Previous PageTable Of ContentsNext Page

 

أولاً - الوضع الراهن للزراعة

7. على الرغم من أهمية الزراعة في الاقتصاد، فقد بقي الإنتاج الزراعي في البلدان الأقل نمواً لا يستطيع تلبية احتياجات الأسواق المحلية أو أسواق التصدير. وعلى الرغم من تحقيق زيادة متواضعة في الإنتاج خلال الفتـرة 1995-1998، فقد تجاوزت هذه الزيادة، بالكاد، النمو السكاني، بل أن معدل النمو في نصيب الفرد من الإنتاج في البلدان الأقل نمواً انخفض في الواقع في فترة التسعينات ككل. وعلاوة على ذلك، بقي النمو البطيء في إنتاج الأغذية والتقلبات الحادة التي تعتريه من سنة لأخرى تمثل مشاكل رئيسية ومزمنة بالنسبة للبلدان الأقل نمواً، وتمثل بالتالي الأسباب الرئيسية لارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي. ففي الفترة ما بين 1969-1971 و 1996-1998، ارتفعت نسبة من يعانون من نقص التغذية ضمن مجموع سكان البلدان الأقل نمواً من 38 إلى 40 في المائة، بينما ارتفع الرقم المطلق لمن يعانون من نقص التغذية من 116 مليون إلى 235 مليون نسمة. وعلى النقيض من ذلك، ففي بقية البلدان النامية، كانت نسبة من يعانون من نقص التغذية ضمن مجموع سكانها 18 في المائة في 1996-1998. وعلاوة على ذلك، تشير مؤشرات الفقر إلى أن نسبة السكان الذين يعيشون دون خط الفقر (أي الذين يحصل الفرد منهم على دولار واحد في اليوم) قد ارتفعت في كثير من البلدان الأقل نمواً.1 وفيما يلي تحليل موجز للعوامل الداخلية الرئيسية التي تكمن وراء الوضع الراهن للزراعة في البلدان الأقل نمواً، مع إلقاء الضوء على المجالات التي يمكن أن تؤدي فيها التحسينات في السياسات والمؤسسات والاستثمارات إلى دفع عجلة النمو الزراعي إلى المستوى الذي يساعد على التخفيف من حدة الفقر وتحسين مستوى الأمن الغذائي.

ألف - قضايا العرض

1. الاتجاهات السائدة في مجالات الإنتاج

8. لم يواكب الإنتاج الزراعي، بما في ذلك إنتاج الأغذية، النمو السكاني في البلدان الأقل نمواً ككل خلال العقد الماضي. وعلى الرغم من أن معدل النمو في الإنتاج الزراعي بلغ 2.5 في المائة في المتوسط سنوياً خلال الفترة 1990-1999، متجاوزاً معدل النمو الذي بلغ 1.6 في المائة في العقد الماضي، لم تحدث في الواقع أي زيادة في نصيب الفرد من الإنتاج، بل وحدث انخفاض طفيف. ويصدق نفس القول على نصيب الفرد من إنتاج الأغذية الأساسية (الجدول 1).

9. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام الإجمالية تحجب تبايناً كبيراً في الأداء فيما بين البلدان. فعلى الرغم من أن معدلات النمو في نصيب الفرد كانت بالسالب في 25 بلداً في الفترة 1990-1999، كانت معدلات النمو موجبة في خمسة بلدان حيث بلغت ما بين 2-5 في المائة. وفي نحو 15 بلداً فقط من البلدان الأقل نمواً، كان نصيب الفرد من الإنتاج الزراعي في نفس الفترة أعلى مما كان عليه في الفترة 1980-1990. أما في البلدان الأخرى، وخصوصاً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فقد كان الاتجاه في تناقص.

10. وقد تغير وضع كثير من البلدان الأقل نمواً من مُصدرة صافية للمنتجات الغذائية في الستينات إلى مستوردة صافية في الثمانينات والتسعينات. وتشير التوقعات الحالية إلى تزايد اعتمادها على الواردات حتى عام 2015 على أقل تقدير.2

11. وعلى الرغم من حدوث تقلبات سنوية حادة خلال الثلاثين سنة الماضية، فقد ارتفعت قيمة إنتاج جميع السلع الزراعية تقريباً خلال الفترة 1990-1997، باستثناء عدد قليل من السلع هي الكسافا، والكاكاو والسيزال (الجدول 1، بالملحق).

2 - العوامل المُحددة والمعوقات

2-1 الجوانب الطبيعية

12. يتمتع معظم البلدان الأقل نمواً بإمكانيات كبيرة غير مستغلة في القطاع الزراعي، بفضل عوامل الإنتاج التي وهبتها لها الطبيعة، مثل الأرض، والمياه، والمناخ، وإمكانيات الاستفادة من الموارد البشرية والتوسع في إدخال طرق الزراعة الحديثة التي يعد استخدامها محدوداً حتى الآن. وبالتالي، يوجد مجال واسع لتحسين كفاءة الاستفادة من مواردها الزراعية وزيادة الإنتاجية الزراعية.

2-1-1 موارد الأراضي والمياه: الإمكانيات والمعوقات

13. إن أهم عامل يؤثر على إمكانيات الإنتاج الزراعي في أي بلد هو وفرة الأراضي الصالحة للزراعة. فالأراضي مورد أساسي لابد من توافره لإنتاج المحاصيل، والإنتاج الحيواني وإنتاج الغابات. وبالتالي، فإن وجود إمكانيات لتوسيع الرقعة الزراعية يعد من المقومات الأساسية لوضع الخطط الزراعية القومية. والمقارنة بين الأراضي التي يمكن إدخالها في الإنتاج الزراعي وبين الأراضي المستخدمة في الوقت الحاضر بالفعل وتوقعات النمو السكاني هي التي توضح ما إذا كانت البلدان تتمتع بقدرات طبيعية تمكنها من التوسع في الإنتاج الزراعي، سواءً من أجل الاستهلاك المحلي أو للتصدير.

14. وتتنوع الأوضاع الإيكولوجية الزراعية تنوعا كبيراً فيما بين البلدان الأقل نمواً، حيث يوجد تفاوت كبير فيما بينها من حيث وفرة الأراضي الصالحة للزراعة ونوعيتها وكذلك في الظروف المناخية السائدة فيها. إذ توجد في بعض البلدان مساحات كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة وموارد مياه كبيرة، بينما تعد الإمكانيات المتاحة للبعض الآخر محدودة أو معدومة تقريباً. ويعتمد مستقبل التنمية الزراعية بالضرورة على هذه الاعتبارات.

15. ولتصنيف البلدان من حيث إمكانيات الإنتاج الزراعي، وُضع لها ترتيب على أساس مدى وفرة مواردها من الأراضي وما يواجهها من معوقات، مع مراعاة المعوقات التي تتصل بالأراضي والمياه، وكذلك المعوقات المتصلة بالمناخ والنمـو السـكاني.3 ويتضمن الجدول 2، بالملحق، ترتيباً لـ35 بلداً من البلدان الأقل نمواً، التي توجد بيانات شاملة بشأنها، من حيث نصيب الفرد من الأراضي التي يمكن أن تكون صالحة للزراعة وكذلك نصيب الفرد من الأراضي المزروعة بالفعل. وتشير الأراضي التي يمكن أن تكون صالحة للزراعة إلى الأراضي التي يمكن إدخالها ضمن الأراضي الزراعية نظراً لصلاحية التربة وتوافر المياه (الأمطار أو الري)4. ومن المهم ملاحظة أن الأراضي التي يمكن أن تكون صالحة للزراعة هي في معظم الحالات من الأراضي المطرية، وأنها تعاني من معوقات مثل ضَعف الظروف الإيكولوجية، وانخفاض مستوى الخصوبة، وارتفاع نسبة السمية، وارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض. وكل هذه المعوقات تؤدي إلى خفض الإنتاجية وتتطلب مدخلات ومهارات إدارية ضخمة لكي يصبح استخدامها مستداماً. وعلاوة على ذلك، فنظراً لنقص الموارد المالية المتاحة في كثير من البلدان الأقل نمواً، قد يكون من اللازم إنفاق استثمارات كبيرة جداً قبل أن تصبح هذه الأراضي قابلة للاستخدام أو خالية من الأمراض. وتشير توقعات منظمة الأغذية والزراعة حتى عام 2015 إلى أن معدل التوسع في الأراضي الصالحة للزراعة والأراضي المزروعة بالمحاصيل من المتوقع أن يكون أدنى من معدل التوسع في الماضي.

16. ويوضح الترتيب العام البلدان التي تعد ظروفها مواتية (التي أعطيت لها درجة ترتيب منخفضة) والبلدان التي تعاني من مشاكل شديدة (التي أعطيت لها درجة ترتيب مرتفعة) فيما يتعلق بإمكانيات الموارد الطبيعية والمعوقات التي تواجهها، في الوقت الحاضر والمستقبل. ويدل هذا الترتيب، بصفة عامة، على إمكانيات البلد النسبية من حيث موارد الأراضي. ويمكن التمييز بين ثلاث فئات من البلدان هي: (1) البلدان التي يوجد بها احتياطي كبير نسبياً من الأراضي، والتي يكون من الممكن فيها زيادة تكثيف الإنتاج الزراعي (مثل جمهورية الكونغو الديموقراطية وموزامبيق)؛ (2) البلدان التي اقتربت من حدود استغلال الأراضي الصالحة للزراعة بالفعل (مثل بنغلاديش والصومال)؛ (3) والبلدان التي استغلت جميع الأراضي الصالحة للزراعة تقريباً وقد لا يكون بوسعها التوسع أكثر من ذلك (مثل أفغانستان واليمن). وبهذا التصنيف، يمكن وصف هذه الفئات من البلدان، على التوالي، بأنها تتمتع بإمكانيات زراعية عالية، أو متوسطة، أو منخفضة. وتوجد ثمانية بلدان من البلدان التي أعطي لها ترتيب متقدم في المنطقة كثيرة الرطوبة بوسط أفريقيا. وتوجد في هذه المجموعة من البلدان، فيما يبدو، إمكانيات إنتاجية لم استغل بعد.

17. وتضم مجموعة البلدان التي أعطي لها ترتيب منخفض مجموعتين يوجد بينهما تناقض شديد: (1) بلدان تمثل الصحاري والأراضي الجافة أكثر من 90 في المائة من أراضيهما؛ (2) وأربعة بلدان تعاني من الأراضي المنحدرة أو من تدهور حالة الأراضي، رغم ما تتمتع به من رطوبة نسبية.

18. وثمة صفة أخرى للبلدان التي أعطي لها ترتيب منخفض، وهي أن خمسة بلدان منها، على الأقل، واجهت خلال السنوات الأخيرة صراعات مدنية واسعة أو حالات من عدم الاستقرار السياسي أو الحروب. ومن المرجح أن يؤدي ارتفاع معدل النمو السكاني في هذه البلدان إلى زيادة الضغط على الأراضي، مما قد يؤدي إلى انهيار الحقوق التقليدية لملكية الأراضي، وبالتالي انهيار القانون والنظام العام. وكل هذه التغيرات تؤدي إلى نتائج كثيرة من بينها زيادة تدهور حالة الأراضي.

