البيان الافتتاحي خلال الدورة الثمانين بعد المائة للمجلس بعنوان "تداعيات الاختلالاتفي سلاسل الإمداد في منطقة الخليج، بما في ذلك إغلاق الممرات البحرية الرئيسية، على الأمن الغذائي والتغذيةفي العالم"
للدكتور شو دونيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة
28/04/2026
سعادة الرئيس المستقل للمجلس،
السادة أعضاء المجلس،
أصحاب السعادة،
حضرات السيدات والسادة،
لا زلتُ أؤكد أن السلام والاستقرار هما شرطان أساسيان للأمن الغذائي، وأنّ الحق في الغذاء هو حقٌ أساسي من حقوق الإنسان.
ونحن نشهد اليوم على التذكير المؤلم بهذه الحقيقة: فالأوضاع المتقلبة في منطقة الخليج، وعلى وجه التحديد الإغلاق المحتمل أو الفعلي للممرات البحرية الأساسية مثل مضيق هرمز، يُحدث صدمات متوالية عبر النظم الزراعية والغذائية في العالم.
وقد أدّى بالفعل النزاع الذي نشب في الشرق الأوسط في 28 فبراير/شباط 2026 إلى صدمةٍ كبيرة على صعيد الطاقة والأسمدة وغيرها من مدخلات النظم الزراعية والغذائية في العالم.
والوثيقة المعروضة على هذه الدورة الخاصة للمجلس توفّر تحليلاً شاملاً لهذه الصدمة وتداعياتها على الأمن الغذائي والزراعة على الصعيد العالمي.
والممر الاستراتيجي الواقع في صميم هذه الأزمة هو مضيق هرمز. وهذه معضلة حقيقية!
ففي الظروف الاعتيادية، يمرّ عبر المضيق حوالي 20 مليون برميل من النفط يوميًا، ما يمثل ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا على مستوى العالم، إلى جانب كمياتٍ كبيرة من الغاز الطبيعي المُسال وما بين 20 و30 في المائة من الأسمدة المتداولة عالميًا، والتي تتسم بأهمية حاسمة بالنسبة إلى الزراعة.
وفي غضون أيام، انخفضت حركة ناقلات النفط عبر المضيق بأكثر من 90 في المائة وباتت متوقفة في الواقع الآن.
وتراجع بالفعل إنتاج النفط في منطقة الخليج بما يُقدّر بعشرة ملايين برميل يوميًا، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام إلى أكثر من 100 دولار أمريكي للبرميل الواحد، في حين ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بنسبة تتراوح بين 50 و95 في المائة.
وشهدت كذلك أسواق الأسمدة صدماتٍ فورية. وعلى خلاف قطاع النفط، لا توجد احتياطيات استراتيجية للأسمدة. وقد ارتفعت أسعار اليوريا الحبيبية في الشرق الأوسط بما يقارب 20 في المائة في غضون أسبوعٍ واحد.
وبحلول منتصف شهر أبريل/نيسان، كانت أسعار اليوريا قد ازدادت بنسبة 52 في المائة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبنسبة 60 في المائة في البرازيل.
وتأخر ما يُقدّر بحدود 1.5 إلى 3 ملايين طن من تجارة الأسمدة شهريًا.
فالنزاع ينقل الصدمات إلى النظم الزراعية والغذائية عبر أربع قنواتٍ أساسية:
أولًا: الاختلال في الواردات الغذائية إلى بلدان الخليج، التي تعتمد على الواردات لتأمين ما بين 70 و90 في المائة من إمداداتها الغذائية الأساسية.
ثانيًا: يؤثر ارتفاع أسعار الطاقة على كلفة عيش الأسر المعيشية، وعلى تكاليف الحصاد في بلدان النصف الجنوبي من العالم وارتفاع أسعار الأغذية على مستوى المستهلك بفعل ارتفاع تكاليف النقل والتجهيز.
ثالثًا: يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة إلى تقليص هوامش المزارعين ومن المحتمل أن يخفّض غلات المحاصيل في المستقبل.
رابعًا، احتمال انخفاض دخل الأسر المعيشية بسبب تراجع تدفقات التحويلات المالية من اقتصادات منطقة الخليج إلى جنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا وأفريقيا.
فالتقويم الخاص بالمحاصيل بالغ الأهمية لفهم مدى إلحاح أزمة الأسمدة.
إذ يجب بالفعل أن يتواءم استخدام الأسمدة بشكل دقيق مع فترات الزرع التي لا يمكن إعادة جدولتها من دون إحداث خسائر دائمة في الغلاّت.
