IGWG RTFG /INF 4
حزيران / يونيو 2004

 

تقرير

PDF 235 KB

جماعة العمل الحكومية الدولية المعنية بوضع مجموعة
من الخطوط التوجيهية الطوعية لدعم الإعمال المطرد
للحق في غذاء كاف في سياق الأمن الغذائي القطري

روما

تنفيذ الحق في الغذاء الكافي: النتائج التي تمخضت عنها ست دراسات حالة

بيان المحتويات

ألف - مقدمة

باء - الغذاء باعتباره حقا من حقوق الإنسان

جيم - الإطار المتعلق بالسياسات

دال - الإطار القانوني

هاء - الإطار المؤسسي

واو - التطبيق الفعلي للحق في الغذاء: بعض المسائل الأساسية

زاي - استنتاجات

ألف - مقدمة

1- ما هو السبيل إلى تنفيذ الحق في الغذاء الكافي على مستوى البلدان؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي تستكشفه هذه الورقة بالاستناد إلى دراسات حالة تتناول تنفيذ الحق في الغذاء في خمسة بلدان، وإلى اجتماع انعقد من 16 إلى 18 فبراير/شباط 2004 ونوقشت خلاله دراسات الحالة هذه.

2- تسعى دراسات الحالة هذه إلى جمع المعلومات عن التجارب العملية ضمن بلدان تتبع سياسات وبرامج وآليات مختلفة، بما فيها الأطر القانونية والمؤسسات والعمليات التي تفضي إلى إعمال حق السكان في الغذاء الكافي. وتعالج كل حالة مواطن الضعف التي تعاني منها السياسات الحالية بهدف استخلاص الدروس منها. ويهدف تجميع هذه المعلومات من خلال دراسات الحالة القطرية إلى توسيع نطاق فهم الإعمال المطرد للحق في غذاء كاف في سياق الأمن الغذائي القطري.

3- اختير عدد من البلدان النامية، وكذلك بلد عضو من منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي لإجراء دراسات الحالة بسبب خبرتهم في السعي لتطبيق نهج قائم على الحق في الغذاء في إطار الأمن الغذائي القطري. والبلدان المختارة هي: البرازيل، كندا، الهند، جنوب أفريقيا وأوغندا. كما أجرت ولاية أوريسا الهندية دراسة منفصلة.

4- تحاول دراسات الحالة تقييم ما يلي: 1) مدى تطبيق النهج القائم على الحقوق على الأنشطة المتعلقة بالأمن الغذائي؛ 2) كيف يمكن تحسين تنفيذ هذا النهج؛ 3) إلى أي مدى يمكن استنساخ تجربة قطر ما؛ 4) هل يمكن استخلاص أي دروس عملية للإسهام في صياغة الخطوط التوجيهية الطوعية1.

5- ركزت دراسات الحالة والاجتماع على أربعة مجالات أساسية ذات صلة بتنفيذ الحق في الغذاء وهي: الغذاء باعتباره حقا من حقوق الإنسان، الإطار المتعلق بالسياسات، الإطار القانوني، الإطار المؤسسي. كما دُرس عدد من المسائل الأساسية ذات العلاقة بالتطبيق الفعلي للحق في الغذاء على المستوى القطري. وتتيسر دراسات الحالة الفردية (بالإنجليزية فقط) من منظمة الأغذية والزراعة كمرفقات بهذا التقرير وبناء على طلب خاص. كما يمكن الحصول عليها من موقع المنظمة على الانترنت وعنوانه: www. fao.org/righttofood


باء - الغذاء باعتباره حقا من حقوق الإنسان

6- الحق في الغذاء الكافي وفي التحرر من الجوع هو حق راسخ في القانون الدولي، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 (المادة 25-1) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1996 (المادة 11-1 و2) واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 (المادة 24-1). وعبر توقيع هذه الصكوك القانونية، تقر الدول بواجب التقيد بالإعمال المطرد للحق في الغذاء الوارد فيها وحمايته والوفاء به (أي تسهيل تحقيقه وتيسيره كحل أخير)، بما في ذلك الحق في غذاء كاف. ويتم إعمال الحق في الغذاء الكافي "عندما يتيسر لكل رجل وامرأة وطفل، سواء كان وحيدا أو ضمن جماعة، الوصول المادي والاقتصادي، في كافة الأوقات، إلى الغذاء الكافي أو الوسائل اللازمة للحصول عليه"، وفقا لما يحدده التعليق الثاني عشر، وهو تفسير قانوني موثوق لهذا الحق2.

7- تستند دراسات الحالة هذه إلى هذا الفهم المقبول دوليا لمعنى الحق في الغذاء الكافي. كما تبرز هذه الدراسات عددا من السمات المشتركة للنهج القائم على الحقوق والمتبع في تحقيق الأمن الغذائي، وفقا لما يلي.

8- يشدد النهج القائم على الحقوق والمتبع في تحقيق الأمن الغذائي على تلبية الحاجات الأساسية للبشر باعتبارها حقا، لا عملا خيريا. وفي هذا النهج تعتبر الشعوب حكوماتها مسؤولة أمامها، كما تشارك في عملية التنمية البشرية بدلا من لعبها دور المتلقي السلبي. والنهج القائم على الحقوق لا يهتم فقط بالنتيجة النهائية المتمثلة في القضاء على الجوع، بل بالطرق والأدوات المستخدمة للتوصل إلى هذا الهدف، وتطبيق مبادئ حقوق الإنسان هو جزء لا يتجزأ من العملية. تشمل أهم مبادئ حقوق الإنسان في ميدان وضع السياسات وتنفيذها ما يلي: المساءلة، عدم التمييز، الشفافية، التمكين والمشاركة. كما يعد النظام القضائي المستقل عاملا أساسيا في توفير حماية فاعلة لحقوق الإنسان على المستوى القطري.

9- إن النهج القائم على الحقوق يضع السلطة في يد أصحاب هذه الحقوق عبر إتاحة الفرصة أمامهم كي يصبحوا أطرافا فاعلين في إعمال الحق في الغذاء. ويمكن التوصل إلى ذلك عبر آليات قانونية أو إدارية أو سياسية. ويمكن لأصحاب الحقوق، سواء كانوا أفرادا أم جماعات، وفي ظروف معينة، أن يطالبوا حكوماتهم باحترام وحماية حقوقهم والوفاء بها.


جيم - الإطار المتعلق بالسياسات

بيئة مؤاتية متعلقة بالسياسات

10- تشدد كافة دراسات الحالة على أهمية البيئة المؤاتية المتعلقة بالسياسات في إنجاز الحق في غذاء كاف. وبالرغم من أن البلدان الخاضعة للدراسة تتبع سياسات متنوعة فيما يتعلق بالغذاء، إلا أنها تتقاسم بعض السمات المشتركة والدروس المستخلصة في تحديد ماهية البيئة المؤاتية المتعلقة بالسياسات في ميدان الحق في الغذاء.

11- تترجم السياسات العامة عند تدارسها من وجهة نظر حقوق الإنسان إلى نهج تنموي يتخذ من الواجب المتمثل في إنجاز حقوق الإنسان العالمية للجميع نقطة انطلاق له، ويستدعي هذا الأمر بدوره التركيز على الفئات التي لم تتوصل بعد إلى إعمال كافة حقوقها، وعلى مشاركتها في صياغة وتنفيذ وتقييم السياسات، بدلا من اعتماد نهج تنازلي.

12- إن السياسات العامة التي تقر بمبدأ عدم التجزئة والارتباط بين حقوق الإنسان كافة، تعتبر الحق في الغذاء مرتبطا بالحقوق الأخرى، على غرار الحق في المياه والصحة والعمل والسكن وغيرها من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك الحقوق المدنية والسياسية، على غرار حرية التجمع والمعلومات وإقامة الروابط. كما تقر أيضا بالحق الشامل في عدم التمييز. وعندما تقوم السياسات العامة على عدم الفصل بين حقوق الإنسان، فلم يكون من الممكن استخدام أحد هذه الحقوق على حساب الحقوق الأخرى.

المكانة المركزية لحقوق الإنسان

13- يزداد وعي وقبول صانعي القرار على المستوى الدولي وفي البلدان التي شملتها دراسات الحالة للمكانة المركزية التي تحتلها حقوق الإنسان في ميدان التنمية، ولأهمية النهج القائم على الحقوق بالنسبة للأمن الغذائي والتغذوي.

