FAO.org

الصفحة الأولى > وسائل الإعلام > مقالات إخبارية

أشجار الحُور تُوطِّد الأمن الغذائي

الملايين تَفيدُ من غَرس غابات الحُور في الصين

المنظمة/ أ. دللونغو ©
الجمع بين أشجار الحور والزراعة رفع مستويات الدخل بمقاطعة "سيانغ" الصينية.

4 أغسطس/آب 2010، روما -- يتمتع نحو مليون شخص في مقاطعة "سيانغ" الصينية، فعلياً في الوقت الراهن بالمنافع العديدة المُستَمدَة من قُدرات شجرة الحور لإعادة تثبيت تُربة السهول الفيضيّة الحديّة على ضفاف النهر الأصفر، ونهري "هوي" و"يانغتسي". ومِثلما تَحمي أشجار الحور الحقولَ من الفيضانات، تقيها أيضاً رياح العواصف الرمليّة وأضرارَ تآكل التُربة وانجرافها مما يَعطي دفعةً قويّة للأنشطة الزراعية.

ويقول الخبير جيم كارل، رئيس فريق إدارة موارد الغابات، لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "FAO" أن "أشجار الحور جِد سريعةُ النمو وذات مرونة مدهشة... إذ تنمو بكل الطرق وتُشكِّل مُكمِّلا سهلاً للاستخدامات الأخرى للأراضي، فيما يجعلها مثاليةً لدعم تربية الحيوانات، واستزراع الأسماك، وزراعة العنب و أنشطة البستنة عموماً".

وتَشتمل بعض الخَدَمات الاجتماعية المتعدِّدة لهذا النوع الشجريّ على بناء الملاجئ الخشبية والمساكن، والتظليل، وحماية المحاصيل، وتوفير العَلف للماشية علاوةً على كَونها مَصدراً مُجدياً للطاقة الحيوية. وتمثِّل شجرة الحور إحد ى المجموعات الأسرع نمواً للأنواع الشجرية بدوراتٍ تتراوح بين 5 و15 سنة، إلى جانب تشكليةٍ واسعة من الاستخدامات النهائية. ويُوجَّه الحور على نحوٍ متزايد لإنتاج الطاقة المُستَمدة من الخشب.

ولا شك أن إشراك المُزارعين المحليّين وصِغار المُزارعين في أنشطةٍ جديدة لتوليد الدخل، وتطوير الصناعات الخشبية، واستحداث فُرص العمل الجديدة قد ساهم في النهوض بالأوضاع الاقتصادية العامّة بتلك المقاطعة الصينية وساعد على زيادة معدل دخل الفرد سواء بين سكّان الحضر أو الريف.

مفتاحُ النجاح

ليس من قبيل الصُدفة أنّ مقاطعة "سيانغ" تُعرَف أيضاً كمثالٍ على التطبيق الناجح منذ بداية السبعينات لعمليات النقل الدولي للمادة الوراثية للمحاصيل "الجيرمبلازم"، إلى جانب استقدام المعارف التقنية والتكنولوجيا من إيطاليا، في سياقٍ عام قام على تيسير إنجازه الهيئةُ الدولية لأشجار الحور "IPC" لدى المنظمة "فاو".

وبتغطية أكثر من 100000 هكتار من أراضي المقاطعة ما لبثَت أشجار الحور أن أضحت النوع الشجري الرئيسيّ فيها، حيث وصل مُعدلها إلى 47 بالمائة من مجموع الرُقعة الشجرية للمقاطعة الصينية بأسرها بعد أن لم تتجاوز 7 بالمائة أوليّاً منذ30 عاماً.

وفي تقدير جيم كارل، رئيس فريق إدارة موارد الغابات لدى المنظمة "فاو"، فإن "طبيعة النمو السريع لأشجار الحور والنطاق الواسع لغرسها دفعت بهذه المُبادرة مُتَجاوَزةً حدودها الأوّلية المُعتزمة، لتغدو برنامجاً إنمائياً ريفياً كبيراً... في خدمة الأمن الغذائي وموارد المعيشة والاستعمالات الأخرى للأراضي".