2-1-2 إمكانيات وأهمية تحقيق نمو في الإنتاجية الزراعية

ولقد كانت مساهمة زيادة الإنتاجية في النمو الزراعي، في البلدان الأقل نمواً، محدودة أو معدومة. أما التوسع الأفقي، أي فتح أراض جديدة أمام الإنتاج الزراعي، فمازال يمثل المصدر الرئيسي للنمو الزراعي. ومع ذلك، فنظراً للضغط المتزايد على الموارد الزراعية، فإن تحقيق نمو أسرع، ولاسيما في البلدان التي يعد مجال التوسع في الأراضي الزراعية فيها محدوداً، سوف يتطلب تحقيق زيادات في الإنتاجية الزراعية التي يعد مستواها منخفضاً نسبياً في الوقت الحاضر. ولا يتسنى تحقيق هذه الزيادات إلاّ بالتغلب على المعوقات الرئيسية التي تحد من زيادة الإنتاجية، مثل قِلة الحوافز المناسبة، وقِلة الاستثمارات العامة الريفية، وضَعْف الدعم المؤسسي.

20. وتشير القرائن المتاحة إلى أن المكاسب التي يمكن تحقيقها في الإنتاجية كبيرة. فقد ارتفعت الإنتاجية من حيث القيمة المضافة بحسب العامل الواحد - ولو بدرجة ضئيلة . في 21 بلداً من الـ31 بلداً الأقل نمواً التي تتوافر بشأنها بيانات فيما بين 1979-1981 و 1995-1997 (الجدول 3، بالملحق). ومع ذلك، يبدو أن القيمة المضافة بحسب العامل في البلدان الأقل نمواً منخفضة نسبياً مقارنة بالبلدان النامية الأخرى، مما يشير إلى وجود مجال واسع للتحسين.

21. وفيما يلي تقييم عام للإنتاجية في كل من القطاعات الفرعية الرئيسية للزراعة:

المحاصيل

22. إن أوسع المؤشرات المستخدمة في الدلالة على إنتاجية المحاصيل هو الإنتاج الذي تحققه كل وحدة من الأراضي (ويشار إليه أيضاً بغلة المحاصيل). وعموماً، تعد غلة المحاصيل في البلدان الأقل نمواً منخفضة مقارنة بالبلدان النامية الأخرى (الجدول 4، بالملحق). إذ تعد غلة المحاصيل الغذائية الأساسية (الحبوب، والمحاصيل الجِذرية والدرنية والمحاصيل الزيتية) أقل من نصف متوسط الغلة في البلدان النامية عموماً، على الرغم من وجود تفاوت كبير فيما بين البلدان المختلفة. وهكذا، يبدو أن هناك إمكانية لتحقيق زيادات كبيرة في الإنتاجية.5

23. فعلى خلاف معظم البلدان النامية الأخرى، فإن النمو في الزراعة في البلدان الأقل نمواً يرجع، إلى حد كبير، إلى التوسع في المساحات المزروعة وليس إلى زيادة الغلة. وعلى سبيل المثال، كان توسيع الرقعة الزراعية يمثل 77 في المائة من النمو في إنتاج الحبوب في البلدان الأقل نمواً في الفترة 1981-1989، و 72 في المائة في الفترة 1990-1999، بينما كانت الزيادة في الغلة تمثل نسبة 23 في المائة و 27 في المائة من الزيادة في الإنتاج، على التوالي (الجدول 5، بالملحق). ومع ذلك، فبالنسبة للأرز، والذُرة والمحاصيل الليفية، كان الفضل في زيادة الإنتاج يرجع إلى تحقيق مساهمة مرتفعة نسبياً ومتزايدة في الإنتاجية (الغلة).

الثروة الحيوانية

24. يعد قطاع الثروة الحيوانية من القطاعات الفرعية المهمة والمتنامية، فهو يمثل مصدراً كبيراً للدخل والتغذية لفقراء الريف في معظم البلدان الأقل نمواً، وسيبقى هذا القطاع يمثل الشكل الرئيسي من قوة العمل غير البشرية المتاحة للمزارعين في الريف، وسيظل الرجال والنساء يستخدمونه في أغراض مختلفة، بما في ذلك في مجال تجميع الثروة.

25. وتتمتع البلدان الأقل نمواً باحتياطيات كبيرة مستترة لتحقيق النمو في قطاع الثروة الحيوانية. وتكشف المقارنة بين نصيب البلدان الأقل نمواً من أعداد الحيوانات الموجودة في العالم ونصيبها من الإنتاج العالمي (الجدول 6، بالملحق) عن مؤشرات تدل على مستويات الإنتاجية النسبية في البلدان الأٌقل نمواً. فعلى الرغم من أن البلدان الأقل نمواً كانت بها في 1997-1999 نسبة 14 في المائة من عدد الأبقار في العالم و 18 في المائة من عدد الأغنام والماعز في العالم، فإن هذه البلدان لم تنتج إلاّ نسبة 4 في المائة فقط من لحوم الأبقار و 11 في المائة من لحوم الأغنام والماعز على المستوى العالمي.

26. ويعتمد الإنتاج الحيواني في البلدان الأقل نمواً على العمليات التقليدية. فهو يعتمد، إلى حد كبير، في زيادة الإنتاج على النمو في عدد الحيوانات. ولم تتحقق أي زيادة ملموسة تقريباً في إنتاجية كل رأس من الحيوانات في معظم البلدان الأقل نمواً، حيث مازال متوسط مستويات الإنتاجية أقل كثيراً مما هو في البلدان النامية عموماً (الجدول 6، بالملحق). والعوامل التي تحد من زيادة الإنتاجية على هذا النحو هي قِلة رأس المال، وقِلة الأعلاف الجيدة، وانتشار الأمراض. ولتحقيق تحسن ملموس في الإنتاجية، لابد من: (1) مواصلة الاستثمار في البحوث وتطوير طرق الإنتاج الحيواني وإنتاج الأعلاف وتجهيزها؛ (2) وتوفير المساعدات لصغار المنتجين والمنتجين الفقراء لتمكينهم من الاندماج في عمليات التسويق والتصنيع المرتبطة بالثروة الحيوانية.

مصايد الأسماك

27. يتمتع الكثير من البلدان الأقل نمواً بإمكانيات عظيمة في مجال الثرة السمكية. وعلى الرغم من أن هذه الإمكانيات لم تستغل بالكامل حتى الآن، تسهم المنتجات السمكية بشكل متزايد في غذاء السكان وفي حصيلة النقد الأجنبي. وتتفاوت إمكانيات الصيد تفاوتاً كبيراً فيما بين البلدان. إذ تتمتع البلدان الواقعة في شمال غرب أفريقيا، وجنوب غرب أفريقيا، وفي جنوب غرب المحيط الهندي (بالنسبة لأسماك التونة) وكذلك البحيرات الواقعة في الوادي المتصدع، على سبيل المثال، بأعظم الإمكانيات فيما يتعلق بالإنتاج والتصدير. وتستفيد البلدان المطلة على المحيط الأطلسي من الظروف الخاصة السائدة في المحيط (التقاء التيارات الدافئة بالتيارات الباردة) وهي الظروف التي تسهم كثيراً في زيادة الإنتاجية، رغم أن حركة التيارات المائية تتعرض لتقلبات ملحوظة نتيجة للظروف الجوية. وتشير التقديرات إلى أن صيد أصناف أسماك القاع عالية القيمة قد اقترب من الحدود القصوى الممكنة، ومع ذلك فمن المعتقد أن أصناف أسماك السطح ذات القيمة المنخفضة لا تستغل بالقدر الكافي. ومازالت البلدان تعتمد، إلى حد كبير، على الاستثمارات الأجنبية أو على اتفاقيات الصيد الدولية في استغلال الموارد السمكية في المناطق المواجهة لسواحلها.

الغابات والزراعة في المناطق الحرجية

28. تسهم الغابات والأشجار بشكل غير مباشر في التنمية الاقتصادية والأمن الغذائي وتأمين سبل المعيشة المستدامة بطرق عديدة من خلال دعم النظم الزراعية، ودروها في التنمية الريفية وفي المحافظة على سلامة الظروف البيئية وتهيئة الظروف التي تساعد على توليد الدخل وتوفير فرص العمل.

29. وتعتمد المجتمعات المحلية الريفية اعتماداً كبيراً على السلع التي تنتجها الغابات، إذ يعد حطب الوقود المصدر الرئيسي للطاقة في معظم البلدان الأقل نمواً، ويمثل ما بين 90-95 في المائة من استهلاك الطاقة في الأغراض المنزلية. كذلك تعد المنتجات الحرجية غير الخشبية ذات أهمية كبيرة للأسر الريفية والاقتصاديات المحلية. وتشير التقديرات إلى أن 80 في المائة من السكان في البلدان النامية يعتمدون على المنتجات الحرجية غير الخشبية في تلبية بعض احتياجاتهم الصحية والغذائية. وهناك ملايين من الأسر التي تعتمد اعتماداً كبيراً على هذه المنتجات في سد احتياجات الكفاف أو تحقيق الدخل. وتعد الأخشاب والمصنوعات الخشبية من مصادر الدخل المهمة كما أنها تمثل عنصراً لا يستهان به في اقتصاد البلدان الأقل نمواً التي تغطي الغابات مساحات كبيرة منها، فهي تمثل في إحدى الحالات 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي و 35 في المائة من مجموع إيرادات التصدير.

30. والسلع الحرجية والخدمات البيئية توفرها في البلدان الأقل نمواً النظم البيئية التي أصبحت مهددة من جراء ممارسات الاستغلال غير المستدامة وغير ذلك من العوامل، بما في ذلك التوسع الأفقي غير المنضبط في زراعة المحاصيل. وسوف يكون التحدي هو تحديد وتطوير النظم المتكاملة التي تضمن استمرار السلع والخدمات التي توفرها الغابات والتي تعد أساسية في معيشة السكان في البلدان الأقل نمواً.

31. ويتضح من التحليل السابق أن الفجوة بين مستويات الإنتاجية الفعلية (سواء فيما يتعلق بالأراضي، أو الأيدي العاملة أو الثروة الحيوانية) في البلدان الأقل نمواً وما يمكن تحقيقه فجوة كبيرة. وهذه الفجوة يمكن تحديدها على ثلاثة مستويات، هي:

ويرتبط تحسين الإنتاجية الزراعية بتضييق هذه الفجوات بالتدريج - بداية بالفجوة المتعلقة بالإرشاد، ثم البحوث، ثم الفجوة العلمية - كلما زاد البلد من قدرته على استيعاب هذه الأساليب التكنولوجية المحسنة وتطويرها. وفي هذه المرحلة من مراحل التنمية في البلدان الأقل نمواً، ينبغي أن تعطى الأولوية على الفور لتضييق الفجوة في مجالي الإرشاد والبحوث.