14- ففي جنوب أفريقيا على سبيل المثال، يضرب الحق في الغذاء جذوره في الدستور، وتتمتع لجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا بالسلطة اللازمة لرصد تنفيذ هذا الحق. كما تعمل البرازيل على إنشاء بنية مؤسسية تتضمن رؤية لحقوق الإنسان، من بينها الحق في الغذاء، ضمن الأهداف الأساسية لسياسة الأمن الغذائي القطرية الرامية إلى القضاء الكامل على الجوع. وينص الدستور الهندي على حماية الحق في الغذاء باعتباره جزءا لا يتجزأ من الحق في الحياة. وفي أوغندا تسهم التدابير الرامية إلى إعادة إحلال وتشجيع النظام الدستوري والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم والاستقرار، وكذلك الجهود للتقدم على طريق التسيير اللامركزي والتشاركي، في تكوين بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية مؤاتية لإنجاز الحق في الغذاء. وقد لعبت البيئة الدولية الداعمة لحقوق الإنسان دورا هاما في هذا الميدان.

الخطط القطرية المدمجة والمنسقة

15- يلعب وضع سياسة شاملة ومدمجة للأمن الغذائي تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان دورا مركزيا في إنجاز الحق في الغذاء الكافي على المستوى القطري. وتتمثل نقطة البداية لمثل هذه السياسة في تحليل اجتماعي ـ اقتصادي معمّق للفئات التي ينتهك حقها في الغذاء أو لم يتم إعماله بعد، وتحديد مكانها وأسباب ضعفها.

16- تمتلك جنوب أفريقيا عددا من السياسات المدمجة، من بينها الاستراتيجية المدمجة للتنمية الريفية، وبرنامج مدمج للتغذية، واستراتيجية مدمجة للأمن الغذائي. وتتبنى هذه الاستراتيجية أهداف إعلان مؤتمر القمة العالمي للأغذية وخطة عمله، وأهداف التنمية للألفية الرامية إلى خفض عدد الجياع إلى النصف مع حلول 2015، كما تدعم الاستراتيجية المدمجة للتنمية الريفية المستدامة. أما الاستراتيجية المدمجة للأمن الغذائي فتدعو إلى إنشاء بنية إدارة جامعة لمختلف المصالح والقطاعات، وتمثل البيان الإداري الأكثر انسجاما بشأن الأمن الغذائي في جنوب أفريقيا حتى اليوم، كما تعكس اتباع نهج قائم على الحقوق في معالجة الأمن الغذائي، على الرغم من أن الأجزاء الجامعة للمصالح من هذه الاستراتيجية ما زالت تحتاج إلى مزيد من التفصيل.

17- ومثال آخر هو سياسة الأغذية والتغذية في أوغندا، وهي أول السياسات الاجتماعية ـ الاقتصادية الأوغندية التي تدعو إلى اتباع نهج قائم على الحقوق في تنفيذهاـ رغم أنها لم توضع صراحة ضمن إطار ذي بعد قائم على حقوق الإنسان. وسيضمن هذا الأمر من خلال خطة للعمل الاستراتيجي والاستثمار.

18- تبين خبرات البلدان أن الخطط القطرية للحق في الغذاء والأمن الغذائي لا بد وأن تجمع كافة الإدارات الحكومية لضمان أكبر قدر ممكن من الفعالية، بما في ذلك المالية والعدالة.

19- تعرض كندا، باعتبارها دولة فدرالية على قدر كبير من اللامركزية، مسائل تسيير معقدة فيما يتعلق بإعطاء الأولوية على سلم اهتماماتها للأمن الغذائي والتنمية وتنفيذ سياسة مدمجة للأغذية والتغذية، وإقامة شبكة أمان اجتماعية ملائمة وآمنة قائمة على حق الإنسان في الغذاء الكافي. ونتيجة لذلك فإن السياسة الغذائية الكندية تبدو مبعثرة العناصر، على الرغم من أن سياسة الأمن الغذائي قد صيغت كمتابعة لمؤتمر القمة العالمي للأغذية الذي يقر بالحق في غذاء كاف.

20- ويمكن التغلب على هذا التبعثر من خلال وضع سياسة قطرية مدمجة للأغذية والتغذية واستراتيجية عمل قطرية تهدفان إلى الارتقاء بالسكان إلى أفضل مستوى تغذية ممكن. وقد تنص خطة العمل القطرية هذه على المشاركة الكاملة للوزارات المعنية، بما فيها وزارة العدل الفدرالية وعلى مستوى الولايات ، وممثلي المجتمع المدني والصناعات الغذائية. وفي ظروف مثالية، تحدد الخطة نماذج وأهدافا وأطرا زمنية ومعايير للمساءلة، كما يجب أن تحدد تكاليفها وأن تتوافر لها آليات تمويل وافية.

21- تنحى السياسة الاجتماعية نحو التبعثر في البرازيل أيضا. بيد أن برنامج القضاء على الجوع يبذل جهدا كبيرا لتحسين التنسيق بين المؤسسات. كما يجري التوحيد بين برامج التحويل المباشر للدخل ضمن برامج Bolsa Familia التي يحق من خلالها للعائلات ذات الدخل المنخفض الحصول شهريا على معونات من برامج مختلفة وفقا لكل حالة. ويختلف أحد هذه البرامج المسمى Cartao alimentaçao (القسيمة الغذائية) عن السياسات التقليدية المتمثلة في تيسير المواد الغذائية الأساسية لمكافحة الجوع، إذ يقيم صلات بين المستهلكين من ذوي القدرة الشرائية الضعيفة وصغار منتجي الأغذية. وستصبح هذه البرامج لا مركزية، وستلعب حكومة الولاية والبلدية دورا نشطا فيها.

22- وللتنسيق ميزاته، فقد أظهرت دراسات الحالة عموما أن الرقابة اللامركزية على برامج الحق في الغذاء التي تشجع مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار وتتيح لهم مجالا أوسع لممارسة حقوقهم وواجباتهم، تسهم أيضا في الحد من الفساد. وهناك أمثلة تبين أنه تم احتواء إساءة استخدام الأموال العامة من خلال الرقابة التي تمارسها الحكومة المركزية أو المنظمات غير الحكومية.

23- وفي أوغندا يقوم وضع السياسات وتصميم البرامج وتنفيذها ورصدها وتقييمها على أساس مشاورات واسعة النطاق مع أصحاب الشأن، بما في ذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني وغيرهم من الشركاء التنمويين، ضمن إطار الحكومة اللامركزية.

تحقيق التوازن بين مكونات الأمن الغذائي

24- ليس من السهل على الدوام أن تتوصل السياسات الغذائية إلى تحقيق التوازن بين المكونات الأربعة للأمن الغذائي وهي: التوافر، الاستقرار، سهولة الوصول، الاستخدام. فحتى وقت قريب ربما غالت سياسات الأمن الغذائي في جنوب أفريقيا والهند مثلا، في التشديد على توافر الأغذية من خلال التركيز على زيادة إنتاج الأغذية لتحقيق الاكتفاء الذاتي القطري دون إيلاء ما يكفي من الانتباه للعوامل الأخرى التي تعيق وصول السكان إلى الغذاء.

25- وفي الهند، تجلى هدف السياسات الغذائية منذ الستينات في تعزيز الإنتاج الغذائي والزراعي، والسعي في الوقت نفسه إلى ضمان وصول الفقراء إلى كمية دنيا من الحبوب الغذائية عبر نظام التوزيع العام. وقد رفعت استراتيجية النمو في قطاع الزراعة من حجم الإعانات المقدمة للمدخلات، على غرار الكهرباء والمياه والأسمدة، كما نمى رأس المال الخاص بوتيرة سريعة، لاسيما في أقاليم الثورة الخضراء التي شهدت نموا زراعيا سريعا. وتواكب ذلك باستثمارات ضئيلة في الطرق الريفية والري والطاقة الكهربائية في الريف.

26- وقد حاولت السياسة الزراعية القطرية التي وضعتها الحكومة الهندية (2000) والبرامج المتصلة بها معالجة مواطن القصور هذه عبر وضع استراتيجية متمايزة إقليميا لإنماء البنى الأساسية، تستند إلى الشروط الزراعية - المناخية والموارد الطبيعية، إضافة إلى آليات أكثر فعالية لتسيير سياسة لا مركزية لشراء الأغذية.

27- وعلى النقيض من سياسات الاكتفاء الذاتي القطري التي اتبعها نظام التفرقة العنصرية، تقرّ سياسات الأمن الغذائي في جنوب أفريقيا حاليا بأن الإنتاج الكافي من الأغذية وتوافرها على المستوى القطري ليس الشرط الوحيد لتحقيق الأمن الغذائي. فهناك عوامل أخرى قد تؤدي على انعدام الأمن الغذائي بالرغم من كفاية الأغذية على المستوى القطري، كفشل أنماط المعيشة في ضمان الوصول إلى الغذاء الكافي. وفي ذلك إشارة إلى أهمية تمكين السكان من الحصول على الغذاء بأنفسهم، ووضع استراتيجيات وخطط وبرامج لمعالجة انعدام الأمن الغذائي حيثما أمكن.

تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحق في الغذاء

28- التخطيط مطلوب لتحقيق التوازن بين سياسات النمو الاقتصادي والتجارة وسياسات الحق في الغذاء. ويتبين ذلك من مثال أوغندا التي تتمتع ببيئة سياسات موجهة نحو الأهداف التنموية المساندة للفقراء. ويسعى أهم إطار للسياسات التنموية، وهو خطة العمل للقضاء على الفقر، إلى تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وأهداف الحد من الفقر. بيد أن القدر الأكبر من الاهتمام انصب حتى الحين على ركيزة النمو، وليس على التدخلات المستهدفة أو إعادة التوزيع. وبالتالي فإن خطة تحديث الزراعة وسياسة الأغذية والتغذية اللتان تحددان الأمن الغذائي والتغذوي كهدف أساسي لكل منهما، تسعيان إلى ترجيح عدم التوازن هذا.

29- وفيما يمكن أن يشكل النمو الاقتصادي والسياسات التنموية المساندة للفقراء عنصران متكاملان، فإن سياسات النمو الاقتصادي قد تهدد، في بعض الظروف، إعمال الحق في الغذاء للبعض. ففي أوغندا على سبيل المثال، يزعم أن المنحى الذي انتهجته الحكومة عبر تشجيع الاستثمار الأجنبي بهدف تنشيط النمو الاقتصادي قد هدد في بعض الحالات بحرمان صغار المزارعين من الأراضي التي تعد المصدر الأساسي للغذاء والإعاشة.

30- إن السياسات الرامية إلى تشجيع خصخصة الخدمات الاجتماعية، كالإرشاد الزراعي، تتطلب إخضاعها للتنظيم العام كي لا تؤثر سلبا على الحق في الغذاء. ففي أوغندا مثلا، أعيدت تسمية الإرشاد الزراعي بالخدمات الاستشارية الزراعية وترافق ذلك بتحول نحو تقديم الخدمة من القطاع الخاص. وينتظر من جماعات المزارعين أن يحددوا احتياجاتهم، وأن يطلبوا ويتلقوا الخدمات من القطاع الخاص. ويجب إيلاء الاهتمام للتحقق من أن في وسع صغار المزارعين الوصول إلى هذه الخدمات ودفع كلفتها.

العقدة الرابطة بين انعدام الأمن الغذائي وعدم المساواة

31- إن عدم التمييز والمساواة الموضوعية هما المبدآن الأساسيان اللذان ينبغي الترويج لهما في إطار سياسات الأمن الغذائي القائمة على الحقوق. فالوصول العادل إلى الموارد والأصول، كالموارد الطبيعية مثلا، بما فيها الأرض، لهو أمر هام للغاية لضمان الحق في الغذاء في المناطق الريفية. ويمكن تبين ذلك في جنوب أفريقيا حيث كان استلاب الأراضي سمة أساسية من سمات الاستعمار وسياسة التفرقة العنصرية، وما زال مسألة جوهرية ومثيرا للجدل في الغالب ضمن النظام الديمقراطي الجديد، إذ أن العديد من سكان المناطق القبلية محرومون من الحق المأمون في حيازة الأراضي أو الصكوك الملكية القانونية للأراضي التي يقطنون ويعملون فيها منذ أجيال، وهو ميراث مباشر لعمليات الحرمان من الملكية التي مارسها الاستعمار، وللقوانين العنصرية والحيازة الجماعية. وكانت النتيجة حلقة مفرغة أفضت إلى بقاء الجماعات الريفية في فقر مدقع، ويعود ذلك جزئيا إلى عدم تمكنهم من استخدام ملكيتهم الوحيدة كضمان لتمويل زراعة محصول نقدي مثلا. ومنذ تطبيق الديمقراطية في جنوب أفريقيا، اعتمد عدد من القوانين والسياسات في محاولة لإعادة التوازن في ميدان ملكية الأراضي وحماية حقوق الحيازة.

32- وللبرازيل أيضا ميراث مجحف في الوصول إلى الأراضي يستعصي على الحل بالرغم من الجهود التي يبذلها المعهد الوطني لتسوية المنازعات المتعلقة بالأراضي وإصلاحها، الذي كان له دورا أساسيا في توطين 866 372 عائلة بين 1995 و1999. وقد شدد مقرر الأمم المتحدة الخاص بشأن الحق في الغذاء على الحاجة إلى التسريع في إصلاح الأراضي، كما شجع عليه البرنامج القطري لتشجيع الزراعة العائلية والمنظمات الاجتماعية، على غرار حركة العاملين الريفيين دون أرض.

33 – تدل الدروس المستخلصة من تجربة البرازيل على الحاجة إلى وضع سياسات عامة تشجع التحسن الاقتصادي للجماعات الأكثر ضعفا، بما في ذلك تحسين الوصول إلى الأراضي والائتمان، وتكييفها لتتماشى والحاجات والظروف الخاصة لهذه الجماعات، بحيث يتسنى توجيه الموارد الضرورية إليهم على نحو كفؤ وفعال. لكن على غرار الحال في العديد من البلدان، فإن السياسات الرامية إلى ضمان الحق في الغذاء للجماعات الأكثر ضعفا لم تلق النجاح دوما.

34- النمو الاقتصادي عامل مركزي لتحقيق الأمن الغذائي، لكن التحولات الاجتماعية ضرورية أيضا لإعمال حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، وحتى في بلد آمن غذائيا ككندا التي تحتل مركز الصدارة في مؤشر التنمية البشرية، لم تتوصل سياسات النمو الاقتصادي إلى ضمان الأمن الغذائي على نحو كامل لرعاياها الأكثر ضعفا. ويقال بأن التغييرات الهيكلية والنظام الضريبي الصارم خلال التسعينات يكمنان وراء تدهور الخدمات الاجتماعية، التي أفضت بدورها إلى مزيد من الاعتماد على العمل الخيري الخاص ومثاله بنوك الأغذية.

35- يتمثل المبدأ الأساسي للاستراتيجية المدمجة الخاصة بالأمن الغذائي في جنوب أفريقيا بمعالجة مسألة الأمن الغذائي عبر ضمان وصول فئة السكان المستهدفة إلى الموارد الإنتاجية، وعبر تمكينها من الحصول على غذاء مغذٍ ومأمون. وحيثما يتعذر وصول شريحة ما من السكان إلى الموارد الإنتاجية، فإن التدخلات ذات الصلة بالأمن الغذائي تضمن وصولها إلى الدخل وفرص العمل بهدف تعزيز قدرتها الشرائية. وأخيرا فإن الشريحة التي يستمر استبعادها من بين السكان المستهدفين، بسبب عدم قدرتها أو شدة عوزها، ستتلقى المعونة من الدولة.

36- إن نهج الغذاء القائم على الحقوق يتطلب تيسير وصول الجميع إلى الغذاء. وعندما لا يتمكن السكان من الحصول على الغذاء بوسائلهم الخاصة، ينبغي وضع خطط أو برامج لمعالجة عدم قدرتهم على الوصول إلى الغذاء الكافي. ولا تتبع استراتيجية استهداف إلا إذا كانت الموارد غير كافية أو إذا انعدمت الوسائل اللازمة لمعالجة المشكلة، وينبغي حينئذ أن تعود بالفائدة في المقام الأول على العائلات الأشد فقرا. وعندها أيضا ينبغي أن يهدف العمل إلى إضفاء صبغة عالمية على هذه الاستراتيجية في الأجل المتوسط كي تطال جميع من يعانون من انعدام الأمن الغذائي والضعفاء أيضا، لا الفئات الأشد فقرا فقط.

37- وعلى سبيل المثال، وفي جنوب أفريقيا، لا يحصل على الضمان الاجتماعي كل من له الحق بذلك بسبب عدم التسجيل والافتقار إلى المعلومات وغيرها من المشاكل المتعلقة بالوصول. يضاف إلى ذلك وجود فئة من المحرومين الذين لا يحق لهم الحصول على أية مساعدة، أي إذا لم يكونوا من الشيوخ أو الشباب أو المعاقين أو المرضى، مما يخولهم الحصول على الضمان الاجتماعي. وقد أطلقت مجموعة من المنظمات غير الحكومية حملة "منحة الدخل الأساسي" لمعالجة موطن الضعف هذا. وتوضح الحملة أن منح كل فرد مبلغا شهريا صغيرا سيحل مشكلة ضعف الاستهداف وانعدام التسجيل، وسيتيح للأفراد استغلال طاقاتهم على نحو منتج. ويمكن استرجاع هذه المنحة عبر النظام الضريبي من أولئك الذين يكسبون ما يزيد عن مبلغ أدنى محدد.


