قفزة نوعية بالنسبة إلى سلامة الأغذية


منذ السفر إلى الفضاء وحتى جائحة كوفيد-19، اجتازت مدونة نظافة الأغذية تحدي الزمن

في ستينات القرن الماضي، أبرز السفر إلى الفضاء الأهمية الحاسمة لسلامة الأغذية. ومنذ ذلك الوقت، أُدرج النهج الوقائي الذي طُوّر لفحص الأغذية التي يتناولها رواد الفضاء في "مدونة الأغذية" التي أعدتها منظمة الأغذية والزراعة بالاشتراك مع منظمة الصحة العالمية، وهي المدونة التي تحمينا حتى هذا اليوم. ©NASA

09/10/2020

في عام 1969، كانت اللمسات الأخيرة توضع على الخطط النهائية للسفر إلى القمر. وورد على قائمة التدقيق كيفية الحفاظ على سلامة أغذية رواد الفضاء خلال الرحلة الفضائية. ففي الستينات من القرن الماضي، لم تكن في الواقع الأمراض المنقولة عن طريق الأغذية أمراً نادراً في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي جميع أنحاء العالم.

ولذلك، في الأعوام التي سبقت رحلة الإقلاع، عملت الإدارة القومية الأمريكية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) مع شركة بيلسبوري والمختبرات العسكرية في الولايات الأمريكية لضمان ألاّ يصاب رواد الفضاء، الذين يطوفون في الفضاء، بالمرض بسبب الأغذية المعدّة للرحلة، إذ إن تلك الحالة قد تكون مضرة بالمهمة وبسلامة رجال الفضاء. واتبع الفريق نهج سلامة الأغذية بالطريقة التي اختبر فيها فعالية الهندسة، أي بفحص نقاط الضعف الموجودة في النظام.

ويمكن للأغذية أن تصبح غير سليمة عن طريق مجموعة من "المخاطر" التي قد تكون بيولوجية أو كيميائية أو مادية وتجعل الأغذية في نهاية المطاف غير سليمة من أجل الاستهلاك البشري. ويمكن حل المشاكل من خلال تقييم المخاطر ومعرفة مواطن نقاط المراقبة الحرجة، أي نقاط الضعف المحتملة. وقبل هذا النهج، كانت المشاكل تُحدد في المنتج النهائي وحده، وفي بعض الأحيان، فقط عندما يصل المنتج إلى المستهلك وتحدث عواقب وخيمة في غالب الأحيان.

وشكّل هذا التغير في النهج بالتركيز على الوقاية تحولًا كبيرًا في التفكير والقطاع، وهو تحول، شأنه شأن السفر إلى الفضاء، اجتاز تحدي الزمن.

وخلال هذه الفترة، انصب تركيز هيئة أخرى بشكل أكبر على سكان الأرض وعلى جعل هذه المعايير معايير دولية لصالح كل إنسان على وجه الأرض، وليس فقط في الفضاء. وقامت هيئة الدستور الغذائي المشتركة بين منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية، عندما اجتمعت في جنيف، سويسرا، باعتماد "مدونة الأغذية" التي أصبحت الدعامة التي ترتكز عليها جميع مواصفات الأغذية التي تتعلق بالنظافة خلال السنوات الخمسين التالية.

وتجسد هدف هذه الهيئة في جعل كل مشغّل من مشغلي الأعمال التجارية الغذائية، سواء أكانت منشأة هائلة للتجهيز الصناعي أو بائعًا على عربة، ينفذ طريقة منهجية لمنع أو مراقبة أو إزالة تلوث الأغذية حتى لا تتسبب في إصابة الناس بالمرض. وأدى هذا الاجتماع إلى وضع المبادئ العامة لسلامة الأغذية، وهي وثيقة أُعدّت لتحقيق هذا الهدف على وجه التحديد.

زادت هيئة الدستور الغذائي في اجتماعها الأخير تعزيز نهج نظام تحليل مصادر الخطر ونقاط الرقابة الحرجة، وهي عملية لتقييم المخاطر وإعداد نظم مراقبة تركز على الوقاية بدلًا من تحليل المنتج النهائي. الصورة اليسرى: ©FAO/Maxim Zmeyey، الصورة اليمنى: ©FAO/Maxim Zmeyey

وتتابع هذه المدونة السلسلة الغذائية من الإنتاج إلى المستهلك، وتحدد شروط النظافة الضرورية لإنتاج أغذية سليمة ومناسبة للاستهلاك. وتوصي باتباع نهج نظام تحليل مصادر الخطر ونقاط الرقابة الحرجة لسلامة الأغذية. ويقوم النظام الوقائي القائم على العلم بتحديد المخاطر الهامة لسلامة الأغذية ويقيّمها ويضع تدابير لمراقبتها. ويُستخدم نظام تحليل مصادر الخطر ونقاط الرقابة الحرجة في جميع أنحاء العالم اليوم، وقد اكتسب هذا الشهر أهمية ومكانة بارزة في المدونة.

