أثر كوفيد-19 على سبل عيش الأشخاص وصحتهم ونظمنا الغذائية

بيان مشترك صادر عن منظمة العمل الدولية ومنظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولي للتنمية الزراعية ومنظمة الصحة العالمية

13 أكتوبر/تشرين الأول 2020 تسببت جائحة كوفيد-19 بخسائر مأساوية في الأرواح في مختلف أنحاء العالم وهي تطرح تحديًا لا سابق له بالنسبة إلى الصحة العامة والنظم الغذائية وعالم العمل. وإنّ الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي أحدثتها الجائحة كارثية حيث أنّ عشرات ملايين الأشخاص معرضون لخطر الفقر المدقع في حين أنّ عدد ناقصي التغذية، الذي يقدر حاليًا بحدود 690 مليون نسمة، مرشح للارتفاع بمقدار 132 مليون نسمة مع حلول نهاية العام الحالي.

وتواجه ملايين المؤسسات خطر زوالها. وحوالي نصف القوة العاملة العالمية البالغة 3.3 ملايين شخص معرض لخطر خسارة سبل عيشهم. والعاملون في الاقتصاد غير النظامي معرضون بشكل خاص لهذه المخاطر كون معظمهم يفتقرون إلى الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية الجيدة ولعدم حصولهم على أصول الإنتاج. ومن دون سبل كسب الدخل خلال فترات الإقفال التام، يعجز الكثيرون منهم عن إطعام أنفسهم وأسرهم. ويعني الافتقار إلى الدخل بالنسبة إلى معظمهم عدم الحصول على الغذاء أو في أفضل الحالات، الحصول على كميّة أقلّ من الغذاء المغذي بقدر أقلّ.

وتؤثر الحائجة على النظام الغذائي بأكمله وقد كشفت النقاب عن هشاشته. وحال إقفال الحدود وفرض قيود على التجارة وتدابير الحجر دون وصول المزارعين إلى الأسواق، بما في ذلك لشراء المدخلات وبيع منتوجهم، ومنع العمال الزراعيين من حصاد المحاصيل، ما أحدث اختلالات في سلاسل الإمدادات الغذائية المحلية والدولية وحدّ من فرص الحصول على أنماط غذائية صحية وآمنة ومنوّعة. وقد قضت الجائحة على الوظائف وجعلت الملايين من سبل العيش عرضة للخطر. ومع فقدان المعيلين وظائفهم أو إصابتهم بالمرض أو وفاتهم، يصبح الأمن الغذائي والتغذية لملايين النساء والرجال عرضة للتهديد، علمًا أنّ من يعيشون في البلدان المنخفضة الدخل، لا سيما الفئات السكانية الأشدّ تهميشًا، بما في ذلك صغار المزارعين والسكان الأصليين، هم الأكثر تأثرًا.

ويواجه دوريًا ملايين العمال الزراعيين - الذين يعملون لقاء أجر ولحسابهم الخاص - بموازاة إطعام العالم، مستويات عالية من الفقر وسوء التغذية وسوء الأوضاع الصحية في العمل ويعانون من نقص السلامة والحماية أثناء العمل، إضافة إلى أنواع أخرى من الاستغلال. ويضطر الكثيرون منهم، بسبب تدني الأجور وعدم استقرارها وعدم توفر الدعم الاجتماعي، إلى مواصلة العمل، وغالبًا في ظروف غير آمنة، ما يعرّضهم وأسرهم لمخاطر إضافية. وعلاوة على ذلك، في حال خسارة المداخيل، قد يلجؤون إلى استراتيجيات سلبية للتأقلم مع الأوضاع على غرار بيع الأصول تحت وقع الأزمة أو القروض المفترسة أو عمالة الأطفال. ويكون العمال الزراعيون المهاجرون عرضة للخطر بشكل خاص بسبب المخاطر التي يواجهونها في تنقلهم وعملهم وظروف عيشهم وكفاحهم في سبيل الاستفادة من تدابير الدعم التي تتخذها الحكومات. ومن شأن ضمان سلامة جميع العاملين في مجال الإنتاج الزراعي الغذائي وصحتهم - بدءًا بالمنتجين الأوليين وصولاً إلى المعنيين بتجهيز الأغذية ونقلها وبيعها بالتجزئة، بما في ذلك الباعة الجوالين للأغذية في الشوارع - إضافة إلى تحسين المداخيل والحماية، أن تشمل جميعًا عناصر حاسمة لإنقاذ الأرواح وحماية الصحة العامة وسبل عيش الأشخاص وأمنهم الغذائي.

