حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم 2004

الصفحة السابقةبيان المحتوياتالصفحة التالية

نقص الاغذية في مختلف انحاء العالم

تعداد الجوعى: آخر التقديرات

تقدر منظمة الاغذية والزراعة عدد ناقصي الأغذية في العالم بحدود 852 مليين نسمة في الفترة2000-2002. ويشمل هذا الرقم 815 مليون نسمة في البلدان النامية و 28 مليونا" في البلدان التي تمر بمرحلة تحول و 9 ملايين في البلدان الصناعية.

وقد انخفض عدد ناقصي الأغذية في البلدان النامية بحدود 9 ملايين نسمة فقط في العقد التالي للفترة المرجعية 1990-1992 التى اعتمدها مؤتمر الفمة العالمي للأغذية. وفى النصف الثاني من العقد، ازداد عدد من يعانون الجوع المزمن فى البلدان النامية بمعدل 4 ملايين في السنة تقريبا، مما قضى على ثلثي الانخفاض البالغ 27 مليون نسمة في السنوات الخمس السابقة. وكانت التغيرات في الصين والهند سببا أساسيا لانعكاس الاتجاه خلال النصف الثاني من العقد. فقد حقفت الصين تقدما ملحوظا في النصف الأول من العقد حيث استطاعت أن تخفض عدد ناقصي الأغذية بنحو 50 مليون نسمة. وفي الفترة ذاتها، خفضت الهند عدد ناقصي الأغذية بحدود 13 مليونا". وقد انعكس ذلك بدوره على المجموع العالمى، مع أن عدد ناقصي الأغذية فى سائر العالم النامي ارتفع بحدود 34 مليون نسمة. لكن في النصف الثاني من العقد، تباطأ التقدم في الصين حيث اقتصر انخفاض عدد ناقصي الأغذية على 4 ملايين نسمة فط حين ازداد عددهم في الهند بنحو 18مليونا.

ومع ذلك، لا تبدو الصورة قاتمة كليا". فكما أن المكاسب التي تحققت في الصين والهند عوضت عن التردي فى أماكن أخرى خلال النصف الأول من العفد، كذلك فإن التباطؤ الذي شهده عملاقا آسيا أخفى تحسنات ملحوظة في الاتجاهات في سائر مناطق العالم النامى. فبعدما تسارعت وتيرة ازدياد عدد ناقصي الأغذية بحدود 7 ملايين في السنة، بقي عددهم على حاله في النصف الثانى من العقد في البلدان النامية، في ما خلا الصين والهند. وانخفضت نسبة ناقصي الأغذية من 20 في المائة إلى 18 في المائة.

ولعل أكثر العوامل المشجعة تسجيل أكبر تغير في الاتجاهات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ففي الفترتين 1995-1997و2000-2002،تباطأت وتيرة الزيادة في عدد ناقصي الأغذية من 5 ملايين فى السنة إلى مليون في السنة. وانخفضت نسبة ناقصي الأغذية في الإقليم من 36 في المائة إلى 33 في المائة بعدما راوحت مكانها منذ الفترة 1990-1992.

التكلفة البشرية للجوع:

ملايين البشر فريسة للعجز والوفاة

الجوع وسوء التغذية لهما تكاليف باهظة يتحملها الأفراد والعائلات والمجتمعات والأمم. فنقص الأغذية ونقص الفيتامينات والمعادن الضرورية يطيحان بحياة أكثر من خمسة ملايين طفل كل سنة، ويكلفان العائلات في العالم النامي أكثر من 230 مليون سنة من الحياة المنتجة لأفراد الأسرة الذين تتناقص اعمارهم او يتأثرون بسبب العجز الراجع إلى سوء التغذية، كما أنهما يكلفان البلدان النامية مليارات من الدولارات بسبب فقد الإنتاجية ونقص الاستهلاك.

