الوصفة التي تُنذر بكارثةٍ.

ويشير مسؤول الجمعية اللبنانية هشام سلمان، إلى "نقص تحريات أسباب احتدام النيران" عموماً، وإن كان الملاحظ أن "أكثر الحرائق تبدأ قرب الأراضي الزراعية أو بالقرب من الطريق". ويضيف أن "ليس بالوسع الجزم بأنها تبدأ عمداً- أو ربّما كان 2 أو 3 بالمائة منها كذلك (عن عمد). إذ أنها بالأحرى الأساليب الزراعية المتّبعة، مقرونةً بالأحوال الجوية الرديئة كالرياح القوية ودرجات الحرارة المرتفعة".

ومضى قائلاً أن "الحرائق لم تنتشر في الماضي مثلما تنتشر الآن، لأن الزراعة لا يعمل فيها اليوم إلا القليلون. وإذا كانت الأرض المنزرعة بمثابة مصدٍ للنيران، فالغابات تجمع بينها اليوم الدغيلات البرية".

إعادة التحريج ليس هيّناً

أمّا إعادة تحريج الغابات المتضرّرة بالحرائق فليست عملية هيّنة على الدوام. فحيثما تعود الغابة المحترقة إلى الملكية الخاصة، عادةً ما لا يكون ثمة اهتمام بإعادة غرس أشجارٍ "غير مُنتجة" كأَرز لبنان. بيد أن شتلات الصنوبر تلقى أكبر القبول، وفقاً لمسؤول الجمعية اللبنانية إذ لا تتطلّب كثيراً من العناية وتُنتج أيضاً حبّات الصنوبر التي تُباع مقابل دخل.

وبالنسبة للنوع الشجري "غير المنتج"، أي أَرز لبنان، فلقد بات من النُدرة مشاهدته في أكثر مناطق البلاد. غير أن فرصه في البقاء تبدو جيّدة مع ذلك. فغير بعيدٍ عن الرملية تقع محمية الشوف لأشجار الأرز على امتدادٍ لا يقل عن 550 كيلومتر مربع... وتغطي نحو 5 بالمائة من الأراضي الكليّة للبنان بأسرها.

 

 مارس\آذار 2009

للاتصال