ففي ظلّ أزمة كوفيد-19، تتضافر معًا قضايا الأمن الغذائي والصحة العامة وفرص العمل والعمالة، لا سيما صحة العاملين وسلامتهم. وسيكتسي الالتزام بقواعد السلامة والصحة في مقر العمل وضمان التمتّع بحقوق العمل اللائق وحماية العمالة في القطاعات كافة أهمية حاسمة لمعالجة الأبعاد الإنسانية للأزمة. ويجب أن تشمل الإجراءات الفورية والهادفة لإنقاذ الأرواح وسبل العيش توسيع نطاق الحماية الاجتماعية وصولاً إلى تأمين التغطية الصحيّة الشاملة والدعم للمداخيل بالنسبة إلى الفئات الأشدّ تأثرًا. وتشمل هذه الفئات العاملين في الاقتصاد غير النظامي وفي الوظائف التي لا تحظى بالحماية الكافية أو ذات الأجر المنخفض، بما فيهم الشباب والعمال الأكبر سنًا والمهاجرين. وينبغي إيلاء عناية خاصة لأوضاع النساء اللواتي هنّ ممثلات بصورة مفرطة في الوظائف المنخفضة الأجر وفي أدوار الرعاية. وثمة أشكال مختلفة أساسية من الدعم، بما في ذلك التحويلات النقدية والبدلات الخاصة بالأطفال والوجبات المدرسية الصحية والمبادرات لتأمين المأوى والإغاثة الغذائية ودعم المحافظة على الوظائف واستعادتها والإغاثة المالية للمؤسسات التجارية، بما في ذلك المؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم. ولا بد للحكومات، لدى تصميم هذه التدابير وتنفيذها، من العمل بشكل وثيق مع أرباب العمل والعمال.

وإنّ البلدان التي تواجه أزمات إنسانية أو حالات طوارئ إنسانية معرضة بشكل خاص لتأثيرات كوفيد-19. وتكتسي الاستجابة السريعة للجائحة بموازاة ضمان وصول المساعدة الإنسانية وللتعافي من الجائحة إلى من هم بأمس الحاجة إليها، أهمية حاسمة.

لقد آن الأوان للتضامن والدعم العالميين خاصة تجاه الفئات الأضعف في مجتمعاتنا، ولا سيما في البلدان الناشئة والنامية. فوحده من خلال العمل معًا يمكننا التغلب على التأثيرات الصحية والاجتماعية والاقتصادية المتداخلة للجائحة والوقاية من تفاقم الأوضاع وتحولها إلى كارثة مستمرة على الصعيد الإنساني وعلى مستوى الأمن الغذائي، مع إمكانية خسارة ما تحقق من مكاسب إنمائية حتى الآن.

ولا بد لنا من الإقرار بالفرصة المتاحة الآن لإعادة البناء على نحو أفضل كما جاء في الإحاطة بشأن السياسات الصادرة عن أمين عام الأمم المتحدة. ونحن ملتزمون بتضافر ما لدينا من خبرات وتجارب لدعم البلدان في التدابير التي تتخذها للاستجابة للأزمة وفي ما تبذله من جهود في سبيل تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويجدر بنا وضع استراتيجيات مستدامة طويلة الأجل لمواجهة التحديات الماثلة أمام قطاعي الصحة والصناعات الزراعية الغذائية. وينبغي إسناد الأولوية لمعالجة التحديات الكامنة بالنسبة إلى الأمن الغذائي وسوء التغذية والتصدي للفقر في الريف، خاصة من خلال تأمين مزيد من الفرص الأفضل في الاقتصاد الريفي وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية للجميع وتسير ممرات الهجرة الآمنة والتشجيع على إضفاء طابع رسمي على الاقتصاد غير النظامي.

ويجدر بنا أن نعيد التفكير في مستقبل بيئتنا وأن نعالج مسألة تغير المناخ وتدهور البيئة بقدر من الطموح والإلحاح. وفقط عندها، سننجح في حماية صحة الشعوب كافة وسبل عيشها وأمنها الغذائي وتغذيتها وفي ضمان أن يكون "واقعنا الجديد" واقعًا أفضل.

Photo: ©FAO/
بدون وسائل كسب الدخل أثناء الإغلاق، لا يستطيع الكثيرون إطعام أنفسهم وأسرهم. بالنسبة لمعظم الناس، لا يعني الدخل عدم وجود طعام، أو في أفضل الأحوال، طعام أقل وأطعمة مغذية أقل.