وبفضل هذه البرنامج أصبحت الصين اليوم أكبر مُنتج لشَجرة الحور في العالم وتليها فرنسا مباشرةً. لكن رُقعة غابات الحور المغروسة والزراعة المختلطة بالغابات من محاصيلٍ، وتربية الثروة الحيوانية لدى الصين تُقاس بنحو 8 مليون هكتار، أي فيما هو أوسع من حجم مزارع أشجار الحور في فرنسا بما يبلغ 30 مَرة.

دعمٌ للزراعة

بفضل شجرة الحور حوَّلت الأنشطة الزراعية الحرجية بمقاطعة "سيانغ" الصينية مناطقٍ واسعة من السهول الفيضيّة إلى فُسيفساءٍ من الأراضي الخَضراء على مرمى لا يَحدُّه البَصر. وقد ساعد التحلَّل الأسرع للأوراق النباتية، ونمو الكُتلة العضوية الحيّة على زيادة خصوبة التربة فيما لا يُقارَن بتربة الأراضي الرملية على نحو ما كانت سابقاً وما لم يلائم أغراض الزراعة.

ووفقاً لخبير الغابات ألبرتو دِل لونغو، لدى الهيئة الدولية لأشجار الحور، فقد "أصبح في إمكان السكان تنويع أنشطتهم الآن. ونظراً إلى توافُق أشجار الحور مع العديد من المحاصيل، بوسع المُزارعين اليوم زراعة القمح والذُرة الصفراء مع وفرةٍ من محاصيل البستنة، جنباً إلى جنب مع هذا النوع الشجري. وعلى سبيل المثال، يستعمل صِغار المُزارعين الجذوع الصغيرة أيضاً لشجرة الحور في إنتاج الفِطر بهياكل الدفيئة".

الخشبُ كصناعة رئيسية

توفًّر أشجار الحور أيضاً كمياتٍ كبيرة من الخشب، وحَطَب الوقود، والليف للصناعات الحَرَجيّة. ولما كان خشب شجرة حور عديم الرائحة والطعم والمذاق فهو يصلُح بوجهٍ خاص لصُنع صناديق الفاكهة، والأدوات الطبية، وعيدان تناول الطعام إلى جانب خشب الأرضيّات والأثاث وكذلك لصناعة اللُبّ والورق.

واليوم، تَغلُّ صناعة الأخشاب بمقاطعة "سيانغ" ما لا يقل عن 100 نوع من المُنتجات بما في ذلك الألواح الليفيّة، والخشب المَرن، وأغشية الزينة الخشـبية، والأثاث وكثيرٌ غيرها. وثمة أكثر من 1200 مشروع لمعالجة الأخشاب يستخدِم نحو 50000 من الأيدي العاملة بالمقاطعة. وإذ تجاوزت قدرة المعالجة المركّزة للأخشاب في المقاطعة الصينية 2 مليون متر مكعّب للسنة الواحدة مؤخراً، فقد صُدِّر العديد من المُنتجات إلى مختلف البلدان والأقاليم مثل أوروبا، وإفريقيا، وبلدان جنوب شرق آسيا.

بالوعة كربون

ولسببٍ مُغاير عن ذلك تمثِّل أنشطة التحريج الزراعي بالاستناد أساساً إلى شجرة الحور، نشاطاً مُجزياً حيث أضحى امتصاص الكربون نشاطاً مُجزياً قياساً على أهمية العوامل البيئية. وعلى اعتبار أن اختزان الكربون يُعَّدُ خدمةً بيئية حاسمة اليوم، تَبرُز شجرة الحور على نحوٍ خاص بوصفها من العوامل البالغة الأهمية لجهود التخفيف من تغيُّر المناخ.

بل ويكشف العديد من الدراسات أنّ أنشطة الزراعة المختلطة بالغابات تتيح فُرصاً لإنشاء آليّاتٍ طبيعية من "مغاسل الكربون العالية الكفاءة". وعلى الأخصّ وجِدَ أن الجَمع بين غرس أشجار الحور وزراعة القمح يشكِّل خياراً متاحاً بسهولة لاستخدام مساحاتٍ الأراضي في أغراض الإنتاج مع مُصادرة الكربون بكمياتٍ مُتزايدة في المَزارع.