دال - الإطار القانوني

38- يحظى حق كل فرد في الغذاء الكافي بمستوى معين من الحماية القانونية في كل من البلدان الخاضعة للدراسة. وتتخذ هذه الحماية القانونية أشكالا مختلفة، لكن لكل من البلدان طريقته الخاصة التي يمكن من خلالها للأفراد، وفي بعض الحالات للجماعات المطالبة بالغذاء الكافي باعتباره حقا، لا عملا خيريا.

عناصر الحماية الدستورية

39- الحق في الغذاء مسجل مباشرة في دستور بعض البلدان، فيما عمدت المحاكم في بعضها الآخر إلى تفسير الدستور على أنه يحمي الحق في الغذاء. وتختلف التشريعات التي تحمي الحق باختلاف البلدان هنا أيضا، وكذلك الآليات القانونية التي يمكن للأفراد /الجماعات استخدامها للمطالبة به. ففي بعض البلدان يترافق هذا الحق بأحقية قانونية، أي أن المحاكم تعمل على إنفاذ المطالبات المتعلقة به والموجهة إلى سلطات الدولة. وفيما يلي وصف لعناصر الحماية الدستورية وتشريعات البلدان الخاضعة للدراسة.

يعني حق المقاضاة أن في وسع المحاكم إنفاذ الحقوق. ومفهوم حق المقاضاة في ميدان الحقوق ليس بالجديد. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 يدعو إلى إيجاد حلول قضائية. وتوضح المادة 8 أن "لكل شخص الحق في أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية لإنصافه عن أعمال فيها اعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها له القانون. وبمعنى أوسع يمكن فهم حق المقاضاة على أنه إمكانية الوصول إلى "إنصاف" تشريعي أو إداري أو قضائي في طبيعته. وهذا هو مفهوم الإنصاف وفقا للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 2-3).

40- يمكن العثور على أساس قانوني للحق في الغذاء في دساتير عدد من البلدان التي تطالها دراسات الحالة. ويتجلى ذلك بقوة في حالة جنوب أفريقيا التي ينص دستورها على الحق في الغذاء وبصورة مباشرة في ثلاث إشارات صريحة، إذ: 1) يطالب الدولة باتخاذ تدابير تشريعية معقولة وتدابير أخرى، في حدود مواردها المتاحة، لإعمال حق كل امرئ في الوصول إلى الغذاء والماء الكافي على نحو مطّرد؛ 2) ينص على حق كل طفل في الغذاء الأساسي والمأوى وخدمات الرعاية الصحية الأساسية والخدمات الاجتماعية؛ 3) ينص على حق كل شخص معتقل وكل سجين حكم عليه بالحصول على الغذاء الملائم.

41- كما ينص دستور جنوب أفريقيا على أن "قانون الحقوق ينطبق على القانون ككل ويلزم السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وكافة هيئات الدولة" (القسم الثامن) ويفرض على الدولة واجب التقيد بأحكام قانون الحقوق وحمايته والترويج له والوفاء به. وتشكل هذه الأحكام الدستورية المفصلة بيئة مواتية للإعمال المطرد في الغذاء، ويمكن الاستشهاد بها في المحكمة.

42- وبغض النظر عن هذا الإطار الدستوري الراسخ الذي يتضمن أحقية قانونية واضحة للحق في الغذاء، يمكن العثور على الدعم لهذا الحق ولأحقيته القانونية في دساتير بلدان أخرى.

43- يتضمن دستور البرازيل أساسا قانونيا للحق في الغذاء الكافي، ويتضمن الدستور أحكاما عدة تفرض على الحكومة، على نحو مباشر أو غير مباشر، احترام حق المواطنين في الغذاء وحمايته والوفاء به. وقد حدد دستور 1998 أجرا أدنى موحدا في كافة أنحاء البلاد "يتيح تلبية الاحتياجات الحيوية الأساسية من المسكن والغذاء والتعليم والصحة"، من جملة الحاجات (المادة 7). كما يوضح أن من واجب الدولة "ضمان حق الطفل والمراهق في الحياة والصحة والغذاء والتعليم..." (المادة 227). وفي 2003، شمل إصلاح دستوري الحق في الغذاء باعتباره جزءا من الحقوق الاجتماعية لكل مواطن. ويقول النص الجديد: "تشتمل الحقوق الاجتماعية على التعليم والصحة والغذاء والعمل والسكن، وفقا لما يحدده هذا الدستور..." (المادة 6)

44- وبالرغم من أن دستور أوغندا لا يعترف بالحق في الغذاء كحق أساسي، إلا أنه يحمي ويشجع "الحقوق الأساسية وغيرها من حقوق وحريات الإنسان"، وينص على أن هذه الحقوق "يجب أن تحترم وأن تصان وأن تشجع من جميع الهيئات والوكالات الحكومية ومن جميع الأشخاص". كما ينص أيضا على أن "على الدولة السعي لإحقاق الحقوق الأساسية في ميدان العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية لجميع الأوغنديين"، ويشير على نحو خاص إلى الأمن الغذائي والغذاء الكافي والتغذية الملائمة التي يجب على الدولة ضمان الوصول إليها.

45- يميز دستور الهند بين: 1) الحقوق الأساسية، وهي الحقوق المدنية والسياسية في المقام الأول وتحظى بالأحقية القانونية؛ 2) الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي لا تحظى بهذه الأحقية القانونية؛ 2) بيد أن الحق في الحياة (وهو حق أساسي) قد فُسّر مع مرور السنين على أنه شامل للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الواردة في الدستور باعتبارها المبادئ الموجهة للدولة.

46- وإذ لا يرد الحق في الغذاء مكتوبا بصريح العبارة في الدستور الكندي، إلا أن ميثاق الحقوق والحريات (1982) كما فسرته المحكمة العليا الكندية، يحمي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المعترف بها دوليا. كما أقرت المحكمة العليا بحقوق السكان الأصليين في جمع غذائهم وفقا لتقاليدهم.

47- بغض النظر عن وجود حماية دستورية للحق في الغذاء، فإن الدول التي وقعت الصكوك الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان تقبل بضم هذا الحق وغيره من حقوق الإنسان إلى قوانينها القطرية.

قانون الدعوى وحق المقاضاة

48- يقدم الإطار الدستوري الذي يقبل التفسير بهدف حماية الحق في الغذاء أساسا لأحكام قانونية تحث على الإعمال المطرد للحق في الغذاء، ومقياسا للتشريعات والسياسات.

49- ففي الهند مثلا، أصدرت المحكمة العليا عددا من الأحكام المؤقتة في دعوى خلاف يهم الصالح العام ويتمثل العامل المركزي فيه بأن الحق في الغذاء ينبثق من الحق في الحياة الذي تضمنه المادة 21 من الدستور. ولم يصدر الحكم النهائي في هذه القضية بعد.

50- أما الأثر الآخر للأحكام المؤقتة فكان إجراء تحول على البنود المتعلقة بخطط وبرامج مختلفة وأجرتها الولايات الهندية والحكومة المركزية على الأحقية القانونية للسكان المعنيين. وهذه الأحكام 1) شددت على الأهمية العظمى لتيسير الغذاء للكهول والعاجزين والمعاقين والمحرومين من النساء والرجال، وللنساء الحوامل والمرضعات وللأطفال المحرومين، لاسيما إذا لم تتوافر لهم أو لأعضاء عائلاتهم المال الكافي لإطعامهم؛ 2) أعطت التوجيهات للولايات كي تسهر على حسن عمل جميع المتاجر التابعة لنظام التوزيع العام؛ 3) أمرت الولايات بتنفيذ برامج الغذاء مقابل العمل في كافة المناطق التي تعاني من القلّة؛ 4) أمرت بتنفيذ المخططات القائمة على الغذاء، بما فيها تقديم وجبات الغداء في المدارس.

51- يمكن العثور على عناصر من الحق في الغذاء في القوانين الفدرالية وقوانين المقاطعات في كندا، وفي السياسات ذات العلاقة بالزراعة وسلامة الأغذية والتغذية والصحة والحماية الاجتماعية. وعلى وجه الخصوص، أقرت مقاطعة كيبيك في 2002 قانونا لمكافحة الفقر والاستبعاد الاجتماعي يلزم الحكومة "بتسهيل الوصول الكريم إلـى الإمدادات بالغــذاء الكافــي والمغـذي، وبكلفة معقولــة، للأشخاص الذيـن يعيشون في ظروف فقر.." (2002, c. 61, s.9). كما تقر خطة العمل الكندية للأمن الغذائي (1998) بالصلات بين الفقر وانعدام الأمن الغذائي في المنازل.