دورة الحرمان المفرغة

في كل سنة يولد أكثرمن 20 مليون من ناقصي الوزن في العالم النامي. وفي بعض البلدان، ومنها الهند وبنغلاديش، يولد أكثر من 30 في المائة من المواليد وهم ناقصو الوزن.

ومنذ لحظة الميلاد تكون جميع الاحتمالات في غير مصلحة هؤلاء المواليد. فهم يواجهون مخاطر متزايدة من الموت أثناء فترة الطفولة، أو توقف النمو البدنى والمعرفى أثناء فترة الصبا، وانخفاض القدرة على العمل والكسب عند الكبر، كما ان الإناث يواجهن احتمال ولادة أطفال ناقصي الوزن(أنظرالرسم التخطيطى).

وبالمقارنة مع المواليد العاديين يكون خطر الوفاة اكبر بمقدار اربعة امثال في حالة المواليد الذين يقل وزنهم عن 2.5 كيلوغرام عند الولادة وبمقدار ثمانية عشر مثلا في حالة المواليد الذين يقل وزنهم عن 2 كيلوغرام. كذلك يعانى الأطفال ناقصو الوزن من معدلات كبيرة من سوء التغذية وتوقف النمو في مراحل تالية من الطفولة والبلوغ. وقد ثبت من دراسة في غواتيمالا أن الصبيان ناقصي الوزن عندما يصلون إلى مرحلة البلوغ يصبحون أقصر بمقدار 6.3 سنتيمتر واقل وزنا" بمقدار 3.8 كيلوغرام عن الأطفال العاديين، في حين تكون النسب في الفتيات 3.8 سنتيمتر في الطول و5,6. كيلوغرام في الوزن.

ويعاني نحو ثلث أطفال العالم النامي من توقف النمو، إذ تكون أطوالهم أقصر بكثير من المستور المعتاد لأعمارهم مما يدل على نقص التغذية المزمن. وتوقف النمو، مثل نقص الون عند الولادة يرتبط بانتشار الأمراض وحالات الوفاة ونقص القدرة المعرفية، والمواظبة على الدراسة أثناء الطفولة، إلى جانب نقص الإنتاجية وانخفاض المقدرة على الكسب بين البالغين.

وعندما يحدث توقف النمو في السنوات الخمس الأولى من العمر يكون الضرر الذي يصيب النمو البدني والمعرفي ضررا" لا علاج له فى العادة (أنظر الرسم البياني). وتكاليف ذلك يتحملها هؤلاء الأطفال من حيث ضعف الصحة والفرص الضائعة في جميع مراحل حياتهم، بل إنها تمتد أيضا" إلى الجيل التالي، فالأمهات ناقصات التغذية مثلا، لا يلدن إلا أطفالا" ناقصي الوزن. وتوقف النمو لدى الأمهات واحد من أقوى المؤشرات على أن الأطفال سيولدون ناقصي الوزن، هذا إلى جانب فقدان وزن الأم وتباطؤ ارتفاعه أثناء الحمل.

وكثيرا" ما يتداخل نقص الأغذية وحالات توقف النمو مع نقص الفيتامينات والمعادن الذي يصيب نحو 2مليارطفل في العالم. وحتى إذا كان النقص فى هذه المغذيات الدقيقة نقصا" بسيطا"، فإنه يرفع بدرجة كبيرة من احتمال الوفاة والإصابة بأمراض شديدة كما أن هذه الأسباب يمكن أن تؤدي إلى نقص معرفي دائم بين الأطفال، وإلى نقص الإنتاجية بين البالغين. فمثلا يرتبط نقص الحديد بزيادة وفيات الأمهات عند الولادة وبضعف النمو الحركي والمعرفي بين الأطفال ونقص الإنتاجية بين البالغين. ويصيب نقص الحديد نحو 7. 1 مليار شخص في العالم، نصفهم يعانون فقر الدم الراجع إلى نقص الحديد.

