برنامج الشراكة العالمية بشأن الأمراض الحيوانية العابرة للحدودالملاحظات الافتتاحية
للدكتور شو دونيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة
28/11/2025
أصحاب السعادة الممثلين الدائمين للأعضاء، الحاضرين هنا شخصيًا أو المشاركين عبر الإنترنت،
الزميلات والزملاء الأعزاء،
إنها لحظة حاسمة، نجتمع فيها اليوم لنفكّر معًا ونصمّم معًا ونُنجز معًا.
فقد وقع في وقت سابق من هذا العام أمر لم يكن في الحسبان. وقلت ذلك مرارًا وتكرارًا في العلن: لستُ ممّن يكثرون التذمّر - وإذا شكوتُ، فذلك يعني أنها شكوى حقيقية.
إنني أبذل دائمًا قصارى جهدي للتوصل إلى حلّ. فالحلّ أسمى من الشكوى. فعندما تشكو، فإنك تعبر فقط عن مشاعرك الشخصية. وقد يكون ذلك أحيانًا ضروريًا لتخفيف الضغوط عن نفسك. غير أنه، بوصفك قائدًا ومديرًا، إذا أكثرت من الشكاوى، فسوف يؤدي ذلك إلى طرح أفكار مضلِّلة وإلى حالات من سوء الفهم.
إنني أسعى دائمًا إلى التحلّي بالهدوء والتفكير مليًا. فما الفرصة الحقيقية المتاحة أمامنا عندما نواجه أزمة ما، كبيرة كانت أم صغيرة؟
وهذه المرة، وبعد ستة أشهر - فقد بدأنا في مايو/أيار - وطبعًا بعد المؤتمر الوزاري لمنظمة الأغذية والزراعة (المنظمة) سرَّعنا وتيرة العمل، باتت مذكرة المعلومات جاهزة لكم الآن بفضل جهود زملائي.
ولماذا لم نسمِّها "مشاورة"؟ لأن السنوات الأربع الماضية شهدت عددًا كبيرًا من المشاورات غير الرسمية غير الضرورية.
وستلاحظون أن مذكرة المعلومات توضح حجم التكاليف خلال السنوات الست الماضية لجميع دورات الأجهزة الرئاسية. نحن بحاجة إلى التحلي بقدر أكبر من الجديّة في ما يخص الكفاءة والفعالية، خاصة في الأجهزة الرئاسية.
وقد أصبح رئيس لجنة المالية السابق الآن الرئيس المستقل لمجلس المنظمة. لذا فإن هذه لحظة سانحة لإعادة تنشيط المجلس لكي يعود إلى المسار الصحيح ويصبح أكثر كفاءةً وفعالية.
شكرًا لانضمامكم إلينا اليوم في عرض برنامج الشراكة العالمية بشأن الأمراض الحيوانية العابرة للحدود (GPP). فهذا برنامج شراكة حقيقية!
سألتُ نظام "DeepSeek": "ما هوGPP؟" وفوجئت بأنني وجدت أنه لا توجد أي مصطلحات أممية تستخدم الاختصار GPP.
لم أجد سوى مقالة علمية واحدة حول إدارة التربة والمياه تستخدم اختصار GPP. لذا، ومرة أخرى، من المدهش أنكم أنتم الأوائل داخل منظومة الأمم المتحدة ممن يستخدمون هذا الاختصار!
إنه آلية متجددة، تتطلع إلى المستقبل وتقودها البلدان، مصمَّمة لتتلاءم مع واقعنا اليوم.
الإصلاح – لطالما قُلت إننا نحتاج إلى آلية للإصلاح. وهذا هو الإصلاح الحقيقي والعميق. فإذا اكتفيتم بعمليات الخفض أو الزيادة، فذلك يعدّ تبسيطًا مفرطًا للأمور.
ويقوم هذا البرنامج على فهمنا المشترك بأن الأمراض الحيوانية العابرة للحدود باتت اليوم من بين أخطر التهديدات والأكثرها إلحاحًا بالنسبة إلى الأمن الغذائي العالمي والاستقرار الاقتصادي ونهج الصحة الواحدة.
فالأمراض الحيوانية العابرة للحدود تنتشر اليوم بوتيرة أسرع وعلى نطاق أوسع وبآثار أكبر من أي وقت مضى.
