بايتات البلقان: كيف تقوم ريادة الأعمال الزراعية الرقمية بتغيير أحد البلدان


يعمل ناشط اجتماعي شاب، بدعم من منظمة الأغذية والزراعة والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، على إقامة الروابط في قلب المناطق الريفية في الجبل الأسود

رأى الناشط الاجتماعي الرقمي الزراعي، Marko Maraš، وجود حاجة ما في القطاع الزراعي في الجبل الأسود فقام بإطلاق منصة للتجارة الإلكترونية وتبادل المعارف. ©Vedran Ilić

14/06/2021

في مارس/آذار 2021، باتت بقرة من الجبل الأسود أول بقرة معروفة من هذا النوع - وفي واقع الأمر، أول أصل من أصول المزرعة من أي نوع كان - يتم شراؤه بعُملة افتراضية، في غرب البلقان. والمضحك في الأمر، وإن كان ملائمًا تمامًا، التسمية التي أطلقت على البقرة، وهي بيتكوينكا.

وقد تم بيع هذه البقرة مقابل 0.013 بيتكوين، أي ما يعادل 1600 دولار أمريكي حينذاك. وحقّقت بذلك نوعًا من الشهرة التي يشهدها عادة نجوم برامج الواقع الذين تكتظ بهم شاشات تلفزيون الجبل الأسود. وباتت أسواق الزراعة الرقمية الشغل الشاغل في البلاد التي تعيش فيها البقرة، وعبر غرب البلقان. ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى شاب واحد - في بيئة كان شراء حيوان فيها قبل سنوات قصيرة أمرًا متداولاً بصورة غير رسمية ويُدفع ثمنه نقدًا.

شاب سُرقت منه بعض الأشياء فقرر تحويل موطنه.

الماشية والبلد وشريط الفيديو

Marko Maraš هو شاب يبلغ واحدًا وثلاثين عامًا من العمر. وهو، باعترافه، لا يستحضر إلى الذهن، بقامته النحيلة وثرثرته وشعره الأشقر المعقود على شكل ذيل حصان، المزارع العادي في الجبل الأسود. وهو بالفعل ليس مزارعًا، مع أنه عمل كمساعد في إحدى المزارع. ولطالما كان لديه، على حد قوله، تآلف مع الريف – غير أن ذلك بقي خفيًا حتى منتصف عام 2010. وكان Marko يدير شركة لتأجير معدات الفيديو في عاصمة الجبل الأسود، بودغوريتسا، عندما تغيّرت حياته. وهو يقول: "سُرق مني ما قيمته 20 ألف دولار أمريكي من المعدات".

فكانت هذه البداية. ففي برهة وجيزة، تغيّرت الأمور؛ وشعر بدافع خفي. وحزم Marko أمتعته وانتقل إلى أمريكا الجنوبية. وتطوع في مشاريع للتنمية الريفية في بوليفيا وإكوادور وبيرو، إلى أن شعر بما يسمّيه "الجاذب". ويشرح "عن الوطنية". وهو يقصد النوع الوقور وغير المتعجرف من الوطنية: النوع الذي يرى موضع ضعف وطني ويشرع في إصلاحه.

وقد نال الجبل الأسود استقلاله منذ عام 2006 فقط، وهو يتمتع بتاريخ عريق ولكنه حديث العهد من الناحية السياسية. ويُعدّ أحد أصغر دول العالم، من حيث مساحته وعدد سكانه على حد سواء، إذ يبلغ عدد السكان ما يزيد قليلاً عن 600,000 نسمة. وتنحدر فيه سلاسل جبلية عالية نحو ساحل البحر الأدرياتيكي؛ وتطل مراعي جبال الألب فيه على الشواطئ وبساتين الزيتون. وتجلب الزراعة بضع نقاط فقط إلى الناتج المحلي الإجمالي. وإذا ما استثنينا جائحة كوفيد-19، فإن السياحة هي التي تؤدي الدور الأكبر فيه. غير أن الزراعة لا تزال تشغل موقعًا هامًا فيه من الناحيتين الاجتماعية والعاطفية. ومع أن عدد المزارعين لا يتجاوز 50,000 مزارع، إلا أن حوالي ثلث القوة العاملة يعتمد بشكل أو بآخر على الوظائف الريفية.

