العمل بشكل استباقي لمواجهة الأزمات ينبغي أن يكون الوضع الطبيعي الجديد

منظمة الأغذية والزراعة تهدف إلى حماية الفئات السكانية الضعيفة من الكوارث قبل حدوثها

عندما شهدت المجتمعات المحلية في بنغلاديش ارتفاع مستوى المياه في نهر جامونا في يوليو/تموز 2020، خصّصت الأمم المتحدة على وجه السرعة 5 ملايين دولار أمريكي في صناديق الإغاثة من أجل حماية هذه المجتمعات من التأثير الحتمي للفيضان. وقد استغرقت العملية أقلّ من أربع ساعات، وأصبحت أسرع عملية للإفراج عن الأموال المخصصة للمساعدات الإنسانية في تاريخ الأمم المتحدة. وهذه التجربة هي أحد أسباب اجتماع الوزراء الحكوميين ووكالات الأمم المتحدة في نيويورك يوم 9 سبتمبر/أيلول في حدث هو الأول من نوعه، من أجل الالتزام بالعمل الاستباقي لمواجهة الأزمات.

وتشغل منظمة الأغذية والزراعة (المنظمة) مركز الصدارة في ما يخص هذا النهج الجديد لمواجهة الكوارث. وفي هذه الأسئلة والأجوبة، تشرح السيّدة Dunja Dujanovic، رئيسة فريق الإنذار المبكر - العمل المبكر التابع للمنظمة، سبب توجيه المنظمة دعوة إلى اتخاذ إجراءات استباقية لدعم المجتمعات التي تواجه أخطارًا متكررة بشكل متزايد.

لماذا عقدت الأمم المتحدة هذا الحدث رفيع المستوى؟
أظهرت الدراسات المتتالية التي أجرتها المنظمة أن المجتمعات المحلية تكسب أكثر بكثير من استثماراتنا إذا لم ننتظر منها أن تخسر كل ما لديها قبل الشروع في المساعدة. ولكنّ الأمر يتطلّب التزامًا جماعيًا من أجل تحريك النظام بكامله في هذا الاتجاه. وهذا ما نأمل تحقيقه عن طريق هذا الاجتماع رفيع المستوى الأول من نوعه المعقود على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

كيف يختلف العمل الاستباقي عن الاستجابات الإنسانية التقليدية؟
إن الطريقة التي تتم بها الاستجابة الإنسانية العادية هي أنه فور ما يشعر الأشخاص بأثر الصدمة، فلنقل حالة جفاف أو اندلاع عمليات العنف، يتحرك المجتمع الإنساني فورًا من أجل حساب عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة، ومن هم الأشخاص المحتاجون، وأين هم موجودون. وتبدأ بعد ذلك العملية الكاملة للتخطيط والتمويل.
وفي العمل الاستباقي، تُقلب هذه العملية رأسًا على عقب، إذ إنها تنطوي على العمل قبل وقوع تلك الصدمة. ويرتبط العمل الاستباقي بحماية الأشخاص قبل أن تعصف بهم الكارثة بشدّة. ولذلك، نحن نحاول التنبؤ بما قد تكون عليه التأثيرات لحدث لم يطرأ بعد أو لم تتكشّف خباياه بالكامل.

ما الجديد في الأمر؟
إن الجديد هو الربط المنهجي لتحليل المخاطر، والإجراءات، والتمويل المؤمّن سلفًا. ويعني ذلك أنّه يمكننا التخطيط سلفًا وتجهيز الأموال بشكل مسبق للفئات السكانية المحتاجة، وذلك من أجل أن نتفادى ضياع الوقت الثمين وأن نتمكن من التدخل على وجه السرعة حالما تظهر علامات الإنذار.
وبالتالي، فإنّنا نتحدث عن إدارة مخاطر الكوارث، وليس تأثيرها. ولا يحلّ العمل الاستباقي مكان الاستجابة العادية للكوارث، ولكنّه عنصر أساسي لم يكن موجودًا من ذي قبل.
ما هي طبيعة الإجراءات التي تطبّق على الزراعة والأزمات الغذائية الناشئة؟
نحن نعلم أنّ نسبة قد تصل إلى 80 في المائة من الأشخاص الذي يواجهون أسوأ أشكال الجوع يعتمدون على الزراعة من أجل البقاء على قيد الحياة. ويعني ذلك أن دعم الأسر الزراعية بشكل مبكر لكي تتمكن من مواصلة إنتاج الأغذية هو أمر حاسم الأهمية من أجل الحيلولة دون وقوع الأزمات الغذائية.
وعلى سبيل المثال، إذا أظهرت البيانات أن هناك حالة جفاف متوقعة في بلد معين، يمكننا عندها توزيع البذور المقاومة للجفاف أو إصلاح البنية التحتية الأساسية للمياه بشكل مسبق في المناطق المعرضة للخطر من أجل تأمين الحصاد.
وفي بلد يحتدم فيه الصراع ويعاني من انهيار النظام البيطري، يمكننا تنظيم حملة تلقيح من أجل منع انتشار الأمراض التي تهدّد الثروة الحيوانية التي تعتمد عليها الأسر لتأمين الغذاء والدخل.
ولا يقتصر الأمر على الأمن الغذائي فقط، فنحن نعلم أن الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي لا يضطرون إلى الإنقاص من وجباتهم فحسب، بل يضطرون أيضًا إلى القيام بأمور أخرى مثل إخراج أطفالهم من المدرسة أو بيع أراضيهم أو الهجرة. ولذلك، فإن حماية سبل عيش الأشخاص لها فوائد تمتد إلى المستقبل البعيد.
 
ما الذي تكسبه المجتمعات المحلية من العمل الاستباقي؟
إن الأشخاص الذين ينتهي بهم المطاف في أسوأ أشكال الجوع هم أولئك الذين استنفدوا خياراتهم من أجل إطعام أسرهم، وخسروا أصولهم أو باعوها، ويقفون على شفا الهاوية. 
والمجتمعات المتضررة من الأزمات بشكل متكرّر تعاني من الضعف بشكل خاص لأنّها تكون في طور التعافي من الصدمة الأخيرة عندما تحلّ الصدمة اللاحقة.
ويتعلق العمل الاستباقي بكسر هذه الحلقة، إذ لن نسمح بأن يعاني الأشخاص من الجوع بشكل حاد – أي أننا سنتحرك على وجه السرعة من أجل حماية سبل عيشهم ودخلهم وأمنهم الغذائي. ولكننا نحترم كرامتهم في الوقت ذاته – فلن نسمح بنزع الأصول التي يحتاجها الأشخاص من أجل التعافي. ولن ندعهم يصبحوا معتمدين على المساعدة الإنسانية.
وبالتالي، نعيد إلى الأشخاص أنفسهم القدرة على حماية أنفسهم في وجه الصدمات.
 
ماذا يعني تعميم العمل الاستباقي؟
لقد شهدنا حدوث مخاطر طبيعية كبيرة في السنوات الأخيرة ونشهد الآن توسعًا في رقعة النزاعات. وإضافة إلى هذه المسائل، حدثت جائحة كوفيد-19 التي أثّرت على الاقتصادات وقدرة الناس على دفع ثمن الغذاء في جميع أنحاء العالم.
ونتيجة لذلك، فإن اتجاهات الجوع مذهلة، وعدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع الحاد أو حتى المعرضين لخطر المجاعة آخذ في الازدياد. ولذلك، يتساءل مزيد من الأشخاص عن الطريقة التي يمكننا بها دعم الفئات الأضعف في مستقبل من المرجّح أن تستمر فيه هذه الاتجاهات، بل أن تزداد سوءًا.
والعمل الاستباقي ليس هو السبيل الوحيد، ولكنّه يحظى باهتمام كبير نظرًا إلى إدراك عدد متزايد من الحكومات والوكالات أنه يمكننا حماية المزيد من الأشخاص وتقديم نتائج أفضل للمجتمعات المحلية إذا بدأنا في إدارة مخاطر الكوارث وليس آثارها فقط. ونرى أيضًا أن العمل الاستباقي هو طريقة استراتيجية ومجدية لإنفاق موارد دافعي الضرائب، وذلك من خلال الاستباق بدلًا من انتظار أن تتحوّل الصدمات إلى كوارث فعليّة.

Photo: ©FAO/Saikat Mojumder
Abdul Rob ، مزارع جمبري ، يصطاد بجانب جسر لجأ إليه الآلاف بعد الفيضانات في بنغلاديش.