وهي لا تعترف بالحدود ولا بالاعتبارات السياسية وتؤثر في المنظومات القوية والضعيفة على حدّ سواء.
لقد كان مركز الطوارئ لعمليات الأمراض الحيوانية العابرة للحدود في المنظمة عمودنا الفقري التشغيلي لأكثر من 20 عامًا.
وذلك بفضل الولايات المتحدة التي دعمتنا على مدى السنوات العشرين الماضية بحصة كبيرة من الميزانية والتي نعرب عن تقديرنا لها.
لقد حان الوقت الآن لاضطلاعكم بالدور المطلوب. وقد مازحتُ سعادة سفير فرنسا - بوصف بلده واحدًا من الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن وعضوًا في مجموعة العشرين - وقلت الشيء ذاته أيضًا للبرازيل الحاضرة هنا، وللهند الحاضرة أيضًا، وكذلك الصين والمملكة العربية السعودية، وجميعها حاضرة هنا اليوم.
فعلى الأقل، وبصفتكم أعضاء في مجموعة العشرين، ينبغي لكم أن تأخذوا هذا الموضوع على محمل الجد - بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، الذي هو بدوره من الأعضاء في مجموعة العشرين.
هذا هو الدور الريادي الذي يمكنكم الاضطلاع به. فإذا لم تتولَّ مجموعة العشرين الملكية، فَلِمَ التحقتم بها؟ الهند وإندونيسيا والمكسيك والأرجنتين وجنوب أفريقيا، وبالطبع الولايات المتحدة وكندا واليابان - وجميعها أيضًا أعضاء في مجموعة السبع. كما يمكن لروسيا وتركيا النظر في إمكانية تقديم الدعم.
آمل أن تغتنم مجموعة العشرين هذه الفرصة لإظهار دورها القيادي. فالأمراض الحيوانية العابرة للحدود ظواهر طبيعية؛ وهي لا تعترف بالحدود أو بالسياسة.
ونحن لا نتحدث هنا عن الأمراض الحيوانية العابرة للحدود فحسب، بل أيضًا عن الأمراض التي تصيب النباتات والحشرات. وسنطرح قريبًا برنامجًا آخر هو برنامج الشراكة العالمية بشأن الأمراض النباتية والحشرات العابرة للحدود.
غير أن عمليات الخفض الأخيرة في التمويل قد عرّضت هذه القدرات الأساسية لخطر جسيم، بموازاة تزايد التهديدات العالمية.
لا يمكننا أن نسمح بتقويض ما استغرق بناؤه عقودًا من الزمن. فهذا هو الرصيد المعرفي الذي اكتسبناه. وينبغي لنا أن نحترم الإسهام التاريخي للمستثمرين، من الولايات المتحدة وغيرها من أعضاء المنظمة.
لقد زرتُ العديد من المناطق في أفريقيا وشاهدتُ كيف أصبحت لديهم بالفعل القدرة والمختبرات اللازمة لإجراء الفحوصات المتعلقة بالصحة النباتية. وإنها لمسؤولية تاريخية أن نحافظ على هذا الزخم.
ولا يمكننا أن ننتظر وقوع الأزمة التالية لكي نبادر إلى العمل. فكلفة الوقاية أقل بكثير من كلفة التقاعس.
ولهذا السبب يدعم حاليًا صندوق مكافحة الجوائح المنظمة - وقد حصلنا على 124 مليون دولار أمريكي من هذا الصندوق!
وبفضل مساعد المدير العام السيد Thanawat Tiensin، مدير شعبة الإنتاج الحيواني وصحة الحيوان، باتت المنظمة الآن تحظى بتقدير عالٍ من قبل صندوق مكافحة الجوائح.
ويجب أن أشجّع جميع الزملاء، ليس فقط في شعبة الإنتاج الحيواني وصحة الحيوان، بل في جميع الوحدات الأخرى، بما يشمل المكاتب القطرية.
والواقع أنّ مبلغ 124 مليون دولار أمريكي ليس بالمبلغ القليل، خاصة وأننا نمرّ بمرحلة حرجة. ولذلك، علينا مواصلة العمل لإظهار قدراتنا التقنية وميزتنا النسبية.