وكما هو الحال في أي مكان آخر في المنطقة، كانت ملكية جزء من الأراضي الزراعية في الجبل الأسود جماعية خلال الحقبة الاشتراكية. وأدت عودتها إلى الأيدي الخاصة إلى انتشار الحيازات الأسرية الصغيرة في البلاد: وتعتبر أربع أو خمس أبقار متوسطًا جيدًا للأسر التي تقوم بتربية المواشي. وتسود روح قاسية لدى السكان العاملين في الزراعة. ومن النادر وجود اتحادات طوعية في البلاد.

مشروع الأعمال الخاص بالدجاج

عمل Marko، لدى عودته إلى وطنه، كمساعد في المزارع، وذلك إما مجانًا أو مقابل وجبة العشاء. وراودته أيضًا فكرة تربية الدجاج. ولم تكن نظرته إلى الحياة وردية: مع ندرة المهن الزراعية، كان الشباب من أمثاله منقرضين تقريبًا في الريف. ومع ذلك، كان هنالك "الجاذب": "تبادرت إلى ذهني فكرة أنني أريد الحفاظ على جبال الجبل الأسود نابضة بالحياة".

أين يمكنك شراء الدجاج لبدء المشروع؟ لم تكن المعلومات حول من يبيع الدجاج متوافرة بكثرة وكانت خدمات دعم التسويق ضئيلة.. وتقدم لك تربية الدواجن خيارين اثنين: إما أن تكون قد ولدت في هذا المجال، أو يمكنك أن تعدل عن هذه الفكرة. وأولئك الذين ولدوا في هذا المجال خلال الثلاثين عامًا الماضية كانوا على الأرجح يعملون خارج البلاد.

الصورة إلى اليسار/الأعلى: تنتشر المزارع الصغيرة في المناظر الطبيعية في الجبل الأسود. الصورة إلى اليمين/الأسفل: اعتقد Marko في الأصل أنه سيقوم بتربية الدجاج، ثم أتى نداء ريادة الأعمال الزراعية. Regional Development Agency/Jelena Krivcevic©

وتغيّرت الخطط مرة أخرى. وانتهت تربية الدواجن. وأخذ التدخل النُظمي طابعًا - وإن كان بأسلوب مؤقت - من القاعدة نحو القمة. وفي عام 2017، ابتكر Marko موقعًا للإعلانات المبوبة – وهو بمثابة ما أسماه "Craiglist للجمهور الزراعي" - وأطلق عليه اسم seljak.me. وشرع بعد ذلك في تسجيل الموردين.

ويقول ضاحكًا: "لقد قمت بذلك بأشد الأساليب التناظرية التي قد تتبادر إلى ذهنك، فطفت بالسيارة في الطرق الجبلية، وتوقفت لدى رؤيتي لبعض رؤوس الماعز ترعى العشب، وترجّلت من السيارة وتحدثت مع الرعاة حول ريادة الأعمال الرقمية. وكان بإمكاني رؤيتهم يتفحصونني بنظرة تعني، من هذا الرجل ومن أين أتى؟ "

وSeljakكلمة مونتينيغرية تعني الفلاح. وهي تسمية تحمل ازدراءً من حيث المبدأ، غير أنه تمت استعادة معناها مع إضفاء طابع من الاعتزاز. وبمرور الزمن، نما الموقع الإلكتروني ليصبح أول سوق زراعي بين النظراء في الجبل الأسود، مما سمح للمزارعين بشراء المدخلات وبيعها من بذور البطاطس إلى الرشاشات الكهربائية - أو الحيوانات، كما في حالة البقرة بيتكوينكا. وفي أواخر شهر مايو/أيار 2021، أُعيد إطلاق seljak.me كمنصة متكاملة للتجارة الإلكترونية وتبادل المعارف؛ وهي لا تزال تقدم خدمة العملاء بشكل شبه آني.