نقص التغذية ووفيات الأطفال

أكثر من ثلاثة أرباع وفيات الأطفال يرجع إلى اضطرابات صحية عند الولادة وإلى مجموعة من الأمراض المعدية التي يمكن علاجها، ومنها الإسهال والالتهاب الرئوي والملاريا والحصبة. كما أن أكثر من نصف هذه الوفيات يمكن إرجاعه إلى شدة ضعف الأطفال الذين يعانون نقصا في الأغذية والوزن (أنظر الرسم البياني).

كذلك فإن نقص المغذيات الدقيقة يرفع من خطر وفيات الأطفال. فمثلا" يؤدي نقص فيتامين "ألف " إلى زيادة خطر الوفاة بسبب الاسهال والحصبة والملاريا، بنسبة تتراوح بين 20 و40 في المائة.

وعموما، تفيد تقديرات منظمة الصحة العالمية بأن أكثر من 3.7 مليون حالة وفاة عام 2000 يمكن إرجاعها إلى نقص الوزن وكانت حالات النقص في ثلاثة من المغذيات الدقيقة الرئيسية، وهي الحديد وفيتامين "ألف"والزنك،سببا" لنحو 750000 إلى 850000 حالة وفاة إضافية.

وتبين من دراسة اتجاهات سوء التغذية وفيات الأطفال في 59 بلدا" ناميا" بين عامي 966 1 و 1996 ان تقليل مستويات انخفاض الوزن له تأثير كبير على تفليل وفيات الأطفال، بصرف النظر عن التغيرات في سائر العوامل الاجتماعية والاقتصادية أو في السياسات. وكان تخفيض مستويات نقص الوزن بنسبة 60 في المائة سببا" في انخفاض بنسبة 16 في المائة في وفيات الأطفال في أمريكا اللاتينية وبنسبة 27 في المائة في كل من آسيا والشرق الأدنى وشمال أفريقيا. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ساعدت عمليات التحصين، واستعمال المضادات الحيوية وغير ذلك من تحسينات الرعاية الصحية، على تقليل وفيات الأطقال رغم زيادة مستويات نقص الوزن. ولكن إذا كان نقص الوزن أمكن تخفيضه في افريقيا جنوب الصحراء الكبرى بالمعدلات التي سجلت في الأقاليم الأخرى، فإن وفيات الأطفال كان يمكن أن تنخفض بسرعة أكبر بكثير، أي بنسبة 60 في المائة بدلا" من 39 في المائة. وبالنسبة للمستقبل تفيد الدراسة بأن تخفيض مدى انتشارنقص الوزن بنسبة 5 نقاط مئوية يمكن ان يقلل من وفيات الأطفال بنحو 30 في المائة. وانتهت دراسة حديثة أخرى إلى أن التدخلات المتاحة اليوم، والتي يمكن تنفيذها على نطاق واسع في البلدان النامية، من شأنها أن تخفض وفيات الأطفال بنحو الثلثين. وفي الاثنين والأربعين بلدا" التي تمنى بأكثر من 95 في المائة من وفيات الأطفال، يمكن تقليل معدل وفيات الأطفال وذلك بفضل عدد قليل من التدخلات التغذوية الزهيدة والفعالة، ومنها الرضاعة الطبيعية بنسبة 25 في المائة وإنقاذ حياة نحو 2.4 مليون طفل كل سنة، ، والتغذية التكميلية، والاستكمال بفيتامين "أ لف " والزنك.

سنوات العمر المعدلة طبقا للعجز

الأشخاص الذين يستمرون فى الحياة بعد معاناة سوء التغذية فى فترة الطفولة غالبا" ما يواجهون معوقات بدنية ومعرفية طوال حياتهم. وكان من بين التدابير التي استخدمت لتقديرالأثرالكمي لتأثيرسوء التغذية على ضعف الصحة وعلى زيادة الوفيات هو ما يسمى سنوات العمر المعدلة طبقا للعجز- أي مجموع السنوات المفقودة نتيجة لكل من الوفاة المبكرة وحالات العجز، مع تعديل هذا العدد من السنوات طبقا لشدة الإصابة.