وبالنسبة إلى صندوق مكافحة الجوائح، فإن هذا المبلغ يُعدّ صغيرًا - مقارنةً بإجمالي قدره 100 مليار دولار أمريكي تم التعهّد بها. وفي اعتقادي أنّ بداياته كانت بمبلغ لا يتجاوز 10 مليارات دولار أمريكي فقط.
وقد وصل الآن إلى نحو 500 مليون دولار أمريكي. ومن بين هذه الـ 500 مليون دولار أمريكي، حصلت المنظمة على 124 مليون دولار أمريكي!
وأودّ أن أهنّئ زملائي حقًّا، بقيادة مدير شعبة الإنتاج الحيواني وصحة الحيوان، وسائر كبار موظفي المنظمة الذين سيواصلون العمل ليلًا ونهارًا، لنكون موضع ثقة، قادرين على تحقيق النتائج ومسؤولين في أداء مهامنا.
ويستمر، في الوقت نفسه، ارتفاع الطلب العالمي على منتجات الثروة الحيوانية وتربية الأحياء المائية.
ولا أرغب في الخوض في تفاصيل كثيرة بهذا الشأن لأننا سنصل إلى عدد إجمالي للسكان يبلغ 10 مليارات نسمة بحلول نهاية عام 2050. هل تعتقدون أن هذا موعد بعيد؟ كلا، لا يفصلنا عنه سوى 25 عامًا.
وإذا كانت لديكم ماشية، فإنكم تحتاجون من ثلاث إلى أربع سنوات قبل ذبحها في عمر يتراوح بين 36 و48 شهرًا. ولذلك، إذا بدأتم الآن بتربية الأبقار أو الخنازير، فستحتاج إلى نحو 18 شهرًا. هذه هي الدورات الحياتية في الزراعة. أمّا بالنسبة إلى الفواكه، فبعضها يحتاج إلى خمس سنوات، أو عشر سنوات، أو حتى عشرين سنة قبل الحصاد. ولهذا السبب يجب أن نفكّر مسبقًا ونُعِدّ أنفسنا في وقت مبكر.
ويدعم قطاع الثروة الحيوانية اليوم سُبل عيش أكثر من 1.3 مليارات شخص - أي شخص واحد من كل خمسة أشخاص على كوكبنا - بينما توفّر تربية الأحياء المائية نصف الإنتاج العالمي من المأكولات البحرية وأسماك المياه العذبة.
لقد قلتُ للمدير العام المساعد لشعبة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية السيد Manuel Barange: إنّ الأسماك أيضًا من الحيوانات ولا ينبغي لنا أن نفصلها عن سائر القطاعات، وإلا سنواصل العمل ضمن تقوقعات. فلنكن منظمة واحدة، منظمة واحدة للأغذية والزراعة.
ويمكنهم أيضًا الحصول بسهولة على نسبة صغيرة من تمويل صندوق مكافحة الجوائح إذا تعاملوا مع أمراض الأسماك؛ غير أنهم لم يكونوا قادرين بفردهم على الحصول على 15 مليون دولار أمريكي أو 20 مليون دولار أمريكي لمعالجة الأمراض التي تصيب الأسماك.
ولهذا قلتُ إنّ عليكم العمل وفق المصطلحات الأساسية لعلم الأحياء. ويسرّني كثيرًا أن المدير العام المساعد السيد Manuel Barange كان سابقًا أستاذًا محاضرًا أمام الطلاب، وها هو اليوم يُترجم كلماته إلى أفعال على أرض الواقع.
وتُعدّ هذه القطاعات أساسية للتغذية وتوفير فرص العمل وإتاحة الفرص الاقتصادية، لا سيّما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وحتى في البلدان المرتفعة الدخل مثل إيطاليا، يأتي قدر متزايد من الأسماك من تربية الأحياء المائية - فهذا هو التوجّه الجديد، إذ لا يمكن الاستمرار في الاعتماد دومًا على الأسماك التي يتمّ صيدها طبيعيًا.
إنّ أكبر مجال ذي إمكانات للحد من الصيد غير القانوني دون إبلاغ ودون تنظيم يكمن في التنمية بحدّ ذاتها.