33. وكثيراً ما تدخلت الحكومات في كثير من البلدان النامية (بما في ذلك البلدان الأقل نمواً) في الأسواق بطرق غير مناسبة وأنفقت استثمارات في المشروعات الإنتاجية التي تملكها الدولة - وهي المشروعات التي ثبت عدم كفاءتها، ثم أدخلت هذه البلدان إصلاحات، في العقود الأخيرة، من أجل خصخصة المشروعات المتعثرة التي تملكها الدولة وإلغاء مجالس التسويق وغيرها من الأجهزة التنظيمية التي تفتقر إلى الكفاءة. بيد أن الدور التاريخي لهذه المؤسسات وما اقترن بها من توفير الخدمات العامة في مجال الزراعة لم يكن محل تقدير كامل على الدوام، رغم أن الاستثمارات التي أنفقها القطاع العام على إقامة المدارس بالمناطق الريفية، وفي تطوير أسواق مستلزمات الإنتاج والمنتجات، وفي الإرشاد الزراعي والبحوث الزراعية التطبيقية كان عظيم الأهمية في التنمية الزراعية في كل النظم الاقتصادية في أنحاء العالم. فتنفيذ الإصلاحات المؤسسية دون استثمار في هذه الخدمات العامة لا يحقق النمو الاقتصادي في القطاع الزراعي، لأن النمو لا تحققه سياسات سلبية تقوم على شعارات مثل "دع الأسواق تعمل" ولا تتضمن برامج الاستثمارات العامة الضرورية.

34. وتشير القرائن إلى أن الإنفاق العام على الإرشاد الزراعي والبحوث الزراعية يمكن أن يحقق مردوداً كبيراً في البلدان الأقل نمواً. فقد أكدت دراسة أخيرة أجريت على عائد الاستثمارات في البحوث الإرشاد أن معدل العائد الداخلي في أفريقيا (التي تضم أكبر عدد من البلدان الأقل نمواً) يعد مجزياً: فقد دلت الدراسة على أن متوسط العائد بلغ 27 في المائة بالنسبة للإرشاد و 37 في المائة بالنسبة للبحوث (الجدول 7، بالملحق). ولذلك، فمن الضروري بناء القدرات في مجالي البحوث والإرشاد لتمكين البلدان الأقل نمواً من تحقيق مستوى مرتفع من النمو في الإنتاجية - وهذا يتفق مع ما حدث في كثير من البلدان النامية. وكلما اقترنت هذه البرامج باستثمارات مؤسسية في مجالات الأسواق ومرافق البنية الأساسية، ازدادت فعاليتها.

35. وعلى الرغم من ارتفاع العائد الذي يمكن أن يحققه الإنفاق على البحوث الزراعية والإرشاد الزراعي، يعد نصيب الفرد من الإنفاق على البحوث والإرشاد في جميع البلدان الأقل نمواً تقريباً منخفضاً جداً بالمقارنة بالبلدان الأخرى النامية أو بالبلدان المتقدمة. وقد أجرت منظمة الأغذية والزراعة أظهرت دراسة أخيرة أظهرت أن مجموع الإنفاق على البحوث الزراعية في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كان يمثل أقل من 0.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من الزراعة في 1989-1990. 7

2.1.3 استدامة البيئة والموارد الطبيعية

36. هناك شعور متزايد بالقلق من أن التوسع في الزراعة وتكثيفها قد يؤديان إلى تدهور الموارد الطبيعية (الأراضي، والمياه، والغطاء النباتي والتنوع البيولوجي)، وبالتالي إلى نقص الإنتاج الزراعي. ومع ذلك، فإن التكثيف الزراعي في حد ذاته - أي زيادة إنتاجية الأراضي التي تزرع بالفعل - لا ينبغي أن يمثل تهديداً. وفي الحقيقة، فمن اللازم أن تكون إدارة عملية التكثيف جيدة لكي يمكن تلبية احتياجات الإنتاج الزراعي وتقليل الضغط على المساحات الحدية التي لا تتحمل هذا الضغط، لأن الافتقار إلى أساليب الإدارة الجيدة وعدم القدرة على الحصول الأساليب التكنولوجية الملائمة وعلى مستلزمات الإنتاج الزراعي، وليس التكثيف، هي أسوأ مسببات التدهور البيئي.

37. وترتبط استمرارية الظروف البيئية والموارد الطبيعية في البلدان الأقل نمواً بعدد من العوامل، مثل العولمة، وعدم التكافؤ في عملية التنمية، وعدم القدرة على الحصول على الأساليب العلمية والتكنولوجية، وقلة الموارد المالية اللازمة للإنتاج، وارتباك المؤسسات التقليدية ونظم الإنتاج. وعلاوة على ذلك، فمازالت الزراعة تعمل كقطاع منعزل في كثير من البلدان الأقل نمواً. والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، والزحف على الأراضي الحدية، وهجرة السكان إلى المدن أو إلى البلدان الأكثر تقدماً، وظهور الأحياء العشوائية على أطراف المدن، والتفسخ الاجتماعي والفقر - تنجم كلها عن نقص الخدمات وفرص العمل بالمناطق الريفية في البلدان الأقل نمواً.

38. كذلك فإن النمو السكاني وأساليب الإدارة غير المستدامة تخلق ضغوطاً على النظام البيئي وتعرض التوازن الإيكولوجي للخطر. ولقد أدى الاستغلال المفرط للموارد، على مدى العقود الخمسة الماضية، في كثير من البلدان الأقل نمواً إلى استنزاف احتياطي رأس المال الطبيعي في كثير من المناطق واستنزاف الفرص الزراعية وفرص المعيشة التي كان من الممكن أن يحققها النمو في المستقبل. ومن اللازم إنعاش المعارف المحلية وإجراء مزيد من البحوث حول طرق الإنتاج التي تساعد على المحافظة على الموارد الطبيعية وعلى البيئة. والأهم من كل ذلك أنه يلزم توجيه مزيد من الاهتمام نحو زيادة المشاركة المحلية في عمليات اتخاذ القرارات لتحسين تفاعل الأفراد والمجتمعات المحلية مع النظام البيئي الطبيعي. ولابد من توافر المساعدات المالية وغيرها من أشكال المساعدات لإعانة البلدان الأقل نمواً على اكتساب وتبني الأساليب التكنولوجية الملائمة. ومن اللازم وضع برامج - على المستوى القطري، وعلى مستوى المناطق والمستوى المحلي - تتضمن تشخيص حالة المناطق والسكان الأكثر تعرضاً لمخاطر تدهور الأراضي وما يترتب على ذلك بالنسبة لمعيشتهم، وتنفيذ هذه البرامج بمشاركة مختلف الأطراف صاحبة الشأن. وللأسف، فكثيراً ما تُغفِل برامج التنمية هذه المناطق لأن عملية إحيائها معقدة ولا يمكن تبريرها على أسس اقتصادية خالصة. كذلك فإن اختيار المدخلات المناسبة ينبغي أن يقوم أيضاً على الحلول التي تجمع بين المعارف التقليدية والتقنيات الحديثة وتساعد المزارعين على الاستثمار في صيانة الأراضي.

39. وينبغي النظر إلى إدماج الاعتبارات البيئية في تخطيط التنمية على أنه عنصر لا غنى عنه في استراتيجية التنمية في البلدان الأقل نمواً، إذ لا يعد ذلك وسيلة لحماية الأراضي الضعيفة والمحافظة عليها للإنتاج الزراعي في المستقبل فقط، بل إنه أيضاً يمثل آلية تستطيع بها البلدان الأقل نمواً، وخصوصاً في المناطق الجافة، المحافظة على رأسمالها الاحتياطي المهم من التنوع البيولوجي والمساهمة في حلول لبعض قضايا تغير الظروف البيئية على المستوى العالمي. وهكذا، فمن المرجح أن يكون من اللازم إجراء تحليلات موضعية، لأن التفاعل بين السياسات التي تساعد على تجاوب العرض مع الطلب وطريقة تحقيق هذا التجاوب (وبالتالي التأثير البيئي) من المحتمل أن تكون غامضة.

40. وقصارى القول، يبدو أن كثيراً من البلدان الأقل نمواً تتمتع بموارد زراعية وطبيعية وفيرة نسبياً يمكن أن تتيح لها ميزة نسبية في مجموعة من المنتجات الزراعية. وهذه الموارد يمكن تنميتها لاستغلال الفرص المتاحة في الأسواق الدولية، وبالتالي أن تحقق مزيدا من النمو على قاعدة واسعة في جميع جوانب الاقتصاد. كذلك، توجد فرص عظيمة لتكثيف الإنتاج الزراعي وزيادة الإنتاجية. وسوف تناقش الورقة في الأقسام الثلاثة التالية التحديات والمعوقات الخارجية التي أعاقت الاستغلال الكامل لهذه الطاقات الكامنة، وتلقي الضوء على تدابير السياسات اللازمة لتحقيقها بطريقة فعالة ومستدامة.

2-2 جوانب التنمية البشرية

41. تتطلب تنمية الموارد البشرية الكامنة دراسة أدوار واحتياجات المزارعين (من الرجال والنساء، على السواء) وغيرهم من أفراد الأسرة ممن يقومون بأعباء متعددة ولهم متطلبات متباينة في مجالات التعليم، والصحة والتغذية، والمعارف التكنولوجية، لأن الصفة الغالبة على البلدان الأقل نمواً هي انخفاض مستوى التنمية البشرية (التي تقاس بمجموعة من العوامل مثل انخفاض مستوى الأعمار، ومعدلات التحصيل التعليمي، ومستويات المعيشة)8 .

2-2-1 التعليم، والتدريب والإرشاد

42. التعليم هو أساس التنمية البشرية وعامل رئيسي في التنمية الزراعية. وتشير البحوث إلى أن مستوى التحصيل في التعليم الابتدائي ومحو الأمية، والتدريب على المهارات الأساسية وخدمات الإرشاد له تأثير مباشر وإيجابي عل إنتاجية المزارعين. فالمزارع الذي حصل على أربع سنوات من التعليم الابتدائي تكون إنتاجيته أعلى بنسبة 8.7 في المائة، في المتوسط، من زميله الذي لم يحصل على أي قسط من التعليم. وعلاوة على ذلك، فكلما ارتفع مستوى تعليمه، ازدادت أمامه فرص تحقيق دخل من استخدام الأساليب التكنولوجية الجديدة وازدادت سرعة تأقلمه مع التغيرات التكنولوجية. وهذه الآثار مفيدة للسكان عموماً؛ وبمزيد من التحديد، فإنها تزيد من قدرات سكان الريف.