وبالنسبة إلى القمح الشتوي في بلدان النصف الشمالي من العالم، تُستخدم الأسمدة في مارس/آذار وأبريل/نيسان قبل موسم الزراعة في الربيع.
أمّا بالنسبة إلى الأرزّ في جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، فتبدأ عملية الزرع في مايو/أيار ويونيو/حزيران، ما يتطلّب تسليم الأسمدة في أواخر شهر أبريل/نيسان.
وفي ما يتعلق بالذرة في الأمريكيتين، تُغلَق نافذة الاستخدام الحرج في مطلع مايو/أيار.
فالتأخير في توافر الأسمدة، حتى لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، يرغم المزارعين على تخفيض معدلات استخدامها أو الامتناع تمامًا عن استخدامها، ما يؤدي إلى خفض الغلاّت للهكتار الواحد.
فقد أدّت بالفعل الاختلالات الحالية في مضيق هرمز إلى تأخير ما يُقدّر بحدود 1.5 إلى 3 ملايين طن من تجارة الأسمدة في الشهر، ما يؤثر على 40 مليون هكتار على الأقل من الأرزّ ويخفّض الغلاّت بنسبة تتراوح ما بين 10 و20 في المائة على الأقل.
وإذا لم تصل هذه الكميات إلى المزارعين قبل إغلاق فترات الزرع الخاصة بهم، سيفضي ذلك إلى تراجع المحاصيل في النصف الثاني من عام 2026 وحتى مطلع عام 2027، بصرف النظر عن أي تحسّن لاحق في ظروف الإمداد.
ولا يشكل التوقيت مجرد اعتبار لوجستي، بل هو عامل محدّد هيكلي للمخرجات الزراعية العالمية.
كما أن البلدان التي تعتمد على الواردات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية معرّضة للخطر بشكل خاص. فالعديد من الاقتصادات الأفريقية تعتمد إلى حدّ بعيد على الأسمدة المستوردة من المنتجين في منطقة الخليج.
وفي جنوب آسيا، تستورد بنغلاديش 53 في المائة من الأسمدة من الخليج وتستخدم 170 كلغ من النيتروجين في الهكتار الواحد، ما يمثل مستوى أقصى من الخطر.
وتواجه جمهورية إيران الإسلامية ضغوطاتٍ حادة بشكل خاص. فالنظام الزراعي والغذائي في البلاد يرزح تحت ضغوطاتٍ شديدة في ظل اعتمادها على واردات القمح بنسبة 50 في المائة تقريبًا، وعلى واردات الذرة بنحو 95 في المائة، وارتفاع أسعار زيت الطهو بأكثر من 200 في المائة من سنة إلى أخرى في مطلع عام 2026.
كما أن الحظر الاستباقي على صادرات جميع المنتجات الغذائية والزراعية الذي تمّ فرضه في 3 مارس/آذار 2026، خفّض الإمدادات الإقليمية بشكل أكبر.
وكانت بلدان عدة في الشرق الأوسط تعاني أصلاً من مستوياتٍ مرتفعة من انعدام حاد في أمنها الغذائي نتيجة الأزمات والهشاشة الاقتصادية والصدمات المناخية التي بدأت قبل هذه الأزمة.
ففي لبنان، يواجه حوالي 000 874 شخص مستوى الأزمة أو الطوارئ لجهة انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وفي اليمن، يعاني أكثر من 17 مليون شخص من مستوياتٍ مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وفي الجمهورية العربية السورية، تراجع حصاد القمح لعام 2025 بنسبة تُقدَّر بحدود 40 في المائة بسبب شدة الجفاف.
وهذا التداخل في الصدمات يعني أن أي ضغوطات إضافية على الأسواق الإقليمية للأغذية تعرّضها لخطر الانزلاق إلى تضخّم أكبر في أسعار الأغذية وتعميق الجوع.
كذلك، يؤثر ارتفاع أسعار الطاقة بشكل مباشر وفوري على معيشة الأسر المعيشية على الصعيد العالمي.
ويؤدي ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء إلى خفض الدخل المتاح، خاصة للأسر المعيشية المنخفضة والمتوسطة الدخل.
وتبرز هذه الآثار بصورة خاصة في البلدان المستوردة للطاقة حيث تنتقل الزيادات في الأسعار بسرعة إلى المستهلكين، ممّا يفاقم الضغوطات على كلفة العيش.
ومن الملحّ بمكان بالتالي وضع استجابة منسّقة على مستوى السياسات.