فإذا لم تغيّروا عاداتكم الاستهلاكية، ستواصلون التركيز على الأسماك التي يتم صيدها طبيعيًا. وإذا لم يوجد مستهلكون، فلن تكون هناك قوة دافعة تشجّع على الصيد غير القانوني. لكن الأوروبيين يطالبون الآخرين دائمًا بوقف الصيد غير القانوني.
وإذا لم توفّروا الفرصة التسويقية، فلن يُصدِّر أحد الأسماك التي يتم صيدها طبيعيًا إلى أوروبا، لأنكم القارّة الأعلى كلفة في العالم.
وإذا خفّضتم استهلاككم من الأسماك التي يتم صيدها طبيعيًا بنسبة خمسة في المائة، فسيؤدي ذلك إلى خفض الصيد البرّي بنسبة عشرة في المائة، واستبدال تلك النسبة بخمسة في المائة من الأسماك المنتَجة عبر تربية الأحياء المائية. فهذه هي النتيجة المنطقية لتشجيع تربية الأحياء المائية.
ويسيء الكثيرون فهم مفهوم الأسماك التي تنمو طبيعيًا. فهل ترغبون في تناول عضلات السمك فقط؟ هذا هو السمك الذي يتم صيده طبيعيًا. لكنكم تحتاجون إلى أسماك أكثر طراوة تُنتَج عبر تربية الأحياء المائية مع تطبيق ضوابط الجودة بالطبع. وهذا نهج يستند إلى العلم. فالناس يظنون أنكم تريدون لحم الغزلان أو الماعز البريّة، ولكن هذا غير صحيح؛ إذ إنكم عندما تتصيدون الماعز ثم تربّونها في الحظيرة لأشهر عدّة، يصبح لحمها أكثر طراوة.
لقد كنتُ نائب الحاكم في مقاطعة ذات أغلبية مسلمة؛ وقد استوردنا عجولًا وماعزًا سريعة النمو من جنوبي الصين وجلبناها للإقامة في مقاطعة نينغشيا. وهي منطقة جافة. وكان ذلك مناسبًا لأن قيمة درجة الحموضة (pH) في مياه الشرب مرتفعة القلوية، وهو ما يغيّر نكهة لحم الضأن. إنّه حل يستند إلى العلم.
وأودّ أن أغتنم هذه الفرصة، قبل تقاعدكم السيد Barange، للحدّ من الصيد الطبيعي للأسماك في أوروبا بنسبة خمسة في المائة. وسيكون لذلك وقع ملحوظ.
ويمكننا أن نوفّر الكثير من "الثرثرة" وكذلك الكثير من المشاورات بشأن السياسات والاستثمارات. علينا فقط تثقيف المطاعم: أخبروهم أنّكم لا تريدون الأسماك التي يتم صيدها طبيعيًا، بل تريدون تلك المنتَجة من تربية الأحياء المائية.
إنّ مطاعم كثيرة تشتري الأسماك المستزرعة ثم تبيعها على أنها أسماك تم صيدها طبيعيًا؛ ولكن المخاطر تتصاعد مع توسّع التجارة وزيادة حركة الحيوانات والتسارع المتزايد لآثار أزمة المناخ.
فبإمكان حالات تفشي الأمراض أن تقضي على سنوات من التقدم خلال أيام معدودة. ويمكنها أن تدمر مزارعي الحيازات الصغيرة، وتعطّل التجارة، وتُثقل كاهل الميزانيات الوطنية، وتزيد الضغط على استخدام مضادات الميكروبات. كما يمكنها أن تنتقل إلى السكان أنفسهم.
ولهذا السبب بذلت المنظمة، بالتعاون مع الأعضاء، الكثير من الجهود على مدى سنوات طويلة لبناء نظم قوية وقادرة على الصمود في مجال صحة الحيوان.
وعلينا الآن حماية تلك الإنجازات وتوسيع نطاقها قبل أن تقع الأزمة التالية، لا أن نتحرك فقط عند وقوع الأزمة وتأثيرها في إنتاجنا اليومي.
وينبغي لنا التركيز على الإدارة الصحية اليومية في الإنتاج الحيواني.
