دافيد سبونر

خرائط طرق لأصول البطاطا

دافيد سبونر اختصاصي في علم تصنيف النباتات لدى وزارة الزراعة في الولايات المتحدة (USDA)، يقوم بجمع البطاطا البرية والزراعية ودراسة الحدود الفاصلة بين أنواعها والعلاقات فيما بينها. وقد ساعدت اكتشافاته الحديثة على اعادة كتابة كثير مما كنا نظن أننا نعرفه بشأن أصل البطاطا الزراعية وتطورها.

لقد شاركت عام ٢٠٠٥ في كتابة ورقة قلبت الأفكار السابقة بشأن تاريخ تطور البطاطا رأساً على عقب. فما هي النتائج التي توصلت اليها؟

"كان ما أثبتناه هو أن البطاطا الزراعية لها مكان نشأة واحد فقط هو جنوبي بيرو. فقد كانت جميع المطبوعات حتى ذلك الوقت تفترض أن الأشكال الزراعية الأنديزية والشيلية المبكرة من البطاطا تطورت من أجداد عليا مختلفة. وكانت فرضيات التدجين بالنسبة للبطاطا قد افترضت هجيناً معقداً او أصولاً مستقلة متعددة مما يعرف بممجموعة المَغد قصير الذيل (Solanum brevicaule complex)، وهو مجموعة تتكون من ٢٠ طقسوس بري تحمل درنات وتتشابه الى حد كبير في الشكل انتشرت بصورة واسعة من وسط بيرو الى شمال الأرجنتين. أما الآن، فقد كنت أنا ومجموعة من الباحثين لدى معهد بحوث المحاصيل الأسكتلاندي نقوم بتحليل مُدخَلات أصناف البطاطا، وذلك كجزء من دراسة لتصنيف ذلك المركّب، وإذ بنا نحقق اكتشافاً مدهشاً: كانت كل المُدخلات على الصعيد الجزيئي تنتظم ضمن مجموعة واحدة، ولكن ليس في أماكن منفصلة على "شجرة نسب" تضم أنواعاً برية مختلفة مثلما يمكن للمرء أن يتوقع مع أصول منفصلة كثيرة. واستناداً الى نتائجنا الأولية مع هذه الأنواع الزراعية قمنا بتوسيع الدراسة كي تشمل تحليل واسمات دنا في ٢٦١ صنفا بريا و ٩٨ صنفا زراعيا من البطاطا. حيث أثبتت بياناتنا أن تلك الأصناف الأولى كانت قد نشأت من خط سَلَفي واحد في المكوّن "الشمالي" لمجموعة المَغد قصير الذيل في وسط أو جنوب بيرو."

وما مدى أهمية هذا الاكتشاف؟

"بالطبع كانت هذه الأنباء طيبة لبيرو، كما تعد مصدر فخر قومي لها. ولكن اذا ما وضعنا ذلك جانباً، فان الغرض من علم التصنيف هو المساعدة في تحديد ما الذي يمكن وصفه بأنه نوع، إضافةً الى تصنيف الأنواع في مجموعات ذات صلة، ما يقدم للباحثين الآخرين خارطة طريق تقود خطاهم على دروب البحث الصحيحة. أما اذا كان التصنيف سيئاً فستسير البحوث في طريق منحرف. ولقد حققنا كذلك اكتشافاً آخر هو أن ما كان يعتبر "أنواعاً" أعضاء في المجموعة الشمالية من المَغد قصير الذيل كانت سيئة التحديد، وأن دراسات جديدة قد تعيدها جميعاً الى نوع واحد ووحيد."

ثمة ورقة أخرى من أوراقك الجديدة حوّلت مسار البحوث عندما أعادت تصنيف البطاطا الزراعية ضمن أربعة أنواع.

"لقد كانت إحدى نتائج دراسة أجريتها لمصلحة المركز الدولي للبطاطا (CIP) في بيرو. حيث أتممنا واحدة من أكبر الدراسات التي أجريت على الواسمات الجزيئية لأصناف المحاصيل، وشملت ٧٤٢ صنفاً من كافة أنواع البطاطا الزراعية وثمانية أجداد لأنواع برية ذات صلة وثيقة بها. فقبل هذه الورقة كانت هناك أفكار مختلفة كثيرة بشأن عدد أنواع البطاطا الزراعية – حيث حدد تصنيف [اختصاصي علم وراثة النباتات البريطاني] جى. جي. هوكس الذي يستخدم على نطاق واسع سبعة أنواع وسبعة نويعات، في حين تمكن اختصاصيو التصنيف الروس من التعرف على ما يصل الى ٢١ نوعاً. غير أنه بالاقتران مع نتائج التحليلات المورفولوجية السابقة التي اجريت مع المركز الدولي للبطاطا وجد تحليلنا أربعة أنواع فقط: نوع سولانوم تيوبروسَم (Solanum tuberosum) الذي يقسم الى مجموعتين من الأصناف هي الأنديزية والشيلية، وثلاثة أنواع زراعية مهجنة من "البطاطا المرّة". كما وجدنا أن التحديد المتّسق والثابت "للأنواع" الموهومة الأخرى يعدّ أمراً مستحيلاً، ولم يخلق سوى المزيد من البلبلة."

دعنا ننتقل الآن الى ورقتك الحديثة الثالثة التي نشرتها عام ٢٠٠٨ بشأن إدخال جيرمبلازم شيلي في البطاطا الحديثة. ماذا كانت المسألة التي تناولتها؟

"إن جميع أصناف البطاطا الحديثة يوجد بها جيرمبلازم شيلي على نحو مهيمن. وكي أوضح ذلك أقول بان الباحثين الروس افترضوا أن البطاطا التي أدخلت الى أوروبا كانت أصنافاً شيلية، بينما ظن الباحثون البريطانيون أنها جاءت من جبال الأنديز ولكن قضي عليها إبان أوبئة مرض اللفحة المتأخرة في أربعينات القرن ١٩ وحلت مكانها أصناف تم ادخالها من شيلي. وقد قمت الى جانب تلميذي مرسيدس آمز بمحاولة للاجابة على هذا السؤال، وذلك من خلال فحص ٤٩ عينة من مَعشبات أوروبية جمعت بين عامي ١٧٠٠ و ١٩١٠ للبحث عن واسم دنا يميز الأصناف الأنديزية عن الأصناف الشيلية. وقد أثبتت النتائج أن البطاطا الأنديزية قد سادت بالفعل في أوروبا في أوائل القرن ١٨ واستمرت حتى عام ١٨٩٢(أي الى مدة طويلة بعد أوبئة اللفحة المتأخرة)، في حين أن البطاطا الشيلية كانت قد ظهرت لأول مرة في أوروبا في عام ١٨١١ ثم باتت هي السائدة قبل مدة طويلة من أوبئة اللفحة المتأخرة."

ربما كان هذا السؤال سؤالاً غريباً. كونك عملت في جمع البطاطا من كل أنحاء القارات الأمريكية كل سنة منذ عام ١٩٨٩، فهل تكوّنت لديك "علاقة روحية" مع هذا النبات؟

"ليست البطاطا هي الدافع الرئيس لدي للعمل. فوزارة الزراعة الأمريكية توجهني للعمل في مجال البطاطا، غير أن الدافع الحقيقي للعمل لدي هو التدريب العقلي على العثور على إجابات للأسئلة الصعبة التي تفرضها البطاطا من جانب تصنيفي وجانب أحيائي. وما جعل هذه الوظيفة فاتنة لي هو البنية الأساسية الهائلة المتاحة لبحوث البطاطا والتي تجعل تلك الإجابات أمراً ممكناً."