43. ونوعية التعليم والتدريب في البلدان الأقل نمواً منخفضة، كما أن قدراتها المؤسسية على تنفيذ الإصلاحات والتحسينات في مجالي التعليم والتدريب من أجل التنمية الزراعية والريفية ضعيفة. ونتيجة لذلك، ترتفع معدلات الأمية في البلدان الأقل نمواً كما ترتفع نسبة تسرب الأولاد من المدارس، مما يؤثر بشدة على سكان الريف.

2-2-2 السكان والصحة

44. من الناحية الديموغرافية، تعاني البلدان الأقل نمواً من مجموعة خطيرة من المشاكل السكانية، والصحية، والتنموية التي تتضافر لتشكل تحدياً مفزعاً لسكان هذه البلدان وحكوماتها، وكذلك للمجتمع الدولي.

45. وتشير التوقعات الحالية إلى أن هذه البلدان ستظل تعاني من ارتفاع معدلات النمو السكاني، رغم أن وباء نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، في حالة استمراره، قد يقلل من معدلات الزيادة السكانية. ومن الواضح أن الزيادات المتوقعة في الأعداد الإجمالية للسكان ستكون لها آثار لا يستهان بها بالنسبة للمتطلبات الغذائية. وعلى سبيل المثال، فقد أوضحت دراسة أخيرة لمنظمة الأغذية والزراعة9 أنه لكي يتسنى المحافظة على النصيب الحالي للفرد من الأغذية المتاحة، أو تحقيق تحسن طفيف فيه، بحلول عام 2050، سيكون من اللازم زيادة الإمدادات الغذائية في بعض البلدان الأقل نمواً بمقدار أربعة أضعاف ما هي عليه.

46. وهناك عوامل ديموغرافية أخرى من المحتمل أن تكون ذات صلة مباشرة بالزراعة والأمن الغذائي في البلدان الأقل نمواً. وبصفة خاصة، فإن سرعة انتشار الإيدز بالمناطق الريفية تمثل مشكلة شديدة الخطورة. وهذا الوباء فريد بالمقارنة بالأمراض الأخرى من حيث أنه يؤثر على أكثر الفئات العمرية إنتاجاً: أي من تنحصر أعمارهم بين 15 سنة و 50 سنة، وبذلك تكون له آثار كمية ونوعية على عمال الزراعة: فهو يقلل كثيراً من حجم القوى العاملة الزراعية وإنتاجيتها؛ ويُغير من شكل تقسيم العمل؛ ويؤدي إلى ضياع المهارات التي تعد مهمة لممارسة الزراعة والتسويق وإدارة الموارد10.

47. كذلك يؤثر هذا الوباء تأثيراً مباشراً على أسواق المنتجات الزراعية، إذ أنه يغير من حجم وتركيب السكان الواجب تغذيتهم، ويقلل من الطلب الفعال على الأغذية. وبالإضافة إلى كونه مشكلة صحية كبيرة، فقد رئي أيضاً في السنوات الأخيرة أنه يمثل قضية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية حرجة، فمن آثاره أيضاً أنه يوفر مدخلاً لأمراض أخرى، مثل السل والملاريا، كما أن ارتفاع مستويات المرض والوفاة تزيد من فقر الأسر المصابة وتستنزف القطاع الريفي عموماً. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وتفاقم نقص الأغذية وتزايد أشكال النقص في التغذية في المدى الطويل.

2-2-3 دور المرأة الريفية في التنمية الزراعية

48. تلعب المرأة الريفية دوراً مهماً في إنتاج المحاصيل الغذائية الأساسية في العالم، وتربية الدواجن والحيوانات الصغيرة (الأغنام، والماعز، والأرانب، والخنازير)، كما أنها هي التي تقوم بالعمليات التالية للحصاد - وهذا الدور تزداد أهميته بصفة خاصة في البلدان الأقل نمواً. فقد أدت الحروب، والهجرة المتزايدة من الريف إلى الحضر بحثاً عن فرص للعمل بأجر، بالإضافة إلى ارتفاع معدل الوفيات نتيجة للإيدز - أدت كلها إلى زيادة عدد الأسر التي تعولها نساء في البلدان النامية. و "تأنيث الزراعة" على هذا النحو وَضَع المرأة أمام أعباء شاقة في مجالات الإنتاج، وتوفير وإعداد الطعام رغم ما يواجهها من عقبات كبيرة بالفعل.

49. وتوضح الدراسات التي أجرتها منظمة الأغذية والزراعة أنه على الرغم من أن النساء في معظم البلدان النامية يمثلن دعامة القطاعات الزراعية، وقوة العمل في المزارع فضلاً عن قيامهن بالأعباء اليومية المتصلة بتوفير سبل الإعاشة للأسرة، فإنهن آخر من يستفيد من عمليات النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية الجارية - بل إنهن في بعض الحالات قد تأثرن سلبياً بها. والموقف السائد هو التحيز للرجل والتغاضي عن حقوق المرأة: فمازال صانعو السياسات، ومخططو التنمية والأطراف التي تقوم بتوفير الخدمات الزراعية يرون جميعاً أن المزارعين هم "الذكور"، وبالتالي يجد النساء أنفسهن في وضع أسوأ من وضع الرجال من حيث الحصول على الموارد المهمة، مثل الأراضي، والتسهيلات الائتمانية ومستلزمات الإنتاج الزراعي، والتكنولوجيا، وخدمات الإرشاد، والتدريب، وغير ذلك من الخدمات التي تساعد على زيادة قدراتهن الإنتاجية.

50. وعموماً، فإن مساهمة المرأة في الزراعة غير مفهومة على نحو جيد، كما أن خطط التنمية تتجاهل احتياجات المرأة الخاصة. ومع ذلك، فإذا كان لهدف التشجيع على التنمية الزراعية والريفية أن يتحقق، يجب إتاحة الفرصة لتحقيق إمكانيات المرأة الكاملة في القطاع الزراعي.

2-2-4 المعلومات والاتصالات

51. تعد المعلومات والاتصالات ضرورية أيضاً للتنمية الزراعية والريفية المستدامة، إذ يمكن أن يساعد الاستثمار في نظم المعلومات الريفية على تحسين مستويات المعرفة والمهارات الإدارية لدى المزارعين. ورفع مستوى الوعي، والحصول على المعلومات، وتبادل الخبرات، وتغيير المواقف وتطوير المهارات تتطلب كلها عمليات تندرج تحت الاتصالات والتعليم. ورغم أن التكنولوجيات المستندة على الإنترنت تنشر بسرعة في كثير من البلدان النامية، فمازال هناك نقص شديد في مرافق البنية الأساسية للاتصالات. وفي الحقيقة فإن فجوة المعلومات بين الأغنياء والفقراء شديدة الاتساع.

2-3 السياسات والمؤسسات

52. يتناول هذا القسم تحديد تدابير السياسات والتدابير المؤسسية الرئيسية التي سهّلت أو أعاقت التنمية الزراعية المستدامة في البلدان الأقل نمواً، مع التركيز على التدابير التي حالت دون المزارعين وزيادة إنتاجيتهم أو إنتاجهم.

2-3-1 إطار السياسات الاقتصادية الكلية

53. اعتادت حكومات البلدان الأقل نمواً في الماضي القيام بالكثير من المهام المرتبطة بالزراعة: مثل التمويل، والعديد من الخدمات المتصلة بالإنتاج والتسويق والتوزيع، وتنظيم الإنتاج بل والتدخل المباشر في الإنتاج في بعض الحالات. والأهم من ذلك، أن التأثير العام لهذه السياسات الحكومية لم يكن مواتياً للقطاع الزراعي. وقد أكدت هذه النظرية التي سيطرت على التنمية أهمية الاستفادة من الفائض الزراعي لصالح القطاعات الأخرى. وكانت السياسات الاقتصادية الكلية، وخصوصاً سياسات أسعار الصرف، تميل في غير صالح السلع القابلة للتصدير، بينما كانت السياسات التجارية تميل في صالح السلع التصديرية غير الزراعية، وبالتالي كانت معدلات التبادل التجاري في قطاع الصادرات في غير صالح الزراعة. والأهم من ذلك، أن التحيز السعري ضد القطاع الزراعي لم تكن تعوضه تحويلات أخرى في صالح المناطق الريفية.

54. ومنذ أوائل الثمانينات، يعكف معظم البلدان الأقل نمواً، شأنها شأن كثير من البلدان النامية الأخرى، على تنفيذ سلسلة من الإصلاحات لتصحيح عدم التوازن على مستوى الاقتصاد الكلي وتعديل نظم الحوافز داخل القطاعات وفيما بينها. فعلى مستوى الاقتصاد الكلي، وفي سياق برامج تحقيق الاستقرار، كان من التغيرات الرئيسية الاتجاه نحو نظام لأسعار الصرف يعكس ندرة النقد الأجنبي، ونحو سياسة نقدية وضريبية تساعد على تحقيق الاستقرار في الاقتصاد الكلي. وهكذا، أمكن التعامل مع مصدر من المصادر الرئيسية للتحيز ضد القطاع الزراعي، وإن لم يكن ذلك قد أدى بالضرورة إلى التخلص تماماً من هذا التحيز. ولم تكن الخطوات التي اتخذت في سبيل إصلاح الاقتصاد الكلي موحدة في جميع البلدان. وعلى المستوى القطاعي، اتخذت خطوات للتخلص من المعوقات التي كانت تضعها الحكومات دون مبرر أمام أداء الأسواق، كما اتخذت خطوات من أجل خصخصة أنشطة تصنيع المنتجات الزراعية، وتسويقها وتوزيعها.

55. ومن المستحيل إجراء تقييم شامل لتأثير برامج الإصلاح الاقتصادي على الزراعة، نظراً لتنوع محتوى هذه البرامج وطرق تنفيذها (كأن يكون ذلك بمقارنة نمو الزراعة قبل وبعد برامج التكيف الهيكلي أو مقارنة البلدان التي أدخلت برامج التكيف بتلك التي لم تُدخلها). ومع ذلك، فمن المناسب أن نلاحظ أن إصلاح السياسات الاقتصادية الكلية حقق في البلدان الأقل نمواً، التي ازدهر فيها النمو الزراعي، نوعا من المنافسة المتزايدة في أسعار الصرف، كما أصبحت أسعار الفائدة فيها تتسم بمزيد من الواقعية11فالاقتصاد الكلي المستقر يشجع على ثقة المستثمرين، وبالتالي يساعد على قيام بيئة عامة مواتية للنمو، وهي البيئة التي تغري بدورها على التوسع في السوق المحلية للسلع الزراعية. ومن ناحية أخرى، فإن سعر الصرف التنافسي يساعد على ترويج الصادرات الزراعية.

56. وفيما يتعلق بالسياسات القطاعية، فعلى الرغم من قِلة القرائن الدالة على تأثير إصلاح السياسات القطاعية على الزراعة، فمن الواضح أن تحسين هيكل الحوافز السعرية الذي يعمل في نطاقه المنتجون الزراعيون - رغم أهميته - لا يزيل جميع المعوقات التي تحول دون الزراعة وتحقيق إمكانياتها الإنتاجية. وفي الواقع، توضح دراسة عدد من تجارب النمو الزراعي الناجحة والمستدامة أن نمو الإنتاج، في فترات معينة، قد تحقق على الرغم من أن هيكل الحوافز السعرية لم يكن في صالح الزراعة.12 والفرق الرئيسي بين قصص النجاح هذه وغيرها من القصص التي أسفر فيها التحيز السعري في غير صاح الزراعة عن إصابة هذا القطاع بالركود، هو أنه على الرغم من التشوهات السعرية فقد كان هناك التزام حكومي (والتزام من جانب الجهات المانحة) ببناء مرافق البنية الأساسية الريفية وتشجيع البحوث الزراعية وغيرها من الخدمات العامة - وكان ذلك يُعوِّض بل ويتجاوز الخسائر الناجمة عن الحوافز السعرية المشوهة.

57.وهكذا يكون أهم الدروس المستخلصة من التجارب السابقة هو أنه لكي يتحقق النمو الزراعي فمن اللازم وجود عدد من العوامل التي تعالج حالة "الإعاقة" التي يعاني منها القطاع الريفي في مجالات مرافق البنية الأساسية، والخدمات الاجتماعية، والتكنولوجيا، ومرافق التسويق، وتوافر التسهيلات الائتمانية في المواسم التي تشتد فيها الحاجة إليها، بالإضافة إلى تهيئة البيئة المؤسسية المناسبة. وليست هناك وصفة فريدة تحدد السياسات التي تناسب الظروف المتنوعة للقطاع الزراعي في البلدان الأقل نمواً. فعلي الرغم من أن زيادة الإنتاجية هي المطلب الأساسي المشترك، فإن طبيعة الزيادة المنشودة هي التي ستحدد تركيبة السياسات الملائمة. وعلى سبيل المثال، ففي البلدان التي تسعى من أجل زيادة الإنتاجية عن طريق التحول إلى السلع التي ترتبط مرونة الطلب عليها بالدخل (مثل الفواكه والخضر) وعن طريق تحسين القدرة على النفاذ إلى الأسواق الديناميكية (الداخلية والخارجية، على السواء)، يمكن أن يكون من بين عناصر هذه السياسة توفير بيئة مؤسسية مناسبة، وتوفير المعلومات عن الأسواق، والمساعدة في تلبية المعايير الصحية.

58. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الروابط العديدة بين الزراعة والقطاع الريفي الأوسع والأنشطة الريفية غير الزراعية تقتضي ألاّ تقتصر السياسات الزراعية على الحدود الضيقة للقطاع الزراعي بمعناه الضيق، وأن تراعي أيضاً تأثيرها على المجال الريفي الذي تمثل فيه الزراعة (وخصوصاً في البلدان الأقل نمواً) أهم الأنشطة (أنظر القسم جيم، فيما يلي).

59. ولم يكن تتابع خطوات الإصلاح في العديد من البلدان بالشكل الذي يضمن كفاءتها. فكثيراً ما كانت الحكومات تركز، لدى وضع السياسات والبرامج، على أسعار الصرف، وتحرير الأسعار في الأسواق الداخلية، وخصخصة المشروعات العامة، ولم تكن تهتم - بالدرجة الكافية - بالسياسات والعوامل الأخرى التي تؤثر على الزراعة مثل إدخال التحسينات اللازمة في نفس الأثناء على مرافق البنية الأساسية، والتكنولوجيا ومرافق التسويق. وهكذا، يعد الشكل غير المناسب لخطوات الإصلاح وتتابعها، وعدم استقرار بيئة السياسات من مصادر المتاعب الرئيسية التي تواجه برامج الإصلاح في كثير من البلدان الأقل نمواً.

2-3-2 مؤسسات التنمية الزراعية والريفية، ومرافق البنية الأساسية وخدمات الدعم

(1) الأسواق

60. تعد مرافق البنية الأساسية الريفية في معظم البلدان الأقل نمواً هزيلة، كما أن الزراعة شبه المعيشية هي التي تغلب على الأنشطة الزراعية في كثير من الأحيان. والصفة التي تغلب على معظم البلدان الأقل نمواً هي عدم القدرة على النفاذ إلى الأسواق أو صعوبة إليها. وحتى في حالة وجود أسواق ريفية فإنها تعاني من جوانب القصور الشديد، وعندما لا يكون للأسواق الريفية وجود على الإطلاق، يكون من الصعب على المزارعين بيع منتجاتهم، ويكون من الصعب عليهم بالتالي ضمان الأمن الغذائي لعائلاتهم. وهكذا، كثيراً ما يكون المطلب الأول هو النهوض بالأسواق الريفية. ومن بين الصعوبات التي ذُكِرت لدي الحديث عن تشغيل أسواق السلع بُعد المنتجين عن الأسواق، وانخفاض مستوى جودة المنتجات، وارتفاع تكاليف النقل (نظراً لارتفاع أسعار الطاقة وسوء حالة مرافق البنية الأساسية)، وقِلة المنافسة بين التجار وسوء تنظيم المنتجين، وقِلة المعلومات عن حالة الأسواق، وعدم وجود قواعد واضحة لتنظيم الأسواق وسوء تطبيق هذه القواعد، وكذلك حدوث تقلبات حادة في الأسعار أثناء السنة.

(2) خدمات التمويل الريفي

61.غالباً ما تكون خدمات التمويل في المناطق الريفية هزيلة. ولقد كان توجيه التسهيلات الائتمانية الرخيصة عن طريق بنوك التنمية الزراعية يعاني من انخفاض معدلات السداد، وسوء توجيه الخدمات الائتمانية وانخفاض كفاءة التشغيل والإدارة، وبالتالي كان تأثيرها محدوداً كما كانت متعثرة. فكثيراً ما كانت التسهيلات الائتمانية المدعومة يُساء استخدامها وتُوجه نحو إدخال معاملات تكنولوجية لا تتفق مع النظم الزراعية المحلية ولا يوجد عليها طلب فعال. كذلك يعد سوء تقدير إمكانيات التسويق والربحية وانخفاض قدرة المقترضين على السداد من العوامل التي تفسر ارتفاع معدلات التعثر في سداد القروض - ومما يزيد من تفاقم الموقف أن الحكومة تقرر من حين لآخر، تحت الضغط السياسي، التنازل عن الديون المستحقة على المزارعين.

62. وعلى النقيض من ذلك، تتقاضى البنوك التجارية الخاصة أسعار فائدة مرتفعة، خصوصاً على صغار المزارعين في المناطق ذات الكثافات السكانية المنخفضة، ويرتب على ذلك ارتفاع تكاليف الحصول على القروض. ومما يزيد من تفاقم الأوضاع عدم استقرار البيئة الاقتصادية الكلية، مما يؤدي إلي ارتفاع معدلات التضخم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن ضَعْف مرافق البنية الأساسية الريفية ونظم الاتصال، وضَعْف كفاءة الخدمات الإرشادية، وسوء السياسات الاقتصادية الكلية والسياسات القطاعية تؤدي كلها إلى ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج والتسويق، مما يزيد من انخفاض ربحية الزراعة. وتستطيع الروابط بين المزارعين والتجار والترتيبات الأخرى مع مشروعات التصنيع الزراعي، مثل عقود الزراعة بالمشاركة، التغلب على هذه المعوقات.

63. والتجارب السابقة مع مؤسسات توفير القروض الصغيرة تلقي الضوء على أهمية توجيه العملاء في مجال الحصول على الخدمات المالية، وتطبيق أسعار الصرف القائمة على السوق والتي تغطي تكاليف الإقراض بالكامل. ويبدو أن الفقراء يفضلون القروض التي يمكن الاعتماد عليها والحصول عليها في الوقت المناسب على التسهيلات الائتمانية المدعومة التي يصعب الحصول عليها عند الحاجة إليها نظراً للتعقيدات البيروقراطية وربط هذه القروض باستخدامات محددة.

64. ومع ذلك، فإن الطبيعة الخاصة التي ترتبط بالزراعة، مثل الطلب الموسمي على القروض لتمويل المحاصيل الحولية وارتفاع مستوى المخاطر، تقلل من دور مؤسسات توفير القروض الصغيرة اللازمة لتمويل احتياجات الاستثمار الموسمية لصغار المزارعين.

(3) توافر مستلزمات الإنتاج الزراعي

65. تكشف المعلومات التي جمعتها المنظمة من مشروعات البرنامج الخاص للأمن الغذائي في 22 بلداً من بلدان العجز الغذائي ذات الدخل المنخفض أن من بين المشاكل الرئيسية التي تواجه المزارعين عدم توافر الأسمدة والكيماويات الزراعية، كما أنهم غالباً ما يواجهون مشاكل في الحصول على الأعلاف الحيوانية في الوقت المناسب أو بالكميات المطلوبة. وترتبط هذه المشاكل، بدرجة كبيرة، بصعوبات الحصول على النقد الأجنبي، والطبيعة الموسمية للحاجة إلى مستلزمات الإنتاج الزراعي، والانتشار المكاني للمزارعين، وضَعْف مرافق البنية الأساسية للنقل، وأحياناً، قصور جوانب التسويق والإدارة في الشركات التي تملكها الدولة والتي تكون مسئولة عن التوريد أو التسويق.

66. كذلك قيل إن البذور الجيدة ليست متاحة بالكميات الكافية، وخصوصاً في أفريقيا وآسيا. ويعد النظام غير الرسمي لتوفير البذور هو المصدر السائد لتوفير البذور والتقاوي للمزارعين الذين يفتقرون إلى الموارد في المناطق الحدية، وقد ثبت أن هذا النظام أفضل من قطاع البذور الرسمي في تلبية الاحتياجات في أوقات الأزمات والكوارث. ومع ذلك، فإن القطاع غير الرسمي لتوفير البذور لم يحصل، للأسف، إلاّ على قليل من الاهتمام والدعم المالي من واضعي السياسات، مما أضر بإنتاجية صغار المزارعين. ولذلك، فبدون تقوية وتعزير نظم توفير البذور في البلدان النامية لن يكون من الممكن نقل الكثير من التكنولوجيا اللازمة لتحسين إنتاجية المحاصيل، وبالتالي تحسين مستويات معيشة الأسر الفقيرة والمعرضة للأزمات في المجتمعات الريفية. وفي بعض البلدان، يوجد شعور بالقلق من أن قاعدة الموارد الوراثية لبعض محاصيل الحبوب قد ضاقت بشدة، لاسيما أن الأصناف المحلية لم تلق اهتماماً كبيراً أو تعرضت للإغفال. كذلك تحدثت التقارير عن عدم وجود سلالات حيوانية مُحسّنة في بعض الحالات وعن عدم توافر تسهيلات كافية لعلاج الحيوانات

67. ومن العوائق المؤسسية الأخرى سوء استخدام المياه وسوء توزيعها، لأسباب من بينها، عادة، سوء إدارة خطط الري وعدم وضع ترتيبات كافية لتوزيع المياه، مما يؤدي إلى عدم توزيع المياه بالتساوي بين المزارعين وعدم وصولها إليهم في الوقت المناسب. ففي كثير من البلدان الأقل نمواً، تخضع إدارة مشروعات الري وتوزيع المياه للقطاع العام، ونادراً ما يكون لجمعيات المزارعين دور في ذلك، أو أن هذه الجمعيات تكون ضعيفة جداً ولا تستطيع المساهمة في تصميم نظم توزيع المياه وصيانة الشبكات. ولذلك، ينبغي دراسة احتياجات المزارعين من المياه من زاوية الاحتياجات المنزلية وجوانب الإنتاج من أجل التصدير، لأن الاستخدامات المختلفة تؤثر على نوعية حياة الذكور والإناث في المجتمعات المحلية التي يعيشون فيها.

البحوث الزراعية والإرشاد الزراعي

68. تعد القدرات المؤسسية في مجالات البحوث والإرشاد ضعيفة في معظم البلدان الأقل نمواً. ونتيجة لذلك، لا تعد التكنولوجيا المتاحة مناسبة بما فيه الكفاية للظروف المحلية كما أن نتائج البحوث لا تسفر عن مجموعة من الحلول التكنولوجية التي تتفق مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية والظروف الإيكولوجية الزراعية المختلفة القائمة، مثل الاحتياجات الفنية المتباينة للذكور والإناث من المزارعين. وكثيراً ما يشار إلى أن عدم توافر البدائل التكنولوجية يمثل عائقاً أمام تطوير طُرق الري (مثل النماذج المختلفة من مضخات الري التي تتناسب مع الاحتياجات المختلفة لمن يستخدمون المضخات). وحيثما تتوافر الأساليب الفنية والتكنولوجية التي أمكن استنباطها عن طريق البحوث، يواجه نشرها وتعميمها عدداً من الصعوبات مثل ضَعْف أداء خدمات الإرشاد والتدريب التي قد لا تكون موضوعة بالضرورة بما يتفق مع احتياجات المستخدمين.

69. وكثيراً ما يُعد ضَعْف خدمات الإرشاد والتدريب، وما يترتب عن ذلك من ضَعْف المعارف التكنولوجية لدى المزارعين، من العوامل الرئيسية وراء عدم الأخذ بالأساليب التكنولوجية الجديدة. ويمكن التغلب على ذلك بتحسين قدرة المزارعين على الحصول على المعارف. ويمكن، على سبيل المثال، الحصول على معلومات قيمة عن الإرشاد الزراعي من صفحة FAO's Ecoport في شبكة الإنترنت.

(5) العوامل الاجتماعية والثقافية

70. هناك عدد من العوامل الاجتماعية والثقافية التي أعاقت استنباط وتبني التكنولوجيات التي تساعد زيادة الإنتاج، منها:

2-3-3 الأنشطة التالية للإنتاج

71. يمثل الافتقار إلى الطرق الجيدة ومرافق التخزين الكافية معوقات رئيسية في كثير من البلدان الأقل نمواً، مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى بقاء المحاصيل لدى المزارعين وعدم قدرتهم على بيعها. وعدم قدرة مرافق البنية الأساسية للنقل في بعض البلدان الأقل نمواً على نقل الحبوب الغذائية من مناطق الفائض إلى مناطق العجز، في حالة تعرض بعض المناطق للجفاف، يدل على مدى صعوبة اختناقات النقل وتجزئة السوق الزراعية. وبالنسبة لكثير من المنتجين، يؤدي قِلة تسهيلات الاتصال إلى الحد من قدرتهم على النفاذ إلى الأسواق والحصول على المعلومات الخاصة بالأسواق، كما يجعل حصولهم على مستلزمات الإنتاج أكثر صعوبة وأكثر تكلفة، ويقلل من عائد المنتجين. ويؤدي نقص مرافق التخزين إلى تفاقم مشكلة التقلبات الموسمية التي تشهدها الأسواق وزيادة مستوى خسائر ما بعد الحصاد، وهي الخسائر التي تصل في بعض الأحيان إلى 30 في المائة من مجموع الإنتاج.

2-3-4 الأمن الغذائي ومعايير الجودة

72. يعد ضمان سلامة الأغذية وجودتها في البلدان النامية في غاية الأهمية ليس من زاوية الصحة العامة فحسب بل وكذلك من زاوية تحسين قدرة منتجاتها الغذائية على المنافسة الأسواق العالمية. وتعاني نظم ومؤسسات الرقابة في البلدان النامية من العديد من أوجه الضَعْف التي تجعلها عاجزة عن ضمان حماية المستهلك والاستفادة من النظام التجاري الذي أقيم بعد جولة أوروغواي. وينسحب هذا الضَعْف على جميع العناصر الأساسية للنظام القطري للرقابة على الأغذية، أي التشريعات الغذائية، والتفتيش على الأغذية، وضمان الجودة على مستوى الإنتاج والقدرة (البشرية والمادية) على إجراء الاختبارات من أجل التأكد من جودة الإمدادات الغذائية وسلامتها.

73. ومن اللازم اتخاذ الإجراءات التالية لتعزيز قدرة البلدان النامية على تلبية الاشتراطات المبينة في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، بما يضمن حماية المستهلك وترويج تجارة المنتجات الزراعية، في الداخل والخارج:

  • 2-3-5 الاستثمار في الزراعة

    74. تواجه البلدان الأقل نمواً فجوة كبيرة في الموارد المحلية للاستثمارات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية في القطاع الزراعي، بما في ذلك الهدف الموضوع لخفض عدد من يعانون من نقص التغذية بحلول عام 2015. ويقوم مفهوم الاستثمار من أجل زيادة القدرة الإنتاجية في الزراعة على توافر الإمكانيات المادية، وكذلك على نشر العلم والتكنولوجيا، وتنمية رأس المال البشري وبناء رأس المال الاجتماعي. ويعد خلق المناخ الذي يساعد على الاستثمار، من أجل رفع مستويات الإنتاجية وتحقيق التغيرات الهيكلية الضرورية، من التحديات التي تواجهها هذه البلدان في مجال السياسات.

    75. وفي كثير من البلدان الأقل نمواً، يأخذ الجانب الأكبر من الإنفاق العام على الزراعة شكل الإعانات، وبذلك لا يتبقى من التمويل العام إلاّ القليل مما يمكن إنفاقه على خلق أصول جديده، أو الصيانة أو أشكال الإنفاق الأخرى التي تساعد على تحقيق النمو. وتكون النتيجة أن الكثير من خدمات الدعم الزراعي لا يكاد يقوم بالدور المنشود، كما أن الطرق الريفية لا يكون من السهل السير فيها معظم أوقات السنة، وتصبح الآلات الزراعية عاجزة كما تصبح مشروعات الري معطلة.

    76. وكما اتضح فيما سبق (الفقرات 53-59)، أخذ الكثير من البلدان الأقل نمواً بسياسات تحرير الأسواق الزراعية، وخفض التشوهات السعرية، وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي. وعلى الرغم من أهمية هذه التدابير، فإنها لم تكن كافية على الدوام لإغراء الاستثمارات الضرورية التي تسمح بتحقيق زيادات مستدامة في الإنتاج. كذلك فإن تحسين حوافز الاستثمار يتطلب سياسات تساعد على تحسين النفاذ إلى الأسواق، وتضمن انتشار المعلومات، وتحدد المعايير وتوفر إطاراً مناسباً من القوانين والنظم. وعلى المستوى الأعم، هناك اتفاق في الرأي على ضرورة وجود استقرار سياسي ووجود إطار مؤسسي واضح المعالم ومُطبق. كذلك فمن الضروري وجود تكامل قوي بين الاستثمارات العامة والخاصة من أجل دعم النمو الزراعي، على أن تختص الحكومات بالاستثمار في القطاعات التي تحقق المصلحة العامة مثل البحوث، والإرشاد ومرافق البنية الأساسية - وبالتالي تشمل الطرق، والتعليم، ووضع المعايير والمستويات.

    77. وتشير توقعات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إجمالي الاستثمارات السنوية اللازمة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى حتى عام 2010 في قطاعات المنتجات الزراعية الأساسية، والتخزين والتصنيع (مع استبعاد مرافق البنية الأساسية والخدمات اللازمة في مرحلتي ما قبل الإنتاج وما بعده) يبلغ نحو 11.1 مليار دولار، وذلك في حالة "استمرار الأوضاع على ما هي عليه"13. بيد أنه لتحقيق الهدف الذي حدده مؤتمر القمة العالمي للأغذية، وهو خفض عدد من يعانون من نقص التغذية بمقدار النصف بحلول عام 2015، سيكون من اللازم توفير استثمارات إضافية تبلغ نحو 3.6 مليار دولار لضمان تحقيق الزيادة الضرورية في الإنتاج المحلي من الأغذية.

    78. كذلك، تعاني البلدان الأقل نمواً، ولاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، من نقص شديد في مرافق البنية الأساسية الريفية (مثل مرافق الري والطرق)، ومن اللازم إنفاق استثمارات ضخمة على مرافق البنية الأساسية للاتصالات، وتحسين طرق الري وتحديثها، وتحسين الاستفادة من مياه الأمطار عن طريق الطرق البسيطة والمُحسّنة لحصاد مياه الأمطار واستخدامها، وإدارة الأراضي وتحسينها، والتعليم والإرشاد والبحوث، وتوفير الخدمات الصحية. ويمكن تطبيق نتائج البحوث وأفضل الممارسات، التي لم تُجرّب حتى الآن على نطاق واسع، في المناطق التي تنطوي على إمكانيات كبيرة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وستظل الحاجة قائمة إلى البحوث من أجل تطوير النظم الزراعية التي يعمل في إطارها صغار المزارعين قليلي الموارد، الذين يشكلون غالبية سكان البلدان الأقل نمواً. ولابد أن تكون هذه النظم الزراعية الجديدة قابلة للاستمرار في المناطق التي ترتفع فيها الكثافة السكانية وأن تكون قادرة على تكثيف الإنتاج في الأراضي الحالية.

    79. وعلى الرغم من الاستثمارات الضخمة اللازمة، فإن ما يترتب عليها من إزالة للمعوقات أمر لا يستهان به أيضاً. وقد أظهرت التجارب القطرية أنه عندما تقترن الزيادة في الإنتاج بوصول الإصلاح أو التغيير إلى مستوى من الصعب تجاوزه، يكون من اللازم إجراء إصلاحات أخرى، أو سلسلة من الإصلاحات، لإطلاق الإمكانيات المكبوتة. فالنمو المستدام لا يكون ممكناً إلاّ بإدخال إصلاحات أخرى تؤدي إلى التخفيف من حدة المعوقات.

    80. ومن المرجح أن يكون القطاع الخاص هو مصدر الجانب الأكبر من الاستثمارات اللازمة، ولذلك فإن الاستثمارات الجديدة تعتمد بكل تأكيد على وجود مناخ يساعد على ذلك على المستويين القطري والدولي. وفي هذا الصدد، تعد الاستثمارات العامة من المقتضيات الأساسية التي لا غنى عنها - وهي تشمل أساساً البحوث ومرافق البنية الأساسية - كما أنها تعد من العوامل المساعدة والمكملة للاستثمارات الخاصة.

    باء - قضـايا الطــلب

    1- اتجاهات الاستهلاك

    81. يتفاوت الاستهلاك المحلي للمنتجات الزراعية (الاستهلاك البشري وغيره من الاستخدامات) في البلدان الأقل نمواً تفاوتاً كبيراً فيما يتعلق بالمنتجات الغذائية وغير الغذائية. فالمنتجات غير الغذائية، مثل المواد الخام والمشروبات الاستوائية، تُنتج أساساً من أجل التصدير. والجانب الضئيل الذي يدخل السوق المحلية يتجه أساساً نحو الصناعات الغذائية المحلية التي تقوم بدورها بتصدير الجانب الأكبر من إنتاجها. وعلى النقيض من ذلك، يعد الاستهلاك المحلي للمنتجات الغذائية كبيراً ويلتهم نسبة متزايدة من الإنتاج. وقد ارتفع استهلاك المواد الغذائية الأساسية في البلدان الأقل نمواً بمعدل 2.3 في المائة سنوياً في الفترة 1990-1997 (الجدول 1، بالملحق)، وكان هذا المعدل أدنى من معدل النمو السكاني الذي بلغ 2.6 في المائة سنوياً في نفس الفترة. وانخفض استهلاك الحبوب الذي يغطيه الإنتاج المحلي من 96 في المائة في 1970-1980 إلى 85 في المائة في 1990-1998.

    82. وبالنسبة لكثير من السلع، لم يستطع الإنتاج مواكبة الطلب، وربما لن يستطيع في المستقبل. وعلى سبيل المثال، ففي الستينات كانت البلدان الأقل نمواً مُصدرة صافية للأرز (2.4 مليون طن)، ولكنها أصبحت تستورد 3.5 مليون طن في منتصف التسعينات، وتشير التوقعات إلى أن هذا الرقم سيرتفع إلى أكثر من 7.5 مليون طن بحلول عام 2015. وبالمثل، ارتفع الواردات الصافية من القمح من 1.1 مليون طن في 1961-1963 إلى 6.1 مليون طن في 1995-1997، ومن المتوقع لها أن تصل إلى 15 مليون طن بحلول عام 2015. كذلك كشفت الكسافا والموز الإفريقي - وهما من أهم الأغذية الأساسية في البلدان الأقل نمواً في أفريقيا - عن حدوث واردات صافية في التسعينات.

    83. وقصارى القول أن اتجاهات الإنتاج والاستهلاك والتجارة توضح بكل جلاء زيادة اعتماد البلدان الأقل نمواً على الوردات في الحصول على الأغذية. وتشير توقعات المنظمة بالنسبة لعام 2015 أن هذا الاعتماد على الواردات سيشتد. وما لم يكن من الممكن ضمان الواردات التجارية المطلوبة، أو إذا لم تستطع المعونة الغذائية تعويض هذا العجز، فلا مفر من أن ينخفض نصيب الفرد من استهلاك الأغذية.

    2- العوامل المُحدِّدة والمعوقات

    84. هناك ثلاثة مُحددات للطلب هي: السكان، ونصيب الفرد من الدخل، ومرونة الطلب قياساً على الدخل. وبالنسبة للبلدان الأقل نمواً ككل، استقر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال العقدين الماضيين. وفيما بين 1989-1991 و 1995-1997، لم يرتفع نصيب الفرد إلاّ في 20 بلداً فقط من الـ40 بلداً الأقل نمواً التي توجد بشأنها بيانات قابلة للمقارنة. وهذا يدل على أن الزيادة في استهلاك الحبوب في معظم البلدان الأقل نمواً خلال الفترة 1990-1998 كانت أساساً بسبب النمو السكاني. وتعد معدلات النمو السكاني في معظم البلدان الأقل نمواً من بين أعلى المعدلات في العالم. وبالنسبة للبلدان الأقل نمواً ككل، ارتفع المـعدل من 2.5 في المـائة سنـوياً في 1980-1990 إلى 2.6 في المائة في 1990-1996، ومن المتوقع أن يظل مرتفعاً (2.3 في المائة) خلال الفترة 2000-2015. وهكذا يعد الأمن الغذائي لهذه البلدان مهدداً ما لم تتمكن من تحسين أداء الإنتاج و/أو زيادة قدرتها على استيراد الأغذية بشكل ملموس إلى ما يتجاوز المستويات التي كانت عليها في السنوات العشر الماضية.

    85. والقدرة على استيراد الأغذية يحددها توافر النقد الأجنبي، الذي تحدده، بدورة، حصيلة الصادرات (وهي أساساً من السلع في معظم البلدان الأقل نمواً) وتدفق الموارد الخارجية. وقد عانى الكثير من البلدان الأقل نمواً من جراء انخفاض أسعار صادراتها من السلع الأولية خلال 1990-1998. كذلك فإن عبء الديون الخارجية يحد من قدرة كثير من البلدان الأقل نمواً على الاستيراد، وقد تفاقم الموقف من جراء تباطؤ تدفق الموارد الخارجية.

    3- الأمن الغذائي

    86. والتفاعل بين الإمدادات الغذائية وعوامل الطلب هو الذي يحدد مستوى كفاية الأغذية. وأكثر المؤشرات انتشاراً واستخداماً في تقدير مستويات الكفاية هو نصيب الفرد من إمدادات الطاقة الغذائية، وهو المؤشر الذي يستخدم في قياس متوسط الأغذية المتاحة للفرد في أي بلد. وكما يتضح من الجدول 2 فيما يلي، ومن الجدول 8، بالملحق، يعد نصيب الفرد من إمدادات الطاقة الغذائية في البلدان الأقل نمواً، كمجموعة، شديد الانخفاض ولا يكاد يكون قد ارتفع منذ عام 1979. وبالنسبة لما يقرب من نصف البلدان الأقل نمواً الـ44 التي تتوافر بيانات بشأنها، يعد نصيب الفرد من إمدادات الطاقة الغذائية أدنى من 2100 كالوري / يوم. وهذا يتناقض مع التقدم الذي تحقق في البلدان النامية الأخرى وفي العالم ككل، حيث ظل إنتاج الأغذية يتجاوز النمو السكاني.

    وتشير تقديرات المنظمة إلى أن مؤشرات نقص التغذية المزمن14 تعد عالية في البلدان الأقل نمواً (الجـدول 9، بالملحق). ففيما بين 1969-1971 و 1996-1998، ارتفعت نسبة من يعانون من نقص التغذية من مجموع سكانها من 38 في المائة إلى 40 في المائة، بينما تشير التقديرات إلى أن العدد المطلق لمن يعانون من نقص التغذية ارتفع من 116 مليون إلى 235 مليون نسمة.

    جيم - الترابط فيما بين النمو الزراعي، والتنمية الريفية والتخفيف من حدة الفقر

    1- طبيعة الترابط

    88. لما كانت نسبة 70 في المائة من السكان الذين يعانون من الفقر الشديد وانعدام الإحساس بالأمن الغذائي يعيشون في المناطق الريفية، تعد التنمية الزراعية والريفية ذات دور أساسي في استئصال الفقر والافتقار إلى الأمن الغذائي. ولما كانت الزراعة هي النشاط الاقتصادي السائد في المناطق الريفية، يعتمد فقراء الريف اعتماداً شديداً عليها في دخلهم وغذائهم. ويعد هذا الاعتماد ملحوظاً في البلدان التي ينتشر فيها الإحساس بانعدام الأمن الغذائي، والتي غالباً ما يرتبط فيها انخفاض الدخل، بوجود عجز غذائي وارتفاع المديونية الخارجية. ومعظم هذه البلدان هي من البلدان الأقل نمواً.

    89. وتكشف التجارب والخبرات القطرية الخاصة بالنمو الاقتصادي والتخفيف من حدة الفقر عن: (1) أن التخفيف من حدة الفقر يرتبط ارتباطا إيجابياً بالتنمية الاقتصادية عموماً؛ (2) أن تأثير النمو الزراعي في البلدان النامية أقوى من تأثير النمو في القطاعات الأخرى؛ (3) أن التخفيف من حدة الفقر يكون أساساً من خلال سوق العمل، لاسيما عن طريق زيادة الأجور؛ (4) أن تأثيرها على التخفيف من حدة الفقر يتضاءل إذا كان هناك تفاوت متزايد في الدخل؛ (5) وأن النمو في الريف يقلل من حدة الفقر في كل من المناطق الحضرية والريفية على السواء.

    90. ومن الأمور التي تؤكد دور النمو الزراعي في التخفيف من حدة الفقر في البلدان الأقل نمواً أن الزراعة تعمل بها نسبة 75 في المائة تقريباً في المتوسط من مجموع القوى العاملة (أكثر من 80 في المائة في العديد من الحالات)، وأن النسبة المئوية من الفقراء في المناطق الريفية تعد، عموماً، أعلى بكثير مما هي في المناطق الحضرية (أنظر الجدول 10، بالملحق). وبالتالي، يمكن أن يؤدي النمو الزراعي إلى زيادة دخل الفقراء بشكل مباشر - عن طريق زيادة الطلب على الأيدي العاملة، وبشكل غير مباشر - عن طريق ارتباط المدخلات والمخرجات والإنفاق بالأنشطة الإنتاجية غير الزراعية في القطاع الريفي.

    91. ويمثل القطاع الريفي غير الزراعي حلقة الوصل بين الزراعة، والتنمية الريفية والتخفيف من حدة الفقر. وفي كثير من البلدان منخفضة الدخل، من المتوقع أن يرتبط القطاع الريفي غير الزراعي ارتباطاً وثيقاً بالزراعة في العديد من الأنشطة السابقة على الإنتاج واللاحقة له. فالدخل الذي يتحقق من المشاركة في هذه الأنشطة قد يمثل جانباً كبيراً من إجمالي الدخل الذي يحصل عليه سكان الريف. ويتضمن الجدول 11، بالملحق، بيانات الدخل غير الزراعي وتوزيعه (إن وُجد) بحسب (1) النسبة المئوية؛ (2) والمناطق، تبعاً لنوع الإنتاج الزراعي؛ (3) وأنواع المنتجات المزروعة. ويغطي هذا الجدول عدداً محدوداً من البلدان الأقل نمواً التي تتوافر بيانات بشأنها في أفريقيا وآسيا.