لقد حرصت المنظمة على تقديم الخدمات الفنية للمزارعين - لا سيّما صغار المزارعين - بشكل يومي. وإذا لم نفهم الأمراض الحيوانية العابرة للحدود مثل حمى الخنازير الأفريقية، فسيتوقّف الآخرون عن استيراد لحومكم أو تصديرها.
وأرى أنّ شعبة الإنتاج الحيواني وصحة الحيوان لدينا ينبغي ألّا تستخدم مصطلحات الجائحة لتخويف الأعضاء.
فقد تمرّ 10 أعوام أو 20 عامًا من دون تفشي أي مرض- تمامًا كما حدث مع الجراد الذي غاب 25 عامًا. فهل يعني ذلك أننا لا نحتاج إلى أن يفهم الناس كيفية مكافحة الجراد؟
هذه هي أهمية منظمة الأغذية والزراعة كمنظمة؛ فنحن نعمل على مدى 20 عامًا لبناء قدراتنا التقنية لكي نتمكن من تقديم الخدمة عند الحاجة. فنحن مختلفون عن غيرنا من المنظمات.
ويقول الأوروبيون إنهم لا يواجهون هذه الأزمة، ولا يعانون من جائحة، ولكن بعد 20 عامًا يجدون أنهم فقدوا القدرة على المواجهة، رغم امتلاكهم التكنولوجيا والعلماء المرموقين. ولكن لا أحد بمنأى عن الخطر. وإنّ أيًا من الأعضاء لا يمتلك ميزة أو امتيازًا يتيح له القول إنه في مأمن.
حضرات السيدات والسادة،
إنّ برنامج الشراكة العالمية بشأن الأمراض الحيوانية العابرة للحدود يستجيب مباشرةً للتوجيه الصادر عن المؤتمر الوزاري للمنظمة في شهر يوليو/تموز من هذا العام وللشواغل التي عبّر عنها الكثيرون منكم.
وسيساعد هذا البرنامجُ المنظمة على مواصلة الاضطلاع بواحدة من ولاياتها الأساسي ألا وهي الوقاية من الأمراض الحيوانية العابرة للحدود ومكافحتها - ليس الوقاية فحسب، بل المكافحة أيضًا - بوصف ذلك منفعةً عامة عالمية.
ولتحقيق ذلك، يتميز هذا النظام الجديد بأربع سمات جوهرية:
أولًا: هو نموذج جديد للشراكات المبتكرة.
فلا يمكن لأي بلد أن يتعامل مع هذه الأمراض بمفرده. ومن خلال هذا البرنامج، ستجمع المنظمة بين الأعضاء والبنوك الإنمائية والمنظمات الإقليمية والقطاع الخاص والمؤسسات، وغيرهم من الشركاء الدوليين والفنيين، في جهد منسّق واحد.
وسنستضيف أمانة التنسيق هنا في شعبة الإنتاج الحيواني وصحة الحيوان.
وهذا ليس نهجًا تقليديًا يقوم على تنفيذ المشاريع، الواحد تلو الآخر. بل هو منصّة للتضامن والمسؤولية المشتركة والاستثمار المستدام والقابل للتنبؤ.
وسيضمن أن تساهم البلدان التي لديها أكبر الموارد في دعم تلك التي تمتلك قدرات محدودة أكثر - وألّا يُترك أي بلد خلف الركب.
ثانيًا: إنه نظام مُحفِّز ومتكامل.
إذ يستند البرنامج إلى أكثر من عقدين من خبرة المنظمة ويخطو خطوة إضافية عبر الربط بين الإنذار المبكر والعمل الاستباقي والاستعداد والاستجابة السريعة ضمن منظومة واحدة متماسكة.
ويجمع هذا النظام بين التميّز التقني لدى المنظمة وبين الابتكار، من خلال:
- الأدوات الرقمية للكشف الأسرع؛
- والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمخاطر؛
- وشبكات مخبرية أقوى؛
- والأمن البيولوجي أو السلامة البيولوجية. وفي اللغة الإنكليزية نقول biosafety لا biosecurity، لأن الناطقين بالإنكليزية يميّزون بينهما: فـ biosafety تُستخدم عند الحديث عن الكائنات المعدّلة وراثيًا والمخاطر المرتبطة بها، أمّا biosecurity فهي مسألة كمية. وباعتباري عالمًا سابقًا، أستخدم مصطلح biosafety لأنها مسألة نوعية تنطوي على مخاطر محدّدة - وهذا التعريف وضعناه منذ 25 عامًا أو أكثر.