وتشمل التدابير في الأجل القصير خلال الأيام التسعين (90) المقبلة ما يلي:
- استحداث طرق تجارية بديلة،
- وتعزيز رصد الأسواق،
- وتفادي القيود على الصادرات من الطاقة والأسمدة التي تفرضها جهاتٌ أخرى،
- وتوفير الدعم المالي للمزارعين،
- وتفادي الزيادات المفاجئة في الطلب على الوقود الأحيائي التي قد تحوّل المحاصيل الغذائية إلى إنتاج الطاقة.
وتركّز التدابير في الأجل المتوسط خلال العام المقبل على ما يلي:
- تنويع مصادر الواردات،
- وتعزيز التنسيق الإقليمي،
- ودعم البلدان الضعيفة التي تعتمد على الواردات من خلال المعونة الغذائية الطارئة ودعم ميزان المدفوعات،
- وحماية تدفقات التحويلات المالية من اقتصادات منطقة الخليج.
ولا بدّ للاستراتيجيات في الأجل الطويل أن تقوم بما يلي:
- منح الأولوية للزراعة المحلية المستدامة،
- وتحسين البنية التحتية للتخزين،
- وإنتاج الأسمدة الخضراء،
- والاستثمارات في الطاقة المتجددة،
والتعديلات الهيكلية للتعامل مع التقلّب المستمر في الأسعار.
حضرات السيدات والسادة،
أمام هذا السيناريو، بادرت المنظمة- تماشيًا مع ولايتها ومواردها- إلى تفعيل عدة مسارات عمل:
أولًا: رصد سلسلة الإمداد بشكل آني.
لقد كثّفنا بالفعل، من خلال النظام العالمي للإنذار والإعلام المبكر، مراقبة حركة الشحن والبيانات في ميناء الرسو وأسعار الشحن في منطقة الخليج.
كما أننا نصدر إخطارات مرتين في الأسبوع للدول الأعضاء بشأن تحويلات البضائع ورسوم التأمين الإضافية.
ثانيًا: تنسيق الاحتياطي الاستراتيجي.
نعمل بشكل وثيق مع بلدان مجلس التعاون الخليجي وبرنامج الأغذية العالمي على تيسير عملية تبادل المعلومات بشأن المخزونات الوطنية، ما يسمح بتجنّب عمليات الشراء المتزامنة بدافع الهلع والتي قد تؤدي إلى إفراغ الأسواق العالمية.
ثالثًا: تحليل المسارات البديلة.
وضعت شعبة التجارة والأسواق في المنظمة نماذج لممّرات بديلة- عن طريق البحر الأحمر، حول رأس الرجاء الصالح، أو عبر طرقات برية من تركيا وجمهورية إيران الإسلامية- مع تقييم التداعيات على الكلفة والوقت بالنسبة إلى السلع القابلة للتلف.
رابعًا: برنامج الوصول إلى الأسمدة.
إقرارًا منا بأنّ منطقة الخليج تشكل مصدرًا رئيسيًا لليوريا والأمونيا، باشرنا مناقشاتٍ مع الدول المصدّرة للأسمدة لترتيب أولويات الشحن إلى البلدان الأقل نموًا والبلدان النامية غير الساحلية التي لا يمكنها تغيير المورّدين بسهولة.
حضرات الزميلات والزملاء الأعزاء،
يؤثر هذا النزاع على كل من الأفضليات الأربع.
ويعتمد بالفعل إنتاجٌ أفضل على الحصول على الأسمدة والمدخلات الزراعية الأخرى لصالح المزارعين قبل إغلاق مواسم الزرع.
وتتطلب تغذيةٌ أفضل حماية الأسر المعيشية المعرضة للخطر من ارتفاع أسعار الأغذية.
وتستوجب بيئةٌ أفضل خفض اعتمادنا على سلاسل الإمداد المتقلّبة من خلال الأمونيا الخضراء والطاقة المتجددة.
وتعني حياةٌ أفضل منع هذه الأزمة من دفع ملايين الأشخاص إلى مزيد من الفقر والجوع.
ولا بدّ أن توجّه الأفضليات الأربع استجابتنا.
فالتاريخ لا يحكم على المنظمات بناءً على الأزمات التي تنبأت بها، إنما على المعاناة التي منعت حدوثها.
ونحن نتمتع بالخبرة الفنية؛ ونحتاج الآن إلى الموارد للتحرّك- تماشيًا مع ولايتنا- قبل أن تؤدي هذه الأزمة إلى آثار كارثية على نظمنا الزراعية والغذائية وعلى الأمن الغذائي في العالم.
ومع إحلال السلام، تمضي الحضارة قدمًا!
وشكرًا على حسن إصغائكم.