52- وعلى صعيد التشريعات في أوغندا، تجري حاليا صياغة قانون سيقدم لاعتماده في البرلمان، وسيوفر الإطار القانوني لتنفيذ سياسة الأغذية والتغذية بالاستناد إلى الحقوق، وخطة العمل والاستثمار والترتيبات المؤسسية المتعلقة بها.

53- أجرى برلمان جنوب أفريقيا مداولات عامة حول موضوع الأمن الغذائي، وطلب من الحكومة تقديم قانون للأمن الغذائي الذي صاغته ولم تعرضه عليه بعد. ولا بد أن يخضع هذا القانون لفحص دستوري متمعن. من جهة أخرى فإن الدستور يعتبر الحكومة مسؤولة في حال عجزها عن اتخاذ الخطوات التشريعية.

فيما وراء التشريعات

54- إن الاعتراف القانوني والدستوري بالحق في الغذاء أمر هام لكنه ليس كافيا لضمان تنفيذه، حتى ولو كان حقا قابلا للمقاضاة، بل يستدعي الأمر وجود عناصر أخرى، من بينها حكم القانون والتسيير الرشيد والمساءلة ومشاركة الشعب.

55- من الضروري إيجاد آليات قانونية كفؤة ومتاحة وناجعة للمطالبة بالحق في الغذاء. ويمكن العثور على مثال لهذه الآليات القانونية المحتملة في ميدان المحاكمة المدنية العامة في البرازيل، والتي تعتبر أهم أداة قضائية لحماية الحقوق فيه. وهذه الأداة لا تحمي حقوق الأفراد فحسب، بل تتيح إنفاذ الحقوق الجماعية، بما فيها الحق في الغذاء. وبالرغم من أن ليس في وسع الأفراد طلب محاكمة مدنية عامة ، فإن في وسع الولاية أو البلدية، أو أي منظمة غير حكومية، أو شركة عامة أو مختلطة طلبها، أو عبر وزارة حكومية مباشرة. وقد استخدمت المحاكمة المدنية العامة في مجموعة كبيرة من الحقوق الاجتماعية، بما فيها الصحة وحقوق البيئة وحقوق المستهلكين. وفي الإمكان استخدامها لحماية الحق في الغذاء، وإن لم تستخدم بعد.

56- إن وجود سلطة قضائية مستقلة وقادرة على ممارسة مسؤولياتها عنصر أساسي لضمان الحق في الغذاء، مما قد يتطلب إجراء إصلاحات على السلطة القضائية. ونظرا للوضع التاريخي والاجتماعي ـ الاقتصادي الخاص للبرازيل وجنوب أفريقيا مثلا، فقد يستدعي الأمر معالجة الاختلالات العرقية والجنسانية على كافة مستويات السلطة القضائية.

57- كما قد يستدعي الأمر تدريب القضاة والمحامين في ميدان حقوق الإنسان والحق في الغذاء والاتفاقيات الدولية، وزيادة المبادلات مع منظمات حقوق الإنسان القطرية والدولية. وتلاحظ دراسة الحالة الخاصة بالبرازيل أن القضاة البرازيليين يحتاجون إلى توسيع معارفهم بمعايير حقوق الإنسان والواجبات المترتبة على السلطة القضائية على المستوى الدولي، ويسري الأمر عموما على أنظمة قضائية أخرى في العالم.

58- يجب على السلطات الحكومية الثلاث، التنفيذية والقانونية والقضائية، أن تنتهج الوضوح بشأن واجباتها في احترام الحق في الغذاء الكافي وحمايته والوفاء به. ودستور جنوب أفريقيا واضح تمام الوضوح فيما يتعلق بمسؤولية كل من الفروع الأساسية. أما في البرازيل فإن إدراك السلطة القضائية لمسؤولياتها في حماية الحقوق الاقتصادية للجماعات الأكثر ضعفا ما زال غير واضح. ويعتبر القضاة عموما أن معالجة الضعف الذي تعاني منه جماعات معينة يقع حصرا ضمن نطاق السياسات العامة. وبالتالي فإن الامتثال للاتفاقات الدولية والمعايير البرامجية يعتبر نشاطا خاصا بالفرع التنفيذي. كما أن المحاكم الكندية تمنّعت عن الاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية ضمن نطاق الميثاق الكندي للحقوق والحريات.

المؤسسات والآليات القطرية لحقوق الإنسان

59- للمؤسسات القطرية لحقوق الإنسان دور أساسي في رصد وتنفيذ الحق في الغذاء وفي استقبال الشكاوى من المجموعات والأفراد. ولدى العديد من البلدان لجان لحقوق الإنسان أو آليات مماثلة تلعب دورا هاما في ضمان حق كل امرئ في الغذاء الكافي. وتبلغ منظمات حقوق الإنسان القطرية أعلى مستويات الفعالية عندما تكون مستقلة استقلالا كاملا وتتمتع بالسلطة اللازمة لإصدار توصياتها.

60- لجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا هي هيئة تستمد جذورها من الدستور وتتمتع بسلطة تخولها التشجيع على احترام حقوق الإنسان ورصد وتقييم التقيد بها. وقد حددت وظائفها ضمن قانون لجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا، وهو قانون يسمح للجنة برفع دعوى بالنيابة عن جماعة أو شخص ما، وبتقديم المشورة للدولة فيما يتعلق بالتشريعات الخاصة بالحقوق. وللجنة سلطة واسعة النطاق تطال كافة المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان، وهي تقر بالطابع العالمي والمترابط والمتداخل وغير القابل للتفريق الذي يميز هذه الحقوق. واللجنة هيئة مستقلة وحيادية ترفع تقاريرها إلى البرلمان مباشرة، وقد استحدثت وفقا لمبادئ باريس.

مبادئ باريس

وضعت مبادئ باريس خلال اجتماع لمؤسسات حقوق الإنسان عُقد في باريس عام 1991. وقد أصبحت هذه المبادئ، التي صادقت عليها لاحقا لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والجمعية العامة، الركيزة والمرجع في استحداث وتشغيل مؤسسات حقوق الإنسان. والشروط الأساسية التي ترتكز إليها مبادئ باريس هي: الاستقلال الذي يضمنه نظام أساسي أو دستور، الاستقلالية عن الحكومة، التعددية بما في ذلك التعددية في العضوية، سلطة واسعة النطاق ترتكز إلى معايير حقوق الإنسان العالمية، سلطات تحقيق وافية وموارد كافية.

61- أوكلت إلى لجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا مسؤولية خاصة تتجلى في رصد الإعمال المطرد للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أقرها الدستور. وسعيا لتنفيذ هذا الغرض، وضعت اللجنة عددا من الاستطلاعات أو "البروتوكولات" التي يتوجب على مختلف الدوائر الحكومية الإجابة عنها. وقد أوصت اللجنة، من جملة أمور، بوضع إطار تشريعي خاص بالحق في الغذاء. كما طلبت المحكمة التشريعية من اللجنة رصد تنفيذ حكمها الذي لا سابق له في قضية تتعلق بتفسير الحق في المسكن الملائم.

62- لدى البرازيل أمانة خاصة لحقوق الإنسان، لكنها تفتقر إلى الاستقلالية والتعددية اللذين تتطلبهما مبادئ باريس. وقد جرى تعويض موطن الضعف هذا على نحو جزئي عبر استحداث مكتب المدعي العام، وهو هيئة حكومية مستقلة للدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية. وتعمل هذه الهيئة على المستوى الفدرالي ومستوى الولايات، وتعتبر حاليا أهم مؤسسة برازيلية تساعد المواطنين للحصول على الحماية القانونية. وفي وسع هذه المؤسسة إجراء تحقيقات في انتهاكات الحقوق الأساسية وإصدار توصياتها للحكومة. وقد عملت في مجال الحق في الغذاء، لاسيما فيما يتعلق بسوء التغذية بين صفوف الأطفال والسكان الأصليين، وفيما يتعلق بالبرنامج القطري للغذاء في المدارس. والغرض الآخر من هذه الهيئة هو ضمان مشاركة المستفيدين من السياسات والبرامج، والتعاون مع المنظمات غير الحكومية للترويج لحقوق الإنسان، واستحداث منتديات جديدة للتنسيق والتوفيق بين الآراء.

63- ومؤخرا استحدثت وزارة العدل البرازيلية بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية، منصب مقرر قطري للحق في الغذاء والماء والأراضي الريفية تتمثل وظيفته في رصد إعمال هذه الحقوق. وأتى ذلك بمبادرة من منهاج حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البرازيل، وهو شبكة قطرية لمنظمات المجتمع المدني بنيت وفق نموذج المقررين الخاصين لدى الأمم المتحدة.