- واستراتيجيات التلقيح؛
- ونماذج أعمال جديدة للاستثمار المشترك بين القطاعين العام والخاص.
وهكذا ننتقل من مرحلة ردّ الفعل بعد انتشار الأمراض إلى مرحلة منع انتشارها.
وسنُنشئ أيضًا نظامًا للرصد والمتابعة. ومرة أخرى، لا يقتصر الأمر على الوقاية أو المكافحة فحسب، بل إننا نعمل على إرساء نظام عالمي للرصد - وهذا هو جوهر قيمة المنظمة، وقيمة هذا البرنامج.
ثالثًا: إنه آلية تقودها البلدان حقًا، تستند إلى مبدأ بسيط مفاده أن البلدان تتولى القيادة، فيما تضطلع المنظمة بدور الحشد وتعزيز القدرات.
ويتألف البرنامج من ثلاثة مستويات مترابطة:
- على المستوى الوطني: تنفّذ البلدان خططها الخاصة عبر المنصّات الوطنية أو مراكز التميّز. ولدينا عدة مراكز مرجعية في مختلف البلدان. وبالتعاون مع المركز المشترك بين المنظمة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، يمكننا تعزيز قدراتها والتدريب. وهذا يمثل ميزة إضافية، إذ إننا الوكالتان الشقيقتان الوحيدتان داخل منظومة الأمم المتحدة اللتان تمتلكان مختبرات متعاونة فعلية تُساهم في تعزيز قدرات البلدان النامية التي هي بأمسّ الحاجة إليها، بما يتماشى مع أولوياتها وسلاسل القيمة فيها.
- على المستوى الإقليمي: تتولى المراكز الإقليمية للأمراض الحيوانية العابرة للحدود تنسيق العمل عبر الحدود وتوحيد أعمال المراقبة وتعزيز مستوى التأهّب.
- على المستوى العالمي: توفّر آلية التنسيق العالمية الجديدة، برئاسة المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة، إطارًا للمواءمة وتوفير المعلومات الاستراتيجية وحشد الاستثمارات.
ويحافظ هذا التصميم على الملكية الوطنية، مع ضمان الاتساق على الصعيد العالمي.
رابعًا: يوفّر برنامج الشراكة العالمية أثرًا مستدامًا للأعضاء من خلال:
- عدد أقلّ من حالات التفشي؛
- عدد أقلّ من الاختلالات في التجارة؛
- خسائر اقتصادية أقلّ؛
- مخاطر صحية أقلّ؛
- مزيد من الفرص للنمو المستدام.
حضرات السيدات والسادة،
يهدف برنامج الشراكة العالمية هذا إلى صون عقود من الاستثمارات والمساهمة في بناء نظم زراعية وغذائية أكثر كفاءة وأكثر شمولًا وأكثر قدرة على الصمود وأكثر استدامة،
وذلك من أجل تحقيق الأفضليات الأربع، بما في ذلك إنتاج أفضل.
فنحن نبدأ دائمًا بإنتاج أفضل. فلو لم نكافح الأمراض، لكان اقتصر الحديث على مقاومة مضادات الميكروبات أو الأمراض الحيوانية المنشأ - وهذه القضايا لا تمثّل جوهر الإنتاج الحيواني.
إنّ الوظيفة الأساسية لشعبة الإنتاج الحيواني وصحة الحيوان في المنظمة، وكذلك لشعبة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، يجب أن تتمثل في توفير مزيد من البروتينات الحيوانية وبجودة أفضل، بما في ذلك الأسماك.
ولا ينبغي أن يتم ذلك عبر الصيد أو الحيوانات البرّية. فإذا كنتم ترغبون في وقف صيد الحيوانات البرّية، فلا تتناولوا لحومها وعندها لن يكون أحد مستعدًا لصيدها - الأمر بهذه البساطة!