وقد حسبت دراسة عن العبء العالمى للأمراض، مشتركة بين منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، سنوات العمر المعدلة طبقا للعجز الراجع إلى عدد كبير من الأمراض والحالات، وقدرت النسبة التي يمكن أن تعزى إلى مختلف عوامل المرض، بما في ذلك سوء تغذية الأطفال والأمهات. ويرى آخر تقرير في هذا الصدد أن نقص الوزن هو أهم عامل منفرد من عوامل الخطر لسنوات العمر المعدلة طبقا للعجز في العالم بأكمله (أنظر الرسم البياني )وكذلك للوفيات ولسنوات العمر المعدلة في "البلدان النامية التي ترتفع فيها الوفيات "، وهي مجموعة تضم نحو 70 بلدا" يبلغ مجموع سكانها أكثر من 2.3 مليار نسمة.

وبصفة عامة، فإن من بين عشرة عوامل خطررئيسية في سنوات العمرالمعدلة طبقا للعجز، ترجع ستة عوامل إلى الجوع وسوء التغذية، بما فى ذلك نقص الوزن، ونقص الزنك (العامل الخامس) والحديد (العامل السادس) وفيتامين "ألف " (العامل السابع)، وعدم سلامة مياه الشرب والإصحاح والصحة العامة (العامل الثالث)، وهذه تساهم في سوء التغذية لأنها تسبب التهابات تمنع الهضم وامتصاص المغذيات (أنظر الرسم البياني)

وهناك نحو 50 في المائة من سنوات العمر المعدلة طبقا للعجز تسببها أمراض الإسهال والالتهاب الرئوي والملاريا فى البلدان النامية ذات الوفيات المرتفعة ويمكن إرجاعها إلى نقص الوزن. وعندما يضاف إلى ذلك نفص المغذيات الدقيقة ترتفع نسبة سنوات العمر المعدلة الناتجة عن أمراض سوء التغذية إلى ما بين 60و80 في المائة (أنظر الرسم البياني).

وكما هو متوقع، فإن نقص الوزن ونقص المغذيات الدقيقة هما عاملا خطرأقل ترتيبا في قائمة أسباب الوفاة والعجز في البلدان النامية الأكثر تقدما" التى ينخفض فيها معدل الوفيات. ولكن الحالات المرتبطة بالتغذية لاتزال تسيطر على قائمة عوامل الخطر. ففي البلدان النامية ذات الوفيات المنخفضة، وهي مجموعة تضم الصين وعدة بلدان أخرى في آسيا ومعظم أمريكا الجنوبية، لا يزال نقص الوزن ونقص الحديد من بين عوامل الخطر العشرة الرئيسية. وينضم إلى هذه العوامل الوزن المفرط وعدد من الأخطار الأخرى المرتبطة بالتغذية التي تساهم في أمراض مزمنة غير معدية مثل أمراض شرايين القلب التاجية وارتفاع ضغط الدم والسكر.

وهذه الأمراض المزمنة لا ترتبط في العادة بالجوع ولكن بفرط التغذية. وهناك أدلة متزايدة على أن انخفاض الوزن عند الميلاد ونقص التغذية في مرحلة مبكرة من الحياة يرفعان خطر حدوث السمنة والأمراض المتعلقة بالتغذية في مرحلة البلوغ (أنظر أيضا" الصفحة 04). والمقدر أن نحو 30 في المائة من مرضى السكر ونحو 10 في المائة من كل من إصابات القلب وأمراض الشرايين التاجية في الصين سببها نفص التغذية أثناء الطفولة (أنطر الرسم البياني).

