FAO.org

الصفحة الأولى > وسائل الإعلام > مقالات إخبارية

الزراعة يجب أن تُصبح "ذكيّة مُناخياً"

لكن خيارات التمويل وتطوير القطاع لم تَزَل جِد مَحدودة

المنظمة ©
لا بد من تعزيز مقاومة المجتمعات الزراعية الضعيفة في وجه تغير المناخ.

3 نوفمبر/تشرين الثاني 2010، روما -- من المتعيّن أن تصبح الزراعة لدى الدول النامية "ذكيّة مُناخياً" كيما تواجِه التحدّي المزدوج لتلبية الاحتياجات الغذائية لعالمٍ ذي أعدادٍ سكانية مُتزايدة ومناخٍ تغلُب عليه ظاهرة الاحترار، حسبما أكدت مؤخراً منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "FAO" في تقريرٍ جديد لها.

ويقول تقرير المنظمة "فاو" المعنون "'الزراعة الذكية مُناخيّاً': سياسات وممارسات وتمويل لأجل الأمن الغذائي والتواؤم والتخفيف"، أن تغيُّر المناخ من المتوقّع أن يقلِّص معدلات الإنتاجية الزراعية ومستويات الدخل المتأتي منها واستقرارها لدى العديد من المناطق التي تواجه بالفعل مستويات عليا من انعدام الأمن الغذائي، وفي وقت يتطلّب فيه الإنتاج الزراعي العالمي زيادةً بحدود 70 بالمائة على مدى العقود الأربعة المقبلة لكي تُلبّي متطلبات الغذاء لسكان العالم المُتزايدين عدداً".

وذكر الخبير ألكساندر مولير، المدير العام المساعد لقطاع الزراعة لدى المنظمة "فاو" أن "زيادة الإنتاج الزراعي، وخفض الخسائر اللاحقة للحصاد، وتحسين قنوات توزيع الغذاء على امتداد العالم النامي طالما شكَّلت تحديات كبرى. ومع تغيُّر المناخ فإن خطورة هذه التحديات تتفاقم بقوة بحيث يضحى إحداث تحوّل رئيسي في الزراعة حاجةً ملحة".

ونبّه مسؤول المنظمة "فاو"، إلى "أننا ينبغي ألا ننسي مع ذلك أنّ العديد من الممارسات والأساليب 'الذكية مناخياً' تُتاح في المتناول ويمكن تطبيقها على نطاقٍ واسع لدى البُلدان النامية، طبقاً لتقرير المنظمة الصادر في هذا الشأن".

تحوُّل على جبهاتٍ متعدّدة

يدرج تقرير " 'الزراعة الذكية مناخياً': سياسات وممارسات وتمويل لأجل الأمن الغذائي والتواؤم والتخفيف"، الصادر عن المنظمة "فاو"، عدداً من المجالات التي تتطلب فيها الزراعة إدخال التغييرات.

فلا بد للزراعة أن تنتِج مزيداً من الغذاء، وتُقلِّص مستويات الهَدر، وأن تُيسِّر للمُزارعين إمكانيات توصيل منتجاتهم إلى المُستهلكين.

والمتعيّن أن تدعّم الزراعة مرونتها في وجه المُستجِدات المدمِّرة مثل الفيضانات والجفاف، وذلك أولاً وأخيراً من خلال النهوض بمستويات إدارة واستخدام الموارد الطبيعية في القطاع الزراعي من مياه وأراضٍ وغابات، ومن تحسين استخدام مغذّيات التربة والموارد الوراثية الحيوية الرئيسية.

وينبغي الحدّ من انكشاف المجتمعات المحلية المُزارعة لآثار الكوارث ذات العلاقة بتغيُّر المناخ، وثمة حاجة إلى إرساء مزيدٍ من نُظم التحذير والحماية والضمان لمساعدتهم على مجاراة الأخطار المرتبطة بتغيُّر المناخ وعواقبه.

وأخيراً وليس آخراً، فعلى الزراعة أن تبتكر السُبل الكفيلة بالحد من آثارها البيئية الذاتية، بما في ذلك خفض إطلاق عوادم الغازات المسبِّبة للاحتباس الحراري، بلا تحجيمٍ لاعتبارات الأمن الغذائي والتنمية الريفية.

ويتضمن تقرير المنظمة "فاو" جملةً من الأنشطة والممارسات حول العالم للتدليل على أن المُزارعين يتحرّكون فعلياً لمواجهة هذه التحديات في الوقت الراهن.

فجوةٌ تمويلية هائلة

يشير تقرير المنظمة "فاو"، إلى أن ثمة حاجة ملحة لاستثمارٍ ضخم في سدّ ثغرات البيانات والمعارف، وإجراء البحوث وتطوير التقنيات الملائمة، وتهيئة الحوافز لضمان تبني الممارسات المناخية الذكيّة في الزراعة.