إنها فرصتنا لتعزيز وتحديث وتأمين عمل المنظمة بشأن الأمراض الحيوانية العابرة للحدود للسنوات العشرين المقبلة، مع اقتراب الاحتفال بالذكرى المئوية. ولستُ طموحًا إلى حدّ أن أتخيّل نفسي موجودًا هنا بعد 80 عامًا! ولكن الحديث عن العشرين عامًا المقبلة أكثر واقعية، وأكثر قابلية للتنبؤ، وعملي بقدر أكبر.
إنها فرصة لتحويل الأزمة إلى إمكانية وحالة عدم اليقين إلى تضامُن متجدّد.
وجلسة اليوم ليست مجرد عرض لبرنامجٍ ما؛ بل هي دعوة لشراكتكم وملكيتكم وقيادتكم وتضامنكم.
وسوف تساهم توجيهاتكم في صياغة التصميم النهائي للبرنامج وسيحدّد انخراطكم مستوى طموحه، كما سيُحدّد التزامكم حجم أثره.
وإني أشجّعكم جميعًا على الانضمام إلى البرنامج الآن قبل حلول منتصف مايو/أيار 2026، لأنه بعد انعقاد المؤتمرات الوزارية الإقليمية خلال النصف الأول من العام القادم، سنغلق باب تقديم الطلبات.
وسأواصل الترويج لهذه الأفكار في كل من المؤتمرات الإقليمية. وسأتحدّث مباشرة مع وزرائكم أو نوابهم لتشجيعهم على تبنّي هذا البرنامج والدخول في شراكة مشتركة. فهذه هي الخطوة الأولى اللازمة.
أما الخطوة الثانية، فأنّ هناك أربع فئات:
الفئة الأولى تشمل الدول الجزرية الصغيرة النامية والبلدان الأقل نموًا والبلدان النامية غير الساحلية. والسيدة Xiangjun Yao هي مديرة مكتب الدول الجزرية الصغيرة النامية والبلدان الأقل نموًا والبلدان النامية غير الساحلية، التي تمثّل نحو 90 عضوًا من أعضاء المنظمة. ونحن لا نرغب في أن تساهم هذه البلدان من الناحية المالية.
وبالطبع، سعادة السيد Yaya Olaniran من نيجيريا، إذا طلبتم من معالي الوزير في بلادكم المساهمة بمليون (1) دولار أمريكي سنويًا، فلا بأس في ذلك - على الرحب والسعة - لأن بلدكم هو أكبر بلد في أفريقيا. ولكن ينبغي لكم أيضًا أن تطلبوا من وزيركم إنشاء صندوق أحادي الجانب لمعالجة الأمراض الحيوانية العابرة للحدود في بلدكم. فنحن لا نريد إنفاق أي دولار من أموال بلدكم. ويمكنكم أن تطلبوا من معالي وزير المالية موضحين أنكم انضميتم إلى برنامج الشراكة العالمية للمنظمة بشأن الأمراض الحيوانية العابرة للحدود (GPP‑TAD) ولذا نحتاج إلى التزامكم ودعمكم لمعالي وزير الزراعة من أجل رصد الأمراض الحيوانية في نيجيريا.
إذًا، الفئة الأولى هي الدول الجزرية الصغيرة، والتي قد لا تحتاج إلا إلى 000 100 دولار أمريكي سنويًا من صناديق أحادية الجانب.
أمّا الهند، فهي بلدٌ كبير، لكنها ليست بعدُ من البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا، ولذا يمكنكم ربما طلب مليار (1) دولار لاستخدامكم الوطني. وينبغي لمعالي وزير الزراعة أن يحثّ معالي وزير المالية على القيام بذلك، لأنكم، من حيث النسبة المئوية، تحتاجون إلى مليار (1) دولار. فعدد سكانكم يبلغ 1.5 مليارات نسمة: وإذا استثمر كل فرد دولارًا واحدًا في مكافحة الأمراض الحيوانية العابرة للحدود - وهو مبلغ معقول - سيبلغ مجموع ال 1.5 مليارات دولار أمريكي من الهند كصندوق أحادي الجانب.
أما الفئة الثانية فهي البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا مثل المملكة العربية السعودية والبرازيل والصين ويجب عليكم أن تقدموا مساهمات. وكذلك المكسيك. وقد تحدّثتُ مع معالي السيد Julio Berdegué، وزير الزراعة والتنمية الريفية في المكسيك والممثل الإقليمي السابق للمنظمة لأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، إلى جانب معالي وزير الخارجية، وناقشنا إمكانية تقديم مليون (1) دولار سنويًا على مدى السنوات الأربع المقبلة.
ولماذا قلتُ أربع سنوات؟ لأنني أُعِدّ الأمور للمدير العام الجديد حتى يكون لديه/لديها عند تولّيه/تولّيها المنصب موارد مالية يواصل/تواصل بها العمل. أنا شخص يبني دائمًا الجسور لمن يأتي بعده.
يُرجى الالتزام بتغطية العامين الأولين على الأقل، ثم يمكنكم بعدها مواصلة المساهمة لعامين إضافيين عند مباشرة المدير العام الجديد مهامه.
وعليه، ستُطلب المساهمة من البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة العليا لمدة أربع سنوات - بما في ذلك فرنسا وسائر بلدان مجموعة العشرين، باستثناء ربما بعض البلدان المتوسطة الدخل من الشريحة الدنيا.
فهذا يُظهر التضامن الحقيقي، ليس مجرد الحديث عن التضامن أو عن أهميته، بل كدليل عملي عليه.
ولن أنتظر حتى الأول من يونيو/حزيران 2026؛ بل سأبدأ منذ الآن في تنظيم هياكل جديدة لكيفية إدارة هذا البرنامج ورصده.
وبالنسبة إلى الفئة الثالثة، سأشجّع مدير إدارة تعبئة الموارد السيد Alexander Jones والسيد Rein Paulsen، مدير مكتب الطوارئ والقدرة على الصمود، على العمل معًا، جنبًا إلى جنب مع جميع القيادات الرئيسية، للتواصل مع الصناديق المتعددة الأطراف والمؤسسات. ويمكنهم تقديم مساهمات طوعية لدعم عدد قليل من الأعضاء أو التبرّع بالتمويل لدعم محور التنسيق وفق ما يرونه مناسبًا.
هذا هو نموذج العمل الذي أعتمده.
وبعد ذلك، سنوجّه الدعوة بطبيعة الحال إلى مؤسسات البحوث الزراعية التابعة للجماعة الاستشارية للبحوث الزراعية الدولية وبعض المعاهد الكبرى مثل الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية (CAAS)، والمؤسسة البرازيلية للبحوث الزراعية (EMBRAPA)، والأكاديمية الفرنسية للعلوم الزراعية (CNR)، وغيرها في الولايات المتحدة - وكل من يرغب في تقديم الدعم الفني.
كما أرغب في كسر الحواجز بين الشُّعَب وسأتولّى قيادة هذه العملية بنفسي لإرسال إشارة سياسية قوية.
وسأتحدث طبعًا مع صديقي السيد Bill Gates لأمنحه الفرصة الأخيرة لتقديم مساهمة للمنظمة قبل مغادرتي مهامي.
كما أن البنك الدولي والبنك الآسيوي للتنمية والبنك الأفريقي للتنمية والبنك الكاريبي للتنمية، وغيرها مثل البنك الزراعي الإيطالي، أو المصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير، يمكنها أيضًا تقديم مساهمات مالية باعتبارها إشارة سياسية.
أما الأعضاء، فقد قلتُ إنّ على مجموعة العشرين أن تضطلع بدور قيادي. وليس ذلك مقصورًا عليها بالطبع؛ إذ ينبغي لكم رفع تقارير إلى عواصمكم، وسأتابع الأمر مع وزرائكم. وأنتم تعلمون أنني صديق مقرّب لوزرائكم، لا سيّما وزراء الزراعة.
إنّ المنظمة على أهبة الاستعداد - بما تملكه من شبكات عالمية، ومكاتب قطرية، وخبرات علمية، وخبرات تشغيلية -للعمل معكم لحماية صحة الحيوان على نطاق العالم باعتبارها منفعة عامة عالمية.
من أجل عالم أكثر أمانًا وأكثر قدرة على الصمود وأكثر أمنًا غذائيًا.
فلنعمل معًا؛ فبتعاوننا يمكننا أن نواجه هذا التحدّي العالمي بفاعلية أكبر.
وشكرًا على حسن إصغائكم.