جدارٌ أخضر عظيم

لقد غَدا غرس أشجار الحور والتحريج الزراعي ممُارسةً شائعةً من قِبل صِغار المُزارعين في الأقاليم الأخرى من الصين، على نحو ما تُردده أناشيد دُعاة حماية البيئة المحليين من أنه من المُستحسَن "تغطية الجبال الجرداء بالأشجار"... و"تحويل الصحراء الزاحفة إلى واحاتٍ"، وغيرها من الشعارات التي ُأطلِقَت بالإشارة إلى الجدار الآخر الأخضر العظيم لغابات الصِفصاف والحور التي غُرسَت لكَبح تآكل التربة والتصدّي لكثافة العواصف الرمليّة في المقاطعة الصينية.

وفي البداية لجأ صِغار المُزارعين الذين لم يحصّلون الكثير من تربة الأراضي الجرداء بالمنطقة الشمالية الغربية الرملية من المقاطعة، إلى غرس أشجار الحور والصفصاف ذات القدرة العالية على تحمّل الجفاف، بهدف التزوّد بالظلال والملجأ في وجه هبوب العواصف الرمليّة. وحين توقَّف زحف الصحاري بدأ صِغار المُزارعين بحصد وبيع خشب هذه الأشجار كمورد دخلٍ، بينما تواصَلت مناطق الأحزمة الخضراء الواقية في وجه الرمال.

دروسٌ هامة

يَخلُص الخبير جيم كارل، رئيس فريق إدارة موارد الغابات لدى المنظمة "فاو"، إلى أن "غرس شَجرة الحور في الصين أحرز نجاحاً ساحقاً، وقد أضحت الصين بفضل هذا النوع الشجري اللاعب الرئيسي في زراعة هذه الشجرة، إذ تَنقِل الآن معارفها وتقنياتها ليس فقط إلى أجزاءٍ أخرى من الصين بل وأيضاً إلى الأقاليم والبُلدان الأخرى مثل آسيا الوسطى. وتحرص الهيئةُ الدولية لأشجار الحور في مساعيها، على تعزيز دخل المُزارعين والترويج بوجهٍ خاص لمفهوم تكامُل زراعة شجرة الحور مع نُظم الزراعة الحَرَجية، من خلال تحويل التقنيات والتكنولوجيات المُطبَّقة لدى البُلدان الصناعية إلى البُلدان النامية‘ وكذلك بِدعم صُنّاع السياسات والمُخطّطين والمُستثمرين الاستراتيجيين في تنفيذ أنشطة غرس أشجار الحور كمساهمةٍ في التنمية المستدامة لاستخدامات الأراضي.

وإقراراً بدور أشجار الحور في التنمية الريفية... ولإبراز الدور المحفّز للمنظمة "فاو" والهيئة الدولية لأشجار الحور وهيئة التعاون الدولية الإيطالية، أنشأت مقاطعة "سيانغ" الصينية أوّل متحف في العالم لشجرة الحور، بالتحديد في البقعة التي غُرِس فيها أول فسيلين من المادة الوراثية المنقولة من إيطاليا إلى المقاطعة الصينية. ومنذ ذلك الوقت، ومن خلال نقل التقانات الزراعية والإضافة إليها للاستزادة منها، في سياقٍ على مدى السنوات الـثلاثين الماضية تمضي بتيسييره الهيئة الدولية لأشجار الحور لدى المنظمة "فاو"، وبفضل المساعدة الخاصة من إيطاليا... إلى جانب ضخِّ مزيدٍ من الاستثمارات في هذا البرنامح فقد أصبحت الصين رائداً دولياً في علم جينات شجرة الحور والتقنيات الحيوية لتحسين الُمقاوَمة الطبيعية للعوامل الأحيائية المُضادة، وفي تحسين نوعية الأخشاب بفعل خبراتها المُتراكِمة وزيادة مُعدل إنتاجية أشجار الحور  وتعزيز مُساهمتها في دفع عجلة التنمية الريفية كَكُل.