اليوم والناس في كل مكان في العالم مجتمعون احتفالا بيوم الأغذية العالمي، الذي يوافق الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس منظمة الأغذية والزراعة، أشعر بخيبة الأمل وأنا أرى أنه ليس يوم عيد لكل إنسان. فهناك قرابة 800 مليون من شعوب العالم النامي الذين يبقون أسار حلقة مفجعة من الجوع والفقر. وفي يقيني أنه إذا أردنا تخفيض هذا العدد، فلا بد لنا من الإعتراف بالروابط المعقدة بين هاتين المشكلتين. ولئن كان الجوع هو عاقبة الفقر، فالعكس صحيح أيضا: فالجوع مبعث الفقر.
وهذا هو الدافع وراء اختيار موضوع "مكافحة الجوع لتخفيض الفقر "شعارا لاحتفالات يوم الأغذية العالمي لهذا العام. وفي اعتقادي الراسخ أن مكافحة الجوع هي واجب أخلاقي علينا. ولكني أقول أيضا، ما لم نضمن هذا الحق الأساسي من حقوق الإنسان، لن يكون هناك أي تقدم حقيقي ودائم في معركتنا ضد الفقر.
وما يدعو للأسف أنه في حين أعلن المجتمع العالمي تعهدا جادا بالتركيز على الفقراء في العالم، فإنه أخفق حتى الآن في أن يعطي أهمية كافية للمعركة ضد الجوع. ويجب أن تتغير هذه النظرة. ونقص التغذية لا يقتصر تأثيره على إصابة الناس بالضعف، بل أنه يصيب الأمم أيضا بالوهن. فالأمهات اللاتي لا يجدن ما يكفي لغذائهن، يلدن أطفالا ناقصي الوزن، تظل صحتهم ونموهم مهددين بالأخطار لما تبقى من حياتهم. والأطفال الذين يهجعون إلى أسرّتهم جياع لن يتمكنوا من مقاومة الأمراض والعدوى، ولا بوسعهم التركيز على التحصيل السليم في المدرسة، وبذا يفقدن فرصة العمر كله في النجاة من شراك الجوع والفقر. والبالغون ممن يعانون نقص التغذية يكونوا بطيئي الحركة وأقل انتاجية في أعمالهم بينما أجسادهم تجاهد في الحفاظ على القليل مما فيها من قوة. وعسير على أمة من الجياع أن تنمو وأن تزدهر.
ولقد أظهرت دراسة أجريت مؤخرا أنه لو تسنى للبلدان النامية ذات المعدلات العالية من نقص التغذية، أن تزيد المتحصلات من الغذاء إلى مستوى كاف، لزاد إجمالي ناتجها المحلي، خلال الثلاثين عاما الماضية، بما يصل إلى 45 في المائة.
ولا أنادي بضرورة مكافحة الجوع لمجرد أن ذلك سليم من الوجهة الاقتصادية. إذ أن ذلك يعني إغفال أن جميع الناس لهم حقهم الإنساني الأساسي في التحرر من الجوع. ففي اعتقادي أن من المهم أن نعترف بأن الجوع يستحق ذات الاهتمام الذي يلقاه الفقر عندما ننظر إلى أولويات التنمية العالمية. ومما يبعث على الأسى أننا، ونحن في فجر الألفية الثالثة، ما زلنا بعيدين عن أن نكفل لجميع الناس في كافة أرجاء المعمورة ما يكفي لغذائهم أينما وحيثما كانوا في حاجة إليه.
وقبل خمس سنوات خلت، اجتمع قادة العالم في روما في مؤتمر القمة العالمي للأغذية، وأعلنوا التزامهم الجاد بخفض عدد الجياع من 800 مليون نسمة إلى 400 مليون نسمة بحلول عام 2015. وفي حين أن بعض البلدان حققت خطوات باهرة في جهودها لتخفيض الجوع والفقر، فإن الهدف الذي حدد قبل خمس سنوات مضت، ما زال بعيد المنال. والإجابة لا تكمن في مجرد زيادة الإنتاج الزراعي. وسخرية الأقدار أن العالم الآن لديه من الغذاء ما يكفي لاطعام كل رجل وإمرأة وطفل على ظهر هذه الأرض. وإذا ما تسنى تقاسم كل ما ينتج من غذاء في العالم، بصورة متساوية بين سكانه، لحصل كل إنسان على 760 2 سعرا حراريا يوميا، أي بأكثر مما يكفي ليعيش حياة موفورة النشاط والصحة.
وندرك جميعا أن الواقع مخالف تماما، وأنه نتيجة عوامل الإنتاج، والوصول والتوزيع، هناك فوارق هائلة وغير مقبولة بين من يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الموارد، ومن يفتقرون إليها. غير أن بالإمكان معالجة هذا الاختلال. ويتحقق ذلك بزيادة التركيز والجهود والموارد لصالح المناطق الريفية التي يقطنها 70 في المائة من الجياع والفقراء في العالم. ولتعظيم إمكانيات الوصول إلى الغذاء والدخل، تحتاج المناطق الريفية للاستثمارات في الرعاية الصحية، وفي التعليم والاتصالات والبنى الأساسية. ويستوجب ذلك أن تكرس مؤسسات التمويل والجهات المتبرعة والحكومات الوطنية، مزيدا من الاستثمارات في الزراعة. وعوضا عن ذلك، تظل مساعدات التنمية الرسمية إلى الزراعة، في تناقص مستمر. ومع ذلك، فقد أسعدني أن ألاحظ خلال قمة الثمانية في جنوة، ايطاليا، في يوليو/ تموز الماضي أن الدعم للزراعة باعتباره عنصرا رئيسيا في مساعدات التنمية الرسمية، فضلا عن الأمن الغذائي والتنمية الريفية، سيكون محط الاهتمام في قلب استراتيجيات استئصال الفقر.
وفي اعتقادي الراسخ أن فكرة توفير الغذاء للجميع ليست حلما مستحيلا، وأنه لا يزال بالإمكان تحقيق الهدف الذي حدد عام 1996. وعندما تفد الحكومات إلى ايطاليا في نوفمبر/تشرين الثاني لحضور مؤتمر القمة العالمي للأغذية: خمس سنوات بعد الانعقاد، سيطلب منها أن تؤكد أن الوعود التي بذلت، ليست وعودا جوفاء. كما ستذكر بأن تجعل من العالم المتحرر من الجوع واقعا حقيقيا، وأنه لا بد لها من أن تكرس له الموارد الضرورية وتسخر له الإرادة السياسية. وأدعو كل فرد بمناسبة يوم الأغذية العالمي هذا، أدعو قادة العالم، ومنظمات المجتمع المدني، والشركاء في التنمية، والشركات الخاصة، والجهات المتبرعة والمجتمع العالمي برمته - أن تعي أنه حيثما كان هناك بشر يعانون نقص التغذية المزمن، فلا أمل لنا في رؤية عالم بلا فقر. يجب أن نتصدى للمشكلتين معا، وموعد هذه المعركة لمكافحة الجوع وتخفيض الفقر هو الآن.