وبصفة عامة، فإن نقص تغذية الأطفال والأمهات، مع استبعاد مساهمته في الأمراض المزمنة بين البالغين، يكلف البلدان النامية اكثرمن 220مليون سنة معدلة بحساب عامل العجز. وعند إدخال عوامل خطر أخرى متصلة بالتغذية ترتفع الخسارة إلى نحو 340 مليون من سنوات العمر المعدلة، أي نصف مجموع تلك السنوات فى العالم النامى.

وهذا المجموع يعني خسارة في الإنتاج تعادل كارثة تودي بحياة سكان بلد اكبر من الولايات المتحدة الأمريكية أو تؤدي إلى إصابتهم بالعجز. كما أن هذا المجموع يبرر المعاناة التي لا حدود لها والتي تسببها كارثة الجوع في العالم لملايين الأسر، وهو يمثل العبء الاقتصادي الساحق الذي تتحمله البلدان في مختلف أنحاء العالم النامي .

 

التكاليف الاقتصادية للجوع:

خسائر بالمليارات في الإنتاجية والكسب والاستهلاك

عند النظر إلى الملايين من حالات الوفاة بعد عمر قصير أو حالات الإعاقة لا يساورنا الشك في أن الجوع أمر غير مقبول أخلاقيا". وعند حساب قيمة ففدان الإنتاجية بالدولار يتبين أن استمرار الجوع أمر لا يمكن أن نتحمل تكاليفه، لا للضحايا أنفسهم فحسب بل أيضا" للتنمية الاقتصادية ولرخاء الأمم التي يعيشون فيها.

وتظهر تكاليف الجوع التي يتحملها المجتمع بأشكال متميزة عديدة ولعل أوضحها هى التكاليف المباشرة لمعالجة الأضرار التي تنشأ عن الجوع. وهذه التكاليف تشمل التكاليف الطبية لمعالجة حالات الحمل والولادة التي تثير مشاكل لدى الأمهات اللاتي يعانين فقر الدم ونقص الوزن، إلى جانب الأمراض الشديدة والمتكررة التي تصيب الأطقال وتتهدد حياتهم بسبب الملاريا والالتهاب الرئوي والإسهال أو الحصبة، لأن أجسامهم وأجهزتهم المناعية ضعيفة من أثر الجوع.

وهناك تقديرمبدئى جدا" لمعرفة التكاليف الطبية في البلدان النامية استنادا" إلى نسبة سنوات العمر المعدلة طبفا" للعجز والتي ترجع إلى نقص التغذية بين الأطفال والأمهات، وهذا التقديريوحى بأن تلك التكاليف

المباشرة تصل إلى نحو 35 مليار دولار فى السنة- أي خمسة أمثال المبلغ المخصص حتى الآن للصندوق العالمي لمكافحة مرض الإيدز ومكافحة السل والملاريا.

وهذه التكاليف المباشرة تصبح هينة إلى جانب التكاليف غير المباشرة التي تظهر في فقدان الإنتاجية والدخل بسبب الوفاة المبكرة أو العجز، أو التغيب عن العمل، أو قلة الفرص التعليمية والمهنية. وتوحي التقديرات المؤقتة بأن هذه التكاليف غير المباشرة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات

والتكاليف المباشرة وغير المباشرة هي ثمن التراخي، والسماح باستمرار الجوع المنتشر على نطاق واسع. وهذان العاملان غير مقبولين إلى درجة كبيرة لا من حيث الأرقام المطلقة فحسب ولكن عند المقارنة مع تقديرات نوع ثالث من التكاليف- وهي تكاليف التدخلات التي يمكن عملها للوقاية من الجوع وسوء التغذية والعمل على استئصالهما. وانتهت دراسات كثيرة إلى أن كل دولار يستثمر في تدخلات هادفة بشكل جيد من أجل تقليل نقص الأغذية ونقص المغذيات الدقيقة يمكن أن يدر من خمسة أمثال إلى أكثر من 20 مثلا من المنافع.