وبدأ Marko للتو في كسب أجره الخاص، وإن لم يكن أجرًا عاليًا. ولم تكن الفكرة هي جني الأموال - بل كانت فكرة تتمثل في خلق شكل من أشكال ريادة الأعمال الاجتماعية التي تعزز الريف وتوطد المجتمع الوطني في هذه العملية. "تعني الوطنية بالنسبة لي التضام؛ أي أن نهيئ مكانًا مع بعضنا البعض".

منظمة الأغذية والزراعة والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير في صف واحد

تقول Nina Coates، الخبيرة الاقتصادية الزراعية في منظمة الأغذية والزراعة" "يمتلك الجبل الأسود البحر والجبال، وتنوّعًا كبيرًا في المنتجات الغذائية الزراعية التقليدية". وتقوم منظمة الأغذية والزراعة، بالاشتراك مع البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، بتوسيع نطاق seljak.me كجزء من حزمة استجابة المنظمتين لجائحة كوفيد-19. وتعمل الشراكة على تمتين سلاسل الإمداد الغذائية القصيرة وتوفير الدعم على صعيدي التسويق وتكنولوجيا المعلومات. وهي تقوم كذلك بتسجيل صغار المنتجين وبتجميع ما يعرضونه للبيع إلى الفنادق وتجار التجزئة. وأخيرًا، وفي الوقت الذي يخوض فيه الجبل الأسود مفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تقدم منظمة الأغذية والزراعة المساعدة الفنية لتسجيل العمليات الزراعية غير الرسمية وزيادة الامتثال لمعايير سلامة الأغذية.

تساعد منظمة الأغذية والزراعة والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير في تجميع ما يعرضه صغار المنتجين. Regional Development Agency/Jelena Krivcevic©

من شخص غريب الأطوار إلى شخصية مشهورة

بدأت التغطية الإعلامية المتزايدة والاستحسان على مستوى القاعدة الشعبية في فتح الأبواب أمام Marko في جو على حد وصفه "الشك شائع فيه. لم أعد أصنّف في فئة "رجل مضحك ذو أفكار مجنونة"".

وتقول Coates من منظمة الأغذية والزراعة ضاحكة: "لديه الكثير من تلك الأفكار. حوالي اثنتي عشرة فكرة في الدقيقة الواحدة. وهو يطلقها مثل لهب البركان. ولكني أصفها بأنها رائعة أكثر من كونها مجنونة. إن Marko يقوم بتغيير مسار الأمور بالنسبة إلى المزارعين الشباب – والمستهلكين".

وتنطوي إحدى تلك الأفكار على كيفية إدماج تكنولوجيا البيانات التسلسلية لينتفع بها المزارعون. ووفقًا لفكرة أخرى يبرم المزارعون صفقات مع شركات الهاتف المحمول لتزويد الماشية بأجهزة تعمل على النظام العالمي لتحديد المواقع بكلفة ميسورة، وهي طريقة لجعل الرعي أقل إرهاقًا، وبالتالي زيادة قدرته على استقطاب العمال الشباب.

وتثير الضجة العامة من حول Marko وشركائه اهتمام Coates بشكل أكبر بعدما قضت الجائحة على الدخل الذي يولده قطاع السياحة، مما زاد الضغط على مجتمع الفلاحين في الجبل الأسود لتوليد الإيرادات محليًا، وتقول Coates مبتسمة "إذن، فلنحوّل هذا الليمون إلى عصير ليمون رقمي. وليكن ذلك في الجبل الأسود الآن، ولكن - من يدري – ربما أيضًا أينما احتاجت الزراعة إلى تلك اللمسة التي تنطوي على إعادة الاختراع".


تعرّف على المزيد

الموقع الإلكتروني: مركز الاستثمار التابع لمنظمة الأغذية والزراعة

الموقع الإلكتروني: الملامح القطرية لمنظمة الأغذية والزراعة: الجبل الأسود

الموقع الإلكتروني: مختبر الابتكار التابع لمنتدى الأغذية العالمي

القصة: الحفاظ على أصالة الجبل الأسود

8. Decent work and economic growth, 9. Industry innovation and infrastructure, 15. Life on land