64- لدى أوغندا هيئة دستورية مستقلة تسمى اللجنة الأوغندية لحقوق الإنسان. وقد عرضت هذه اللجنة مسألة الحق في الغذاء على اللجنة قبل إعادة النظر في الدستور التابعة للحكومة، واقترحت إسباغ صفة الحق الأساسي والقابل للمقاضاة على الحق في الغذاء الكافي. كما كانت اللجنة في عداد أهم منظمي ندوة وطنية بشأن الحق في الغذاء انعقدت في عام 2003. ويمكن تفسير نجاح اللجنة بسبب سلطتها الدستورية من جهة وتطبيق هذه السلطة على نحو استباقي من فريق من المفوضين والموظفين. وقد لاقى دفاعهم صدى إيجابيا بين صفوف كبار صانعي القرار، كما ترسخت جذوره بين مجموعة واسعة النطاق من أصحاب الشأن.

65- وبدورها فإن اللجنة القطرية لحقوق الإنسان في الهند هيئة مستقلة. وعلى مر عقد من الزمن أو يزيد، كانت محكمة الهند العليا واللجنة القطرية لحقوق الإنسان طرفين في مناظرة للمجتمع المدني أفضت إلى تحول هام من المنظور الخيري إلى منظور حقوق الإنسان. وبدفع من شكوى مقدمة من المجتمع المدني بشأن وضع الحق في الغذاء في ولاية أوريسا، لعبت اللجنة القطرية لحقوق الإنسان دورا أساسيا في استدراج الاعتراف بأن الحرمان والضيق المزمن، لا نسبة الوفيات وحدها، يشهدان على المجاعة، وأن المجاعة تشكل نفيا مقيتا وانتهاكا للحق الأساسي في التحرر من الجوع.

66- وقد عيّنت محكمة الهند العليا مفوضان للنظر في الشكاوى المتواصلة بشأن انتهاكات الحقوق التي لا يخضع تصحيحها لتدابير محددة. ويجب على حكومات الولايات تقديم المعلومات التي يطلبها المفوضون الذين يحق لهم التوصية بمسار عمل تنتهجه الحكومات لضمان الامتثال لتوجيهات المحكمة.

دور المجتمع المدني

67- بينت دراسات البلدان أن في وسع المجتمع المدني لعب دور أساسي في الضغط على جميع قطاعات الحكومة، ومساعدة الجماعات الضعيفة لتمكينها من المطالبة بحقوقها وتحسين وصولها إلى آليات الالتماس، بما فيها المحاكم.

68- وفي جنوب أفريقيا مثلا، قامت حركة Treatment Action Campaign، وهي حركة اجتماعية واسعة النطاق، بعرض قضية تتعلق بالحقوق الاجتماعية ـ الاقتصادية، وبالحق في الرعاية الصحية على وجه التحديد، أمام المحكمة العليا في جنوب أفريقيا، وكان لها دور أساسي في اتخاذ الحكومة قرارا بمعالجتها.

69- وفي الهند، رفع الاتحاد الشعبي للحريات المدنية دعوى بشأن الحق في الغذاء في راجستان. وقد أفضى الضغط الذي مارسته المنظمات غير الحكومية على الحكومة المركزية وحكومات الولايات في قضية الصالح العام هذه، إلى نتائج في العديد من الولايات، لكن الولايات الأخرى تجاهلت جزئيا أو كليا الأحكام المؤقتة الصادرة عن المحكمة العليا. من جهة أخرى يجب الاعتراف بأن الهند بلد شاسع وأن العديد من ولاياته تعاني من افتقارها للموارد، مما يبين أيضا الحاجة إلى النظر في تنظيم وتمويل البرامج الاجتماعية على المستوى الفدرالي.


هاء - الإطار المؤسسي

توزيع المسؤوليات والتنسيق والمساءلة

70- إن تنفيذ السياسات والأطر القانونية ذات الصلة بالحق في الغذاء يستدعي وجود مؤسسات فعالة على كافة المستويات. كما أن طبيعة الحق في الغذاء الجامعة للقطاعات تتطلب بذل جهود للتنسيق عبر الوزارات والمكاتب الحكومية على المستويات القطرية وشبه القطرية والمحلية. وتوضيح توزيع الأدوار والمسؤوليات بين مختلف قطاعات ومستويات الحكومة سيؤدي إلى تحسين مستوى المساءلة والفعالية في العمل.

71- وفي البرازيل يعد الحق في الغذاء المبدأ الموجه لسياسة الأمن الغذائي Fome Zero. وله جذور مؤسسية في وزارة العدالة الاجتماعية الجديدة التي تشمل الوزارة الخاصة السابقة للأمن الغذائي ومكافحة الجوع التي أصبحت أمانة ضمن الوزارة الجديدة. أما حجر الأساس الثاني الذي ارتكز إليه لإضفاء الطابع المؤسسي على نهج الحق في الغذاء في البرازيل فيتمثل في إعادة استحداث المجلس القطري للأمن الغذائي باعتباره منتدى لمشاركة المجتمع المدني.

72- بدأت أوغندا في وضع ترتيبات مؤسسية للإشراف على تطبيق نهج قائم على الحقوق في ميدان الأمن الغذائي. وقد أوكلت إلى مجلس الأغذية والتغذية الجديد مهمة تنسيق وحشد قوى أصحاب الواجبات والحقوق.

73- تعد المساءلة عنصرا مركزيا في أي إطار قانوني فعال يهدف إلى تنفيذ الحق في الغذاء. ويجب على الدولة وضع آليات لضمان مساءلة المسؤولين عن تنفيذ هذا الحق.

74- وفي جنوب أفريقيا، اقترحت الحكومة تعيين مسؤولين محليين عن الأمن الغذائي يتولون رفع تقاريرهم إلى مجموعة الوزارات العاملة في القطاع الاجتماعي. كما يخطط مشروع قانون الأمن الغذائي لاستحداث مجلس للأمن الغذائي يلعب دورا محوريا في تنسيق السياسات.

التغيير من العمل الخيري إلى نهج قائم على الحقوق

75- وفي كندا، ووفقا لدراسة الحالة، فإن النهج الخيرية الرامية إلى تلبية احتياجات الجياع من الأغذية عبر بنوك الأغذية قد اكتسبت سمة مؤسسية خلال السنوات العشرين الماضية، وحررت الدولة (الحكومة الفدرالية وحكومات المقاطعات والأقاليم)، على نحو جزئي على الأقل، من التزاماتها باحترام وحماية الحق في الغذاء والوفاء به من خلال ضمان استحقاقات الضمان الاجتماعي الملائمة. وما يزال الطلب على بنوك الأغذية آخذا في الازدياد، وسيستدعي الأمر اتخاذ تدابير مؤسسية للتحول إلى نهج قائم على الحقوق.

استراتيجيات التنفيذ

76- يستخلص درس هام من دراسات الحالة وهو أن السياسات ذات الصلة بالحق في الغذاء يجب أن تترافق باستراتيجية تنفيذ ذات أهداف ونماذج واضحة وقابلة للقياس، إضافة إلى توزيع المسؤوليات المؤسسية والمساءلة. كما ينبغي رصد وتقييم التنفيذ وفقا للمؤشرات القائمة على الحقوق.

77- وتتمثل إحدى نقاط البداية المفيدة في إجراء مراجعة قطرية لجميع السياسات والبرامج وغيرها من المبادرات الموجهة نحو إعمال الحق في الحصول على غذاء كاف، بهدف المساعدة في تحديد العناصر التي تسير سيرا حسنا والأسباب الكامنة وراء ذلك، وتيسير أساس لاتخاذ خطوات تصحيحية.


واو - التطبيق الفعلي للحق في الغذاء: بعض المسائل الأساسية

بناء الوعي والتعليم

78- يعد بناء الوعي عاملا أساسيا في التطبيق الفعلي للحق في الغذاء. ويجب على المواطنين إدراك حقوقهم فيما يجب شحذ موظفي الخدمة المدنية بحس واضح لواجباتهم، ولا يمكن التوصل إلى ذلك إلا عبر السياسات الملائمة للمعلومات والتعليم التي تشجع الشعب أيضا على استخدام حقوقه.

79- وفي جنوب أفريقيا، تتجلى إحدى وظائف لجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا في بناء وعي الشعب لحقوق الإنسان. وفي البرازيل يقوم مكتب المقرر القطري للحق في الغذاء والماء والأراضي الريفية بأبحاث عن ممارسة مختلف الحقوق ويصيغ تقارير قطرية موجهة على نحو خاص إلى صانعي القرار. وفي أوغندا كان لندوة قطرية عقدت برعاية المشروع الدولي بشأن الحق في الغذاء في إطار التنمية، دورا هاما في بناء الوعي في هذا البلد. كما نظمت حركة الحق في الغذاء في الهند، وهي منظمة غير حكومية، عددا من المناسبات، من بينها جلسات عامة روى فيها أشخاص يعانون من الجوع قصصهم.