وهناك حاجة إلى أن يدرك ويفهم مشغّلو الأعمال التجارية الغذائية المخاطر التي ترتبط بالأغذية التي ينتجونها وينقلونها ويخزنونها ويبيعونها كي يتمكنوا من اتخاد تدابير لمراقبة هذه المخاطر والتأكد من أن منتجاتهم سليمة ومناسبة للمستهلكين.

وتوفر هيئة الدستور الغذائي أيضًا ذخيرة كبيرة من مواصفات السلع الأساسية (يبلغ عددها حالياً 224) بشأن كل شيء ابتداءً من الفواكه المعلّبة إلى صلصة المانجو. ولكل سلعة هناك مجموعة من المواصفات التي ينبغي استيفاؤها، ولكن جميع هذه المواصفات تحيل إلى المبادئ العامة لسلامة الأغذية عندما يتعلق الأمر بضمان سلامتها من أجل المستهلكين.

يعني وجود ثقافة جيدة لسلامة الأغذية أن الفيروسات والميكروبات والعناصر الأخرى الضارة بصحة الإنسان لن تنتشر في أي مرحلة في سلاسل القيمة الغذائية، ابتداءً من التجهيز وحتى التسليم. ©FAO/Max Valencia

وتمثل ممارسات النظافة الشخصية الجيدة في تصنيع الأغذية أساس هذا العمل منذ ستينات القرن الماضي. وعندما يجري اتباع معايير النظافة بشكل صحيح، لا ينبغي أن تنتشر الفيروسات والميكروبات الضارة بالإنسان عن طريق ممارسات تصنيع الأغذية. وعلى سبيل المثال، عندما بدأت جائحة كوفيد-19، كان بالفعل لدى مشغّلي الأعمال التجارية الغذائية، الذين يتّبعون المبادئ العامة لسلامة الأغذية ويطبقون ممارسات التصنيع الجيدة، نوع من ثقافة سلامة الأغذية المطلوبة لمنع انتشار الفيروس في منشآتهم أو في أماكن عملهم.

وقامت هيئة الدستور الغذائي هذا الشهر بتحديث مدونة الأغذية بإضافة مزيد من المعلومات بشأن الملوثات الكيميائية، وأدرجت الآن توجيهات أكثر تعمقًا بشأن إدارة العوامل المسببة للحساسية. ومع أمراض الحساسية التي تشكل مجال قلق متزايد في العالم، سيوسع الدستور الغذائي نطاق عمله في هذا المجال ويعزز متطلباته لتوسيم الأغذية.

والتحديث المهم الآخر، الذي يمكنه المساعدة حتى في معالجة المسائل المتعلقة بندرة المياه، هو أن الدستور الغذائي بات يميّز الآن بين مستويات جودة المياه المقبولة استنادًا إلى استخدامها المقصود. إذ لا تتطلب جميع استخدامات المياه، مثل ريّ المحاصيل على سبيل المثال، مياهًا صالحة للشرب. وفي بعض الحالات، مثل هذه الحالة، يكون استخدام المياه النظيفة كافيًا. ويمكن لهذا التمييز أن يخفف من الضغط على مياه الشرب ويعود بفوائد واسعة النطاق من أجل الحفاظ على هذا النوع من الموارد الطبيعية التي تقلّ بشكل متزايد.

وبفضل النهج المتبصر للدستور الغذائي في تلك السنوات الأولى، تحوّلت المعرفة العلمية بشأن كيفية تحضير الأغذية ومعالجتها بشكل سليم إلى مواصفات لا تزال تستخدمها السلطات التنظيمية وصناعة الأغذية حتى الآن من أجل رصد نظافة الأغذية وتحسينها بشكل مستمر.

وهناك مبدأ أساسي واحد، ألا وهو: إذا كانت الأغذية غير سليمة، فهي ليست أغذية. وعندما تذهب في المرة المقبلة إلى المقهى أو المطعم في منطقتك، أو حتى تشتري الأغذية من محل البقالة، تذكّر أن مواصفات الأغذية هذه قد وُضعت كي تحميك من المرض. والهدف الذي يسعى الدستور الغذائي إلى تحقيقه هو ضمان الأغذية السليمة لجميع الأشخاص حول العالم، أو الأشخاص الذين يطوفون حوله.


لمزيد من المعلومات:

الموقع الإلكتروني: المواصفات الغذائية الدولية التي وضعتها هيئة الدستور الغذائي

الموقع الإلكتروني: سلامة الأغذية وجودتها

منشور: تسهيل وتسريع التجارة بالأغذية والزراعة خلال جائحة كوفيد-19 وما بعدها (متاح باللغة الإنكليزية فقط)

مطبوع: خمسون عامً من السلامة الغذائية (متاح باللغات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية)

2. Zero hunger, 3. Good health and well-being