التكاليف الدائمة للجوع أثناء الطفولة

تستند تقديرات التكاليف غير المباشرة للجوع بصفة عامة على الدراسات التي قاست تأثير اشكال معينة من سوء التغذية على النمو البدني والعقلي وعلاقته بانخفاض الإنتاجية والكسب (أنطر الرسم البيانى). فمثلا" أثبتت هذه الدراسات ما يلي:

وعند جمع هذه الاستنتاجات مع البيانات المتاحة عن انتشار مختلف أشكال سوء التغذية للسكان يصبح من الممكن وضع تقديرات مؤقتة لتكاليف الجوع على المستويين القطري والعالمي.

ويتبين من استعراض دقيق للدلائل المتوافرة مثلا" أن تحويل مولود ناقص الوزن

إلى حالة لا يكون فيها ناقص الوزن يمكن ان يدر نحو 1000 دولار من المنافع طوال العمر (أنظر الرسم البياني). ولما كان هناك نحو 20 مليون من الأطفال يولدون ناقصي الوزن كل سنة في البلدان النامية، فإن تكاليف ترك الأمور كما هي لمدة سنة أخرى تصل إلى نحو 20 مليار دولار.

وهذه المنافع تشمل تقديرات الانخفاض الذي سيحدث في التكاليف المباشرة لرعاية حديثي الولادة والأمراض والحالات المزمنة، وفى التكاليف غير المباشرة التى تظهر فى فقدان الانتاجية بسبب قصر العمر في الحياة العملية وضعف النمو البدني والمعرفي. ولما كانت هذه المنافع تقدر بالقيمة الجارية لزيادة الإنتاجية طوا ل العمر، فلا بد من وضع قيمة اخرى مسقطة لمراعاة عامل التضخم

ومراعاة احتمال وفاة بعض الناس أو عدم استمرارهم في العمل طوال المدة العادية لسنوات العمل.

تقدير الخسائر طوال العمر

وضعت أكاديمية النهوض بالتعليم منهجية وبرنامجا" كمبيوتريا للتوصل إلى تقدير كمي لكل من تكاليف أشكال سوء التغذية والمنافع الناجمة عن الحد منه أو استئصاله. أما حسابات منظمة الأغذية والزراعة التي تستند إلى البيانات المقدمة من الأكاديمية المذكورة فتبين أن القيمة المسقطة الحالية لترك المستويات الجارية من نقص اليود وسوء التغذية الناجم عن نقص الطاقة المستمدة من البروتين لمدة 10 سنوات أخرى قد تصل إلى 15 فى المائة من إجمالي الناتج المحلي في سنة ما (أنظر الرسم البياني التالي والمذكرة الفنية المتصلة بذلك على صفحة 08). وهناك دراسة أخرى توصلت إلى تقدير التكاليف طويلة الأجل التى يجب تحملها كل سنة إذا استمر نقص الحديد على ما هو عليه بالمستويات الجارية في مجموعة مختلفة مكونة من عشرة بلدان. وتراوحت القيمة المسقطة الحالية لتكاليف ففر الدم المرتبط بنقص الحديد ما بين 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في هندوراس إلى 8 فى المائة في بنغلاديش (أنظر الرسم البياني ). وفي بلد كبير مثل الهند، كان ناتجه المحلي الإجمالى عام 2002هو 500 مليار دولار، تجاوزت القيمة المسقطة الحالية لتكاليف نقص الحديد أكثر من 30 مليار دولار.

وتمثل هذه الأرقام القيم الحالية المسقطة للتكاليف المقيوضة على فترة العمر الكامل بسبب نوع معين من سوء التغذية. وإذا كانت التقديرات تفيد بأن تكاليف فقرالدم في بنغلاديش تعادل 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالى مثلا"، فهذا لا يعني أن فقر الدم يؤدي إلى انخفاض الانتاج بنسبة 8 في المائة كل سنة، بل يعني أن كل سنة تمر بدون تغيرفي حالة المرض تصل فيها القيمة الحالية للتكاليف، بعد توزيعها على طول حياة الجيل الذي يبلغ عمره خمس سنوات في الوقت الحاضر، إلى 8 فى المائة من إجمالي الناتج المحلي السنوى.