    92. وبالتالي، ينبغي اعتبار النشطة الريفية الزراعية وغير الزراعية مكملة لبعضها البعض من حيث تمويل الاستثمار في كلا القطاعين: فالمدخرات المستمدة من الأنشطة الزراعية تمثل رأس المال التأسيسي للأنشطة غير الزراعية. وفي نفس الوقت، فإن المدخرات المستمدة من الأنشطة غير الزراعية يمكن استخدامها في الحصول على مستلزمات الإنتاج الزراعي والأخذ بالأساليب التكنولوجية الزراعية المُحسّنة.

    2- هل يهم نوع النمو الزراعي ؟

    93. يتضح من نصيب الدخل غير الزراعي المنوه عنه في الفقرات السابقة، في حالة وجوده، أن شروط النمو الريفي والزراعي ليست متماثلة وأن الدخل غير الزراعي يعد عنصراً مهماً في معيشة الأسر الريفية. وبالتالي، فعند النظر في تأثير النمو الزراعي على الفقر والتنمية الريفية، ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار أيضاً تأثيره على الدخل غير الزراعي من خلال الترابط بين الإنتاج والدخل والإنفاق. والتعامل مع قضية النمو الزراعي والتخفيف من حدة الفقر في إطار التنمية الريفية بمزيد من العمومية يزيد من تعقيد عملية التحليل.

    94. ومن أمثلة ذلك النمو الزراعي الذي يتحقق بفضل زيادة الإنتاجية عن طريق الأخذ بالأساليب التكنولوجية القائمة على تكثيف رأس المال. ومثل هذا النمط من نمو الإنتاجية لا يؤدي إلى التخفيف من حدة الفقر لسببين هما: (1) أن المزارعين الفقراء لا يستطيعون الحصول على رأس المال اللازم الذي يمكنهم من الاستفادة من التكنولوجيات الجديدة (2) وأن النمو الزراعي لا يُترجم إلى زيادة في الطلب على الأيدي العاملة وبذلك لا يستفيد منه عمال الزراعة المعدمون في المناطق الريفية. وبالتالي، فإن النمو الزراعي لا يعود بفائدة مباشرة على الفقراء. ومن ناحية أخرى، فإن دراسة تأثير النمو الزراعي بشكل أكمل ينبغي أن تأخذ في الاعتبار تأثير القطاع الريفي غير الزراعي على مستويات الدخل والفقر في الريف. وبمزيد من التحديد، هل تقترن الزيادة في الإنتاج الزراعي بحدوث زيادة في الطلب على الخدمات التي تُقدم على المستوى المحلي (توفير مستلزمات الإنتاج، أو الخدمات أو تصنيع المنتجات والتوزيع) ؟ وهل يتم إنفاق الدخل الإضافي الذي يتأتى من زيادة النمو علي السلع المنتجة محلياً ؟

    95. وفي حالة وجود تفاوت شديد في توزيع الأصول الإنتاجية والأساليب التكنولوجية القائمة على تكثيف رأس المال، فمن المتوقع عدم حدوث تأثيرات غير مباشرة (عن طريق العلاقة بين الزراعة والقطاع غير الزراعي) ومن الأرجح أن الفقراء لن تعود عليهم منافع. فمن المرجح أن يتم "استيراد" مستلزمات الإنتاج الزراعي (إما من المناطق الحضرية أو من الخارج) ومن المرجح أيضاً أن تعتمد أنماط الاستهلاك السائدة لدى من يستفيدون من التوسع الزراعي على نسبة كبيرة من السلع عالية القيمة والسلع الفاخرة غير المنتجة محلياً. وهكذا، فمن المتوقع أن "يتسرب" تأثير الترابط بين مستلزمات الإنتاج والمنتجات والإنفاق إلى خارج المناطق الريفية.

    96. ومن ناحية أخرى، فإن المنافع المترتبة على النمو الزراعي القائم على تحسين إنتاجية الأيدي العاملة من المرجح أن تنتشر على نطاق واسع في المناطق الريفية. فمن الممكن أن يحصل المزارعون الفقراء على التكنولوجيات التي تساعد على زيادة إنتاجيتهم (والمكاسب المترتبة عليها)، بينما يستفيد العمال المعدمون من ارتفاع الأجور أو توافر فرص العمل. وسيكون الترابط بين مستلزمات الإنتاج والمنتجات والإنفاق في صالح القطاع الريفي، لأن العمال المعدمين وأصحاب الحيازات الصغيرة من المرجح أن يحصلوا على مستلزمات الإنتاج أو الخدمات وأن ينفقوا دخلهم الإضافي في المناطق الريفية، وبالتالي تزداد التأثيرات الثانوية للدخل عن طريق توسيع الأنشطة الريفية غير الزراعية وزيادة الطلب على الأيدي العاملة.

    97. ومن أشكال التمايز الأخرى بين أنماط النمو الزراعي ما يتصل بـ "الأغذية والسلع الأساسية". فالحقيقة المؤكدة هي أن معظم فقراء الريف يحصلون على دخلهم من إنتاج السلع الأساسية إمّا على شكل غذاء أو مستحقات أخرى (أي الدخل الناتج عن العمل في إنتاج السلع الأساسية أو من الأنشطة المتصلة بها)، وقد أدى ذلك إلى "الترويج" لإنتاج السلع الأساسية (من حيث البحوث التي تُجرى على طرق زيادة غلتها) ويحدث ذلك على حساب إنتاج المحاصيل النقدية أو المحاصيل التجارية. ويتضح، من سياق المناقشة السابقة، أن ارتباط إنتاج السلع الأساسية بالمجتمعات المحلية أقوى، وبالتالي يكون تأثيرها أقوى من السلع غير الأساسية من حيث التخفيف من حدة الفقر وتحسين الأمن الغذائي. وهذه هي حالة المناطق الريفية التي تكون قدرتها على الوصول إلى أسواق الأغذية أو غيرها من الأسواق محدودة (مثل أسواق المناطق الحضرية أو أسواق التصدير). وفي مثل هذه الأوضاع، تكون الروابط التي تخلقها الزيادة في إنتاج الأغذية الناجمة عن زيادة الإنتاجية قوية جداً، نظراُ لاختفاء الآثار الناتجة عن "التسرب".

    98. وعلى الرغم من ذلك، لا يمن إطلاق تعميمات في صالح أو ضد إنتاج السلع الأساسية، فليس هناك من القرائن ما يدل على أن التحول إلى المحاصيل النقدية (أو التجارية) اقترن بحدوث زيادة في نسبة الفقر. فالمحاصيل النقدية يمكن أن تحقق الكثير من حيث زيادة الدخل وزيادة فرص تنويعه. وفي حالة ارتفاع نسبة المخاطر المرتبطة بالاعتماد على السوق في الحصول على الغذاء والدخل، من المتوقع أن تعمل الأسر الزراعية على تنويع مواردها من المَصدرين. ومن المقتضيات الرئيسية لزيادة فرص تنويع الدخل فتح قنوات توريد مستلزمات الإنتاج وتسويق المنتجات ووجود أسواق مالية تؤدي دورها على نحو جيد في المناطق الريفية.

    99. وقصارى القول، يعد دور التنمية الزراعية في التنمية الاقتصادية، عموماً، وفي التخفيف من حدة الفقر وانعدام الأمن الغذائي في البلدان الأقل نمواً دوراً عظيم الأهمية. ومن بين التدابير التي تحقق هذه الغاية: زيادة الإنتاجية الزراعية، وتشجيع المصادر الأخرى للتنمية الريفية، وخصوصاً عن طريق مرافق البنية الأساسية الريفية؛ وتحسين القدرات البشرية في المناطق الريفية من خلال توفير الخدمات الصحية والتعليمية وتمكين أهالي الريف من الحصول على الموارد الإنتاجية مع التركيز على المساواة بين الجنسين؛ وصيانة الظروف البيئية الطبيعية من أجل إعالة الأجيال الحالية والتالية.


    1 على سبيل المثال، تشير الأرقام الحديثة التي نشرها البنك الدولي إلى أن نسبة الفقراء في أفريقيا جنوب الصجراء الكبرى، التي تضم غالبية البلدان الأقل نمواً (34 بلداً) ارتفعت من 38.5 في المائة في أواخر الثمانينات إلى 39.1 في المائة في منتصف التسعينات. المصدر: World Bank, Entering the 21st Century: World Development Report 1999/2000, (New York: Oxford University Press for the World Bank, 2000), p. 25).


    2 أنظر: FAO (2000), Agriculture: Towards 2015/30, Technical Interim Report.


    3


    4 مؤشر الأراضي التي يمكن أن تكون صالحة للزراعة، كما يشار إليها هنا، هو مؤشر تقريبي: فهي تشمل الأراضي التي تغطيها حالياً الغابات أو المستنقعات وتكون محمية وغير متاحة للإنتاج الزراعي، ولا تشمل الأراضي اللازمة للمستوطنات البشرية. وبالتالي، فإن إمكانيات الأراضي المبينة في الحدول 2، بالمحلق، من المحتمل أن يكون مبالغاً فيها، ومع ذلك فهي تعد مؤشراً جيداً على الإمكانيات النسبية لمختلف البلدان.


    5 رغم أن مقارنة الغلة ينبغي أن تكون في ظروف إيكولوجية زراعية متماثلة، فإن المقارنة بين المتوسطات تعطي فكرة جيدة عن الإمكانيات


    6 أنظر: IFPRI, "Is there hope for food plenty in Africa?", News & Views: A 2020 Vision for Food and the Environment, October 1996.


    7 أنظر: FAO, Rome (1995), The National Agricultural Research Systems of West and Central Africa.


    8 أنظر: See UNDP, Human Development Report 2000 (New York : Oxford University Press for UNDP), 2000.


    9 أنظر: Collomb, P. (1999): Une voie étroite pour la sécurité alimentaire d'ici à 2050. FAO, Rome, and Economica, Paris.


    10 أنظر: D. Topouzis and J. du Guerny, Sustainable agricultural/rural development and vulnerability to the AIDS epidemic, FAO/UNAIDS joint publication, 1999.


    11 أنظر: Dorward A. and Morrison J. (2000), "The Agricultural Development Experience of the Past 30 Years: Lessons for LDCs", background paper prepared for FAO.


    12 أنظر لجنة الأمن الغذائي العالمي، الاستثمار في الزراعة من أجل تحقيق الأمن الغذائي: الحالة الراهنة، والمتطلبات الواجب توفيرها من أجل تحقيق أهداف مؤتمر القمة العالمي للأغذية، الوثيقة CFS: 99/Inf.7، يونيو/حزيران 1999.


    13 أنظر: Mellor J. (2000), "Agricultural Development: So many Successes, Such Excellent Results", background paper prepared for FAO.


    14 تشير عبارة "الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية" في سياق مؤتمر القمة العالمي للأغذية الذي عقد في عام 1996، إلى الأشخاص الذي يعد مستوى استهلاكهم للغذاء غير كاف من حيث السعرات التي يتسهلكونها مقارنة باحتياجاتهم على أساس مستمر. CFS: 99/Inf.7, June 1999.


     


    Previous PageTop Of PageNext Page