80- بناء الوعي ضروري على كافة المستويات، بما في ذلك وسائل الإعلام وقطاعي المتطوعين والشركات، بهدف موازنة المنحة الذي تنتهجه بعض هذه القطاعات عبر اعتبار الجوع وقلة الغذاء مسألة خيرية، وليست مسألة سياسية ذات علاقة بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

81- ويمكن إضفاء طابع مؤسسي على بناء الوعي في النظام التعليمي عبر إدخال التغذية وحقوق الإنسان الأساسية ضمن منهاج المدارس الابتدائية والثانوية ومناهج الدراسات ذات الصلة الأعلى مستوى ، ومثالها التعليم المهني والعلوم الزراعية والصحية والتغذوية والبيئية، وإدارة الأعمال والتربية والحقوق والعمل الاجتماعي والسياسة الاجتماعية. كما يمكن لموظفي الخدمة المدنية المسؤولين عن إعمال الحق في الغذاء أن يستفيدوا من التدريب خلال الخدمة. ويعد تعليم الجماعات المحلية، الموجه خاصة نحو الجماعات الضعيفة، طريقة أخرى للإسهام في تحسين الأمن الغذائي والتغذوي على المستوى المحلي.

82- وفي جنوب أفريقيا يجري عدد من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية أبحاثا في ميدان الأمن والضعف الغذائي، من بينها جامعة ناتال التي تنظم برامج للدراسات العليا في ميدان الأمن الغذائي. ومن بين مؤسسات الأبحاث الأخرى يذكر مركز قانون الجماعات المحلية في جامعة الكيب الغربي والمركز الخاص بحقوق الإنسان في جامعة بريتوريا اللذين يركزان في أبحاثهما الأكاديمية على الحق في الغذاء.

بناء القدرات

83- بينت جميع دراسات الحالة وجود حاجة ماسة لبناء القدرات، ولرفع مستوى الوعي بغية ضمان تنفيذ السياسات. وغالبا ما يفتقر أصحاب الواجبات والحقوق إلى القدرة على استخدام هذه الصكوك المتيسرة لإعمال الحق في غذاء كاف. وإن بناء القدرات باستخدام إطار قائم على الحقوق يتطلب استهداف أصحاب الحقوق والواجبات، كما يتعين توجيهه نحو الجماعات المحلية والأسر، وكذلك نحو الأطراف في الساحتين العامة والخاصة.

تحديد المجموعات الضعيفة واستهداف المنافع

84- يتمثل التحدي العارم الذي يبرز من خلال تجارب البلدان في عدم كفاية الاهتمام الموجه نحو تحديد الذين لم يُعمل حقهم في الغذاء. وبغض النظر عن حجم التركيز ضمن بيئة السياسات العامة على الحد من الفقر وانعدام الأمن الغذائي والتغذوي، فإن من الضروري وضع آليات لتحديد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي وفهم الأسباب الكامنة وراء ضعفهم.

85- يشوب الغموض خطط التنفيذ فيما يتعلق بتحديد الجماعات المستهدفة أو الضعفاء على نحو تفصيلي بما فيه الكفاية لضمان حسن اشتغالها. ولا يتعلق الأمر بوجود عوائق فنية ترتبط بقدرات جميع البيانات وتحليلها، بل بالنهج الأساسي المتبع في التعامل مع مسألة التنمية. ويجب أن ترتكز الاستراتيجيات وخطط العمل إلى تقييم اجتماعي ـ اقتصادي معمّق يطال مختلف الجماعات، كي تتمكن خطط الأمن الغذائي القطرية من تحديد الجماعات التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي والجماعات الضعيفة. ويمكن أن يكون لرسم الخرائط لمناطق الضعف مفيدا في هذا المضمار. إن النهج القائم على حقوق الإنسان، عبر اهتمامه المستمر بالمجموعات التي تعاني من عدم إعمال حقها أو انتهاكه، لهو أداة ناجعة لشحذ التركيز على هذه الجماعات.

86- وتبرز الحاجة عند تحديد المجموعات الضعيفة إلى معالجة وضع من يعانون من فيروس نقص المناعة البشرية/متلازمة نقص المناعة المكتسبة وغيره من الأمراض المزمنة، كي يتسنى وضع خطط غذاء وتغذية جامعة لمن يعانون من هذا الأمراض وبمشاركتهم.

الرصد والمؤشرات

87- إن وجود مؤشرات للإعمال المطرد للحق في غذاء كاف ستتيح قياس مدى فعالية أطر السياسات والأطر القانونية والمؤسسية. وتتمثل الخطوة الأولية نحو صياغة هذه المؤشرات والنماذج في التوصل إلى فهم مشترك وتوفيق بين الآراء فيما يتعلق بالمؤشرات والنماذج القائمة على الحقوق. كما تبرز الحاجة إلى مؤشرات للعمليات ومؤشرات للتقدم تستخدم لقياس فعالية العناصر كالآليات القانونية والإصلاح القضائي ومشاركة منظمات المجتمع المدني.

88- وفي جنوب أفريقيا، قدمت السلطة القضائية توجيها قيّما عما يستلزمه الإعمال المطرد لبعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. بيد أن الحاجة تبرز لمؤشرات التقدم المعروفة والخاصة بتقديم الخدمات، كما تحتاج الدولة إلى تحديد مقاصد وأهداف أكثر وضوحا. ويعد تحديد الأهداف والنتائج عاملا أساسيا يجب وضعه بالتشاور مع الجماعات الضعيفة، مما سيشكل عنصرا مساعدا للجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا المكلفة برصد إعمال أجهزة الدولة لهذه الحقوق الاجتماعية والاقتصادية على نحو مطرد.

89- يمكن تحسين إدارة البرامج الرامية إلى الإعمال المطرد للحق في الغذاء من خلال إشراك أصحاب الشأن في رصد وتصميم المشاريع. ويتطلب هذا الأمر وجود ممارسات ميزانية وتنفيذ فاعل.

دور المجتمع المدني

90- يزداد الاعتراف بأهمية النهج التشاركي وإشراك المجتمع المدني في تصميم وتنفيذ المخططات القائمة على الحقوق. وقد كشفت دراسات الحالة أن المجتمع المدني يلعب دورا هاما في التطبيق الفعلي للحق في الغذاء في العديد من البلدان. وفي بعض الأحيان تحقق المنظمات القائمة على الجماعات المحلية والمنظمات غير الحكومية نجاحا أكبر في الوصول إلى الفقراء مقارنة بالبرامج المركزية أو التي تديرها الدولة. كما يلعب المجتمع المدني دورا هاما في رصد تنفيذ الحق في الغذاء في العديد من البلدان الخاضعة للدراسة.

91- وقد لعبت منظمات المجتمع المدني دورا جوهريا في الترويج للحق في الغذاء في البرازيل. وكان من أهم المبادرات التي قامت بها إنشاء المنتدى البرازيلي للأمن الغذائي والتغذوي في عام 1998. ويمثل هذا المنتدى شبكة من المنظمات والحركات الاجتماعية والأفراد والمؤسسات، ويضم اليوم حوالي 100 منظمة ذات تمثيل في كافة ولايات البرازيل. وقد اتضحت الأهمية الكبيرة لحركة المجتمع المدني في بداية رئاسة لويس إيناسيو لولا داسيلفا، إذ أعربت غالبية منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية عن دعمها لبرنامجه الخاص بالأمن الغذائي المعروف باسم Fome Zero.

92- وأتى أبرز الجهود المبذولة لإنشاء نظام لرصد إعمال الحقوق الاجتماعية من مجموعة من المدعين العامين في مكتب المدعي العام الفدرالي، والذين أبدوا اهتماما بالدعاية والترويج للحق في الغذاء، وفي التأثير على السياسات العامة في هذا المجال. ونتيجة لذلك، فتح 26 مدعيا عاما، بالتعاون مع عدد من المنظمات الاجتماعية، تحقيقا مدنيا عاما لرصد السياسات والتمويل العامين المخصصين لإعمال الحق في الغذاء.

93- وفي الهند سجلت في عام 2001 علامة هامة فيما يتعلق بوعي الشعب لبرامج مكافحة الفقر ومشاركته فيها، لاسيما في توزيع الغذاء على المحتاجين. وإثر قلة الأمطار الموسمية للسنة الثالثة على التوالي وعدم قدرة العديد من حكومات الولايات على تيسير الغذاء للفقراء ممن يعانون من آثار القحط، بادر عدد من المنظمات غير الحكومية والمواطنين الساهرين على الصالح العام إلى إطلاق حركة حق الشعب في الغذاء في الهند. وقد امتدت هذه الحركة إلى العديد من الولايات، لاسيما الولايات التي يتركز فيها الفقر والمجاعة. وقد ولّدت هذه الحركة وعيا للمستحقات القانونية بين صفوف السكان غير القادرين وساعدت أيضا على تحسين مستوى المساءلة ضمن الأجهزة الرسمية وبنى السلطة المحلية الموكلة بالبرامج الاجتماعية.

94- يلعب المجتمع المدني في جميع أنحاء كندا دورا هاما في الحث على إعطاء الأولوية للأمن الغذائي وفي التقدم بالحوار بشأن حق الإنسان في الغذاء. لكن وعلى الرغم من التوصية الصادرة عن خطة العمل القطرية بأن يؤدي القطاع وظيفة رصد قطرية، فإن ضعفه المالي يمنعه من تأدية هذه الوظيفة. وتحتل منظمات المجتمع المدني مكانة أكثر بروزا على مستوى المقاطعات والمستوى المحلي، حيث تتقدم بالحق في الغذاء والأمن الغذائي إلى الأمام عبر أنشطة شبكات الغذاء الخيرية، ومشاريع الجماعات المحلية البديلة والخاصة بالأغذية، والشراكات الطوعية التعاونية العامة، وشبكات الأمن الغذائي، ومنظمات المزارع ومجالس السياسات الغذائية، بالإضافة إلى القيام بأعمال البحث والتعليم العام والترويج للسياسات.


زاي - استنتاجات

95- حقوق الإنسان تعني في المقام الأول التمكين والمساءلة. والنهج القائم على الحقوق يحول التركيز من الحلول التكنوقراطية إلى الحلول السياسية، ونحو مزيد من المساواة في علاقات السلطة وتوزيع الثروة/الدخل. كما يشدد على واجبات الدولة بدلا من الإرادة السياسية في معالجته لانعدام الأمن الغذائي والفقر وتمكين أصحاب الحقوق. كما تعد السياسات المواتية والأطر القانونية والمؤسسية عناصر هامة لإحقاق الحق في الغذاء.

96- وتترجم السياسات العامة المدروسة من وجهة نظر حقوق الإنسان إلى نهج تنموي يتخذ من واجب إحقاق حقوق الإنسان للجميع نقطة بداية، مما يستدعي بدوره التركيز على أولئك الذين لم يتم إعمال حقوقهم على نحو كامل، وعلى إشراكهم في صياغة وتنفيذ وتقييم السياسات، بدلا من اتباع نهج تنازلي.

97- إن لوضع سياسة أمن غذائي جامعة ومدمجة تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان دورا مركزيا في إنجاز الحق في الغذاء الكافي على المستوى القطري. وليس من السهل دوما أن تتوصل السياسات الغذائية إلى تحقيق التوازن بين عناصر الأمن الغذائي الأربعة، اي التوافر والاستقرار والوصول والاستعمال. كما أن الإنتاج والتوافر الكافي للأغذية على المستوى القطري ليس الشرط الوحيد لتحقيق الأمن الغذائي، بل يتعين أن تأخذ السياسات في عين الاعتبار أهمية أساليب العيش والوصول المنصف إلى الموارد التي تضمن الوصول إلى ما يكفي من الغذاء. والتخطيط مطلوب كي يشكل النمو الاقتصادي وسياسات التجارة دعما لسياسات الحد من الفقر والحق في الغذاء. وعندما لا يتمكن البشر من إطعام أنفسهم بوسائلهم الخاصة، يتعين وضع برامج لمعالجة عدم قدرة الفقراء على الوصول إلى الغذاء الكافي.

98- تعد الحماية القانونية للحق في الغذاء عنصرا أساسيا، وقد تتخذ أشكالا عديدة في بلدان مختلفة. فقد سجلت بعض البلدان الحق في الغذاء مباشرة ضمن دساتيرها، فيما فسرت المحاكم في بعضها الآخر الدستور باعتباره حاميا للحق في الغذاء. كما تختلف التشريعات التي تحمي هذا الحق باختلاف البلدان، وكذلك الآليات القانونية التي يمكن للأفراد و/أو الجماعات استخدامها للمطالبة به. وفي بعض البلدان يمكن عرض هذه المطالب أمام المحاكم.

99- الاعتراف القانوني والدستوري بالحق في الغذاء هام لكنه غير كاف لضمان تنفيذه، حتى ولو كان حقا قابلا للمقاضاة، بل يتطلب الأمر وجود عناصر أخرى، من بينها سلطة القانون والتسيير الرشيد والمساءلة. كذلك تبرز الحاجة إلى آليات قانونية للمطالبة بهذا الحق، تتميز بكفاءتها وسهولة الوصول إليها ونجاعتها. كما أن وجود سلطة قضائية مستقلة وقادرة على ممارسة مسؤولياتها عامل أساسي لضمان الحق في الغذاء. وتلعب المؤسسات القطرية لحقوق الإنسان دورا هاما في رصد تنفيذ الحق في الغذاء، وفي تلقي الشكاوى من الجماعات والأفراد.

100- إن تنفيذ السياسات والأطر القانونية ذات الصلة بالحق في الغذاء يتطلب وجود مؤسسات فعالة على كافة المستويات. كما أن الطبيعة الشاملة لجميع القطاعات التي تميز الحق في الغذاء تتطلب بذل جهود تنسيقية بين الوزارات والمكاتب الحكومية على المستويات القطرية وشبه القطرية والمحلية. وللمساءلة دور مركزي ضمن إطار مؤسسي فعال يهدف إلى تنفيذ الحق في الغذاء. وعلى الدولة وضع آليات لضمان مساءلة القائمين على تنفيذ هذا الحق.

101- من الضروري أن يترافق الحق في الغذاء باستراتيجيات للتنفيذ وتحديد أهداف ونماذج واضحة وقابلة للقياس، إضافة إلى توزيع المسؤوليات المؤسسية والمساءلة. ويجب أن تستند الاستراتيجيات وخطط العمل إلى تقييمات اجتماعية ـ اقتصادية معمّقة للبرامج القطرية الخاصة بالأمن الغذائي كي تستهدف الجماعات المحرومة والضعيفة. كما أن مؤشرات الإعمال المطرد للحق في الغذاء الكافي سوف تتيح قياس مدى فعالية الأطر المتعلقة بالسياسات والأطر القانونية والمؤسسية.

102- إن من الضروري رفع مستوى الوعي ونشر التعليم الخاص بحقوق الإنسان وبناء القدرات على نطاق واسع لإعمال الحق في الغذاء. وسوف تسهم هذه التدابير، على المدى البعيد، في تحقيق تحول في إدراك الحكومات والمجتمع المدني،، بحيث تصبح حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية جزءا لا يتجزأ من قيم المجتمع.

103- يتنامى الاعتراف بأهمية النهج التشاركي وإشراك المجتمع المدني في تصميم وتنفيذ البرامج الرامية إلى تسهيل أو تيسير الوصول إلى الغذاء. ويساهم المجتمع المدني مساهمة هامة في التطبيق الفعلي للحق في الغذاء في عديد من البلدان عبر الدعوة إلى تغيير السياسات، ومن خلال رصد التنفيذ ومساعدة الأفراد والجماعات على المطالبة بحقوقهم.

قائمة بدراسات الحالة

دراسة حالة بشأن الحق في الغذاء في البرازيل
دراسة حالة بشأن الحق في الغذاء: كندا
دراسة حالة بشأن الحق في الغذاء: جنوب أفريقيا
دراسة حالة بشأن الحق في الغذاء: أوغندا
دراسة حالة بشأن الحق في الغذاء: الهند

تتوافر الوثائق الواردة أعلاه باللغة الإنجليزية من منظمة الأغذية والزراعة ويمكن الحصول عليها من الموقع: www.fao.org/righttofood

1 إثر مؤتمر القمة العالمي للأغذية: خمس سنوات بعد الانعقاد، تتولى جماعة عمل حكومية دولية أنشأها مجلس المنظمة صياغة هذه الخطوط التوجيهية الطوعية حاليا. والهدف من هذه الخطوط التوجيهية الطوعية هو دعم الجهود الرامية إلى إنجاز الإعمال المطرد للحق في غذاء كاف في سياق الأمن الغذائي القطري.

2 صدر التعليق العام الثاني عشر عن لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تجاوبا مع توصية من مؤتمر القمة العالمي للأغذية المنعقد في 1996 بغرض توضيح مضمون الحق في الغذاء وطرق تنفيذه. ويحدد هذا التعليق بالتفصيل المضمون المعياري للحق في الغذاء الكافي، ويعالج مسألة الواجبات المترتبة على الدول الطرف، كما يرسي الشروط العامة لتنفيذ هذا الحق.