غير أن التمويل مطلوبٌ أيضاً من أجل إعادة بناء خدمات الإرشاد الزراعي الوطنية التي أدرجت طي الإهمال مِراراً وتكراراً، والمُقدَّر أن لها دوراً رئيسيّاً في دعم المُزارعين خلال الفترة الانتقالية إلى مرحلة "الزراعة الذكية مناخياً".

وفي هذا الصدد تحذِّر المنظمة "فاو" من أنّ الموارد غير كافية البتة حالياً لتمويل جهود مساعدة الزراعة والمُزارعين في التأهُّب لتغيٍّر المناخ، لا سيما لدى العالم النامي.

ويشرح التقرير أن "تغيٍّر المناخ سيزيد احتياجات الاستثمار الكليّة اللازمة لتحقيق الأمن الغذائي، بينما لا يكفي تمويل الموارد المتاح حالياً البتة"؛ ويضيف أن "تمويلات موازَنة تغيٍّر المناخ قيد النقاش حالياً لا تضع في اعتبارها عَلناً مُتطلبات الزراعة لدى البلدان النامية، وأن من المُستبعد أنّ تكفي الموارد العامّة أو الخاصّة وحدها بل لا بد للسبُل الإبداعية التي تمَزج هذه الموارد معاً أن تتحدّى آليات التمويل القائمة".

ويستشهد التقرير بتقديرات البنك الدولي للتكاليف السنوية المطلوبة بغية مُجابهة تغيُّر المناخ والتكيُّف له في غمار جهود تطوير الزراعة على الصعيد العالمي، بما يتراوح بين 2.5- 2.6 مليار دولار أمريكي سنوياً خلال الفترة من عام 2010 إلى عام 2050؛ بالإضافة إلى تقديراتٍ موازية للاستثمار الإضافيّ والتدفّق المالي الذي تحتاجه البُلدان النامية للتخفيف من آثار الظاهرة على القطاع الزراعي، وتبلغ نحو 14 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030.

سياساتٌ أفضل؛ مؤسساتٌ أقوى

وما يؤكده تقرير المنظمة "فاو" أيضاً فهو الحاجة العاجلة إلى مُناسقةٍ أفضل على صعيد اختطاط السياسات فيما بين متطلَّبات الزراعة والأمن الغذائي وظاهرة تغيُّر المناخ.

ويشرح التقرير أن "السياسات في كلٍّ من تلك المجالات الثلاث تؤثّر على نُظم الإنتاج في حالة صِغار المُزارعين... ومن هنا فإن ضَعف التماسك يمكن أن يمنعهم من الارتباط بتدابير التآزر، أي فيما يؤكّد الحاجة مجدداً إلى ضرورات  إرساء آليّاتٍ تسمح بالحوار فيما بين صُنّاع السياسات المختصين بتلك المجالات".

كذلك فإن تحسين آليّات وصول البيانات والمعلومات والمعارف العلمية إلى المُزارعين تبرُز ضمن العوامل المُساعِدة على تكيُّفهم، وذلك مجالٌ آخر بحاجة إلى الانتباه.

وما حذِّر منه التقرير أن نُظم الإرشاد الزراعي مثّلت في الماضي قناةً رئيسيّة لنشر المعلومات والمعارف في صفوف المزارعين، لكن تلك النُظم تدهورت لدى العديد من البُلدان النامية منذ فترةٍ طويلة. لذا تتيح آلية المدرسة الحقلية التي ابتكرتها المنظمة "فاو" قناةً إضافيّة لترويج نقل المعرفة والمساعدة على تبني أساليب "الزراعة الذكية مناخيّاً" من قِبل المُزارعين وتدريبهم عليها.

وعلاوة على هذا وذاك، يلاحظ التقرير أن إرساء نظمٍ جديدة فعّالة لتيسير الوصول إلى حقوق الحيازة واستخدامها، إلى جانب حقوق الملكية، من شأنها أن تدفع بالمُزارعين إلى  تجاوز التأثيرات السلبية لتغيُّر المناخ. كذلك ثمة مجالٌ لاستقصاء نماذجٍ جديدة من التأمين والضمان لمساعدة المُزارعين على تحمُّل آثار تغيُّر المناخ.

وقد أصدرت المنظمة "فاو" دراستها هذه قبيل بدء أعمال المؤتمر العالمي القادم حول الزراعة والأمن الغذائي وتغيُّر المناخ، الذي يُعقد في مدينة لاهاي (31 اكتوبر/تشرين الأوّل- 5 نوفمبر/تشرين الثاني).