التراث الأنديني

فجر الزراعة

تروي أساطير قبائل الإنكا أن الخالق فيراكوشا سبّب انبثاق الشمس والقمر والنجوم من بحيرة تيتيكاكا. وخلق الزراعة كذلك حينما أرسل ولديه الى مملكة البشر بغية دراسة وتصنيف النباتات النامية فيها. فقاما بتعليم السكان كيفية بذر المحاصيل وكيفية استخدامها كي لا ينقصهم الغذاء أبدا.

تبدأ قصة البطاطا منذ ٨٠٠٠ سنة خلت بالقرب من بحيرة تيتيكاكا التي تقع على ارتفاع ٣٨٠٠م فوق سطح البحر في سلسلة جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية على الحدود بين بوليفيا وبيرو. فهناك – كما تشير الدلائل – بدأت مجتمعات الصيادين والجمّاعين التي دخلت قارة أمريكا الجنوبية لأول مرة قبل نحو ٧٠٠٠ عام تدجين نباتات البطاطا البرية التي كانت تنمو بصورة وفيرة حول البحيرة.

يوجد نحو ٢٠٠ نوع من البطاطا البرية في الأمريكتين. غير ان المزارعين المقيمين في جبال الأنديز الوسطى هم الذين نجحوا في انتخاب وتحسين أول محصول من ما أصبح بعد مضيّ آلاف السنوات مجموعة مذهلة من محاصيل الدرنات. بل الحقيقة أن ما نعرفه اليوم بانه "البطاطا" يحتوي على جزء ضئيل فحسب من التنوع الوراثي الموجود في أنواع البطاطا السبعة المعروفة، وأن ثمة ٥٠٠٠ صنف من البطاطا ما زالت تزرع في جبال الأنديز.

وعلى الرغم من أن مزارعي جبال الأنديز زرعوا الكثير من المحاصيل الغذائية ومن ضمنها الطماطم والفاصوليا والذرة فقد أثبتت أصناف البطاطا لديهم أنها ملائمة على نحو خاص لمنطقة كويشوا أو "الوادي" التي تمتد على ارتفاعات تتراوح بين ٣١٠٠ الى ٣٥٠٠م في منحدرات جبال الأنديز الوسطى (كان الكويشوا يعرف بين شعوب جبال الأنديز بأنه منطقة "الحضارة"). غير أن المزارعين استنبطوا كذلك نوعاً من البطاطا يتميز بمقاومته للصقيع يعيش في التندرة الصرودية الواقعة في منطقة بونا على ارتفاع ٤٣٠٠م.

وقد أتاح الأمن الغذائي الذي توفره الذرة والبطاطا – يساندهما في ذلك تطوير الري وعمل المساطب – بزوغ حضارة هواري في مرتفعات حوض أياكوشو قرابة العام ٥٠٠ بعد الميلاد. وفي الفترة ذاتها تقريباً ظهرت دولة تياهواناكو المدينية بجوار بحيرة تيتيكاكا، وذلك بفضل تكنولوجيا "الحقول المرفوعة" المعقدة – عبارة عن مساطب مرفوعة من التربة تكسوها صفوف من قنوات المياه – التي أنتجت غلال بطاطا قدّرت بنحو ١٠ طن للهكتار. حيث يعتقد بأن عدد سكان تياهواناكو والوديان المجاورة لها قد بلغ نحو ٥٠٠٠٠٠ نسمة أو أكثر عندما كانت في أوج عظمتها قريباً من سنة ٨٠٠ بعد الميلاد.

ظهور شهابي: لقد أدى انهيار حضارة هواري و تياهواناكو بين عامي ١٠٠٠ و ١٢٠٠ الى نشوء فترة من الاضطرابات التي انتهت بالظهور الشهابي لقبائل الإنكا في وادي كوزكو قريباً من عام ١٤٠٠. وخلال مدة تقل عن ١٠٠ سنة أنشأ الإنكا أكبر دولة في أميركا ما قبل كولومبوس، حيث امتدت من ما يعرف الآن بالأرجنتين الى كولومبيا.

قامت قبائل الإنكا بإدخال وتحسين أشكال التقدم الزراعي التي كانت قد حققتها ثقافات المرتفعات السابقة، كما أولت عناية خاصة لإنتاج الذرة. غير أن البطاطا كانت متطلباً أساسياً للأمن الغذائي في أمبراطوريتهم: حيث كانت البطاطا (وبصورة خاصة منتج شونو المعمول من البطاطا المجففة بالتجميد) واحداً من أهم المواد الغذائية الموجودة في المنظومة الواسعة من مستودعات الدولة لدى الإنكا، فقد كانوا يستخدمونها لإطعام المسؤولين والجنود وعمال السُّخرة وكذلك كمخزون للطوارئ عقب فشل المحصول.

وفي عام ١٥٣٢ قضى الغزو الأسباني على الإنكا، غير أنه لم يقض على البطاطا. وذلك لأن البطاطا بجميع أشكالها كانت عبر تاريخ جبال الأنديز كله "غذاء السكان"، كما كانت تلعب دوراً مركزياً في التصور الأنديزي للعالم (حيث كان الزمن مثلاً يقاس بالمدة التي يستغرقها طهي قِدرٍ من البطاطا).

وما زال المزارعون في بعض أنحاء جبال الأنديز العالية يقيسون الأرض بوحدة قياس تسمى توبو، أي المساحة التي تحتاج اليها الأسرة كي تزرع البطاطا التي تحتاج اليها – تكون التوبو أوسع على الارتفاعات الشاهقة حيث تحتاج قطع الأراضي لفترة راحة أطول. كما أنهم لا يصنفون البطاطا تبعاً للنوع والصنف فحسب بل ويصنفونها كذلك تبعاً للنافذة الإيكولوجية التي تنمو فيها الدرنات بصورة أفضل، ولذلك ليس من الغريب أن تجد أربعة أو خمسة أنواع مزروعة في قطعة منعزلة صغيرة من الأرض.

وما زالت زراعة البطاطا هي النشاط الأهم خلال السنة الزراعية بالقرب من بحيرة تيتيكاكا حيث تعرف البطاطا باسم ماما جاثا أو أم النمو. وما زالت البطاطا هي البذرة التي ينمو منها مجتمع جبال الأنديز.