ولكن هذه التقديرات كلها لا تعتبركشف حساب كامل عن تكاليف الجوع. فكل هذه الحسابات تشوبها أوجه القصور التالية:

ومع ذلك فإن هذه التقديرات الجزئية والمؤقتة توضح تماما" أن تكاليف الجوع مرتفعة جدا. ومثال ذلك الحد الأدنى لنطاق تقدير فقدان الإنتاجية والدخل بسبب سوء التغذية لكل فرد. ثم نرجح الرقم الناتج لاحتمال وجود تداخل كبير بين الأرقام. وحتى مع هذه الافتراضات المتحفظة، فإن القيمة الحالية المسقطة لتكاليف نفص الوزن عند الولادة وسوء التغذية الناجم عن نقص الطاقة المستمدة من البروتين ونقص المغذيات الدقيقة تصل إلى ما بين 5 و. 1 فى المائة على الأقل من إجمالي الناتج المحلي في البلدان النامية- أى نحو 500 مليار دولار إلى تريليون دولار.

والخسائر بهذا القدر تمثل، كما هو واضح، نزيفا" كبيرا للجهود الإنمائية القطرية. وتفيد تقديرات الأكاديمية على المستوى القطري بأن هذه التكاليف هائلة بالنسبة إلى تكاليف

العمل على تقليل سوء التغذية أواستئصاله. ففي البلدان الخمسة والعشرين التي توافرت عنها بيانات الأكاديمية، تجاوزت منافع التدخلات لتفليل حالات سوء التغذية الناجم عن نقص الطاقة المستمدة من البروتين قيمة التكاليف بمعامل 7.7 إلى 1 في المتوسط. أما أعمال تقليل نقص الحديد واليود فإن منافعها كانت في المتوسط 8. 9 و 7. 22 مرة على التوالي فوق التكاليف (أنظر الرسم البياني).

تكاليف عدم بلوغ هدف مؤتمر القمة العالمي للأغذية

عند تناول تكاليف الجوع من زاوية أخرى، أجرت منظمة الأغذية والزراعة دراسة اقتصادية كلية لتقديرمنافع تقليل نقص الأغذية بما يكفي لبلوغ هدف مؤتمر القمة العالمي للأغذية. وقدرت الدراسة قيمة زيادة الإنتاج التي ستنشأ بسبب تخقيض عدد ناقصي الأغذية في البلدان النامية إلى نحو 400 مليون شخص عام 2015، بدلا" من 600 مليون التي كانت مسقطة في النموذج القياسي الذي وضعته المنظمة عند غياب أعمال منسقة لتخفيض معدلات الجوع.

واستنادا" إلى مجرد ارتفاع العمر المرتقب بسبب ارتفاع مستويات الأغذية وتوافرها بالقدرالذي يضمن بلوغ هدف المؤتمر، فإن

مجموع القيمة المسفطة حتى سنة 2015 يقدر بنحو 3 تريليون دولار، مما يعني أن المنافع المتوقعة من تلك السنوات تصل إلى 120 مليار دولار في السنة.

ومن شبه المؤكد أن هذا الحساب أيضا يهون من التكاليف الحقيقية للجوع. ولكنه يبين، شأنه شأن تقديرات الأكاديمية، أن تكاليف ترك الجوع يتفشى تعتبر عالية جدا وتفوق بكثير تكاليف العمل على استئصاله. وقد قذرت دراسة المنظمة أن زيادة الاستثمارات الحكومية السنوية بمقدار 24 مليار دولار فقط تجعل من الممكن بلوغ هدف المؤتمر وحصد 120 مليار دولار من المنافع كل عام.

قياس الجوع: تقديرات أفضل لإجراءات أكثر تأثيرا

تعد تقديