تقرير "الفاو" حول "الممرات الاقتصادية" يعتبرها محفّزات للنمو الزراعي

المنظمة تسلط الضوء على مخططات واسعة النطاق لدفع التنمية الريفية قدماً على نحو شامل وتحوّلي ومستدام

11مارس|آذار 2015، روما -- ذكرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) ضمن جملة إرشادات حول كيفية تجنب مخططي التنمية للمزالق، أن "الممرات الاقتصادية" الزراعية يمكنها أن تشكل أداة استراتيجية لجذب رؤوس الأموال الخاصة والاستثمار على نطاق واسع، في مشروعات تعود بالنفع على صغار المزارعين وتعزز الأمن الغذائي لدى بلدان الدخل المنخفض.

وكشف تقرير "فاو" أن "الممرات الاقتصادية" تمثل فعلياً برامج إنمائية معززة للقطاعات الاقتصادية الواعدة في أقاليم متصلة فيما بينها بواسطة خطوط النقل مثل الطرق السريعة، والسكك الحديدية، والمواني، أو القنوات. وتتمثل القوة الكامنة لهذا النهج في إمكانية الدمج بين الاستثمارات وأطر السياسات والمؤسسات المحلية.

وقال أخصائي الاقتصاد الزراعي، الخبيرة إيفا غالفيز نوغاليس، مؤلفة دراسة "إنجاح نهج الممرات الاقتصادية في القطاع الزراعي"، أن "قوة هذا المنحى تتمثل في تشجيع الاستثمارات المتكاملة في البنى التحتية والسياسات والأطر التنظيمية والتنمية الزراعية ككل، مع تعزيز المؤسسات وبناء القدرات، واتخاذ قرارات أكثر استنارة حول ما يراد تحقيقه".

وتستعرض الدراسة الجديدة تفصيلاً عبر 200 صفحة ست دراسات حالة تضم برامج في مراحل متقدمة من التنفيذ لممرات إقتصادية في آسيا الوسطى، ومنطقة "الميكونغ" الكبرى في جنوب شرق آسيا، وبيرو. ولا تزال ثلاثة مشروعات في مرحلة تنفيذ مبكر، لدى كل من إندونيسيا وموزمبيق وتنزانيا.

وليس ما يطلق عليه تسمية "الممرات الاقتصادية" بالجديد - إذ يعود النموذج الأصلي إلى طريق الحرير التجاري التاريخي الممتد عبر إفريقيا وآسيا - وإن ظلت إمكانيات هذه "الممرات" كمحركات عريضة للتنمية المستدامة غير مستغلة على الأكثر.

وفي حين استُخدمت مشروعات الممرات الاقتصادية لتعزيز الاتصال المادي من خلال تحسين أداء الأسواق، والتركيز على  ربط مناطق المناجم بالمواني وغيرها، فبالوسع أن تُسخر أيضاً في خدمة مبادرات تخطيط أكثر ذكاء وعلى نحو يرمي إلى توطيد الفرص الزراعية وبلوغ غايات اجتماعية واضحة وهادفة مثل خلق مجالات العمالة في المناطق الريفية، والسعي في خدمة الأهداف البيئية إزاء تغير المناخ، وتحفيز الحوكمة على طول سلاسل القيمة، وتعزيز التجارة؛ وهي جميعاً مقومات يشير التقرير إلى ضروريتها من أجل "تحفيز النمو الشامل والمستدام على صعيد العالم النامي".

وتضيف خبيرة "فاو" أن هذه المشروعات تتيح فرصة هامة لإشراك رؤوس الأموال، والمهارات التجارية، والقطاع الخاص لتعزيز الاستثمار الكافي في مجال الزراعة و"الاستجابة لتحدي الجوع عبر الاستثمار المسؤول في الزراعة".

حفز التفكير المستجد

وتتطلب الممرات الفعالة التوجَّه إلى تسخير المزايا التنافسية للأقاليم، عوضاً عن تكوين تصورات خيالية بأنها وسيلة لإزهار الصحراء. وفي تقدير خبيرة "فاو" إيفا غالفيز نوغاليس، "ينبغي اختيار هذه الممرات في المناطق التي توجد فيها بالفعل كثافة اقتصادية وتتوافر إمكانيات نمو غير مستغلة وقابلة للاستزادة عليها".

ومن بين مشروعات الممرات الاقتصادية التي حفزت تفكيراً مستجداً بين الخبراء الإنمائيين يذكر مشروع الحد من الفقر والتخفيف من تبعاته في بيرو (PRA)، الذي بدأ عام 1998 بالتركيز على دور المدن المتوسطة الحجم لا المناطق الريفية الصغيرة وحدها وذلك كمحيط للعمل على التخفيف من وطأة الفقر. واعتمد مشروع بيرو أيضاً نهجاً مشجعاً لقطاع الأعمال من خلال "شركات الوصل المتألقة" التي كشفت عن قدرة على توسعة الشبكات التجارية بسرعة كبيرة على امتداد 13 من ممرات غابات بيرو ومرتفعاتها.

وتمخض النهج عن إعادة اكتشاف الفرص المتاحة في السوق بعد أن أدرجت طي النسيان عن غير عمد. فعلى سبيل المثال، أضحت بيرو الآن ثالث أكبر مصدر للخرشوف، المنتج بعقود مبرمة مع مزارعين مستقلين لمعالجته في "العديد من مناطق الممرات الاقتصادية عبر العالم".

وتؤكد خبيرة "فاو"، أن مخططات مشروعات الممرات الاقتصادية يمكن أن يكون لها تأثيراً أقوى فيما وراء الحدود الوطنية، وبخاصة إذا ما وضعت تحت رعاية اتفاقيات التجارة الإقليمية. ومن شأن ذلك أن يعمق الفرص الكامنة في الأسواق باجتذاب رؤوس الأموال الخاصة، مما يجعل من الممكن إقامة تحالفات بين أصحاب المصلحة المتعددين مع الحفاظ على دور اللاعبين من القطاع الخاص لمواصلة المشاركة في سياق التنمية الجاري.

ولعل واحداً من أكثر الممرات ذائعة الصيب هو برنامج "ممر منطقة الميكونغ الكبرى"، وهي مبادرة مظلة تغطي كلاً من كمبوديا وفيتنام وتايلند وجمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية وميانمار وبعض المقاطعات الصينية. وبالوسع أن نرى مظاهر النجاح لهذا المشروع الكبير ماثلة في تحسن الجسور والإجراءات الجمركية بين المدن الحدودية، بل وحتى التعاقد الزراعي عبر مناطق الحدود الوطنية بين البلدان.

الاتصال، والقدرة التنافسية، والانتماء الاجتماعي

وتحدد خبيرة "فاو" إيفا غالفيز نوغاليس "الشروط الثلاثة للممر الناجح" ماثلة في: الاتصال؛ القدرة التنافسية؛ حس الانتماء الاجتماعي.

فالمتعين أن يتفق العديد من أصحاب المصلحة - من شركات ومزارعين، وأيضاً المستويات المختلفة لأجهزة الحكومات الإقليمية - على تحديد الأهداف معاً. ولا بد من اختيار "أهداف مرنة" في البداية لتجنب النزاعات في وقت لاحق، على أن تُراعى مناسقة الجوانب البيئية والاجتماعية وتلك المتعلقة بالأمن الغذائي عوضاً عن الانطلاق باختيار "أهداف صلبة" يصعب تغييرها. ومن الأهمية بمكان استجلاء أي غموض في قضايا حيازة الأراضي - بالاستعانة بالخطوط التوجيهية الطوعية بشأن الحوكمة المسؤولة لحيازة الأراضي - باعتبار ذلك ضرورة مطلقة لا سيما في مشروعات من نموذج الوقود الحيوي على سبيل المثال، والذي يمكن أن يغير أنماط استخدام الأراضي في سياق التخطيط للممرات الاقتصادية الجديدة.

وإذ  تتباين السياسات المطبقة بين الممرات الاقتصادية، إلا أن اعتماد نماذج عمل شاملة يعد قاسماً مشتركاً؛ ومن المفيد أيضاً أن ترمي السياسات "إلى رفع مستويات التحول المنشود" من خلال تعبئة "عوامل التغيير الواقعي بين الأطراف"، والتي قد تكون شركة أو جمعية للمزارعين أو حتى عملاء حكوميين للإرشاد الزراعي، أو من أرباب مجالات التصنيع الغذائي والتجارة.

الحوكمة من الأساسيات

وفي جميع الأحوال فإن الممرات الاقتصادية الجيدة التصميم تبرز كأداة جيدة لحوكمة الموارد الطبيعية.

وتخلص خبيرة "فاو" يوجينيا سيروفا، مدير قسم الصناعات الزراعية والبنية التحتية الريفية ومنسق الهدف الاستراتيجي المؤسسي الرابع لدى "فاو" والمرتبط بالتمكين الشمولي والفعال للنظم الزراعية والغذائية، إلى القول بأن "الممرات الاقتصادية يمكن أن تسمح بإدارة أفضل للمخاطر البيئية ولممارسات من نمط الزراعة الأحادية غير الملائمة للمحاصيل".

وتضيف أن "مفتاح النجاح هو التنسيق الشامل لمصالح أصحاب الشأن في مرحلتي التخطيط والتنفيذ".

وفي حين تستهلك البنية التحتية الكبيرة للنقل الجزء الأكبر من الموارد النقدية، يؤكد تقرير "فاو" أن السلع والخدمات مثل العقود المعيارية، وتقديم المشورة القانونية وخدمات الإرشاد، وبنوك الأراضي، وآليات التمويل... لا تقل أهمية بدورها. ومن شأن مناسقة الشراكات بين القطاعين العام والخاص على نحو يربط بين الحكومات المحلية والمركزية أن ينهض أيضاً بكفاءة الإدارات البيروقراطية المحلية... ليحوّل الممرات الاقتصادية الزراعية إلى محفزات لحوكمة أفضل فيما يخص الاستثمارات ومتطلباتها.

الصورة: ©FAO/J. M. Micaud
مزارعو الأرز يجففون حصادهم على الطريق في "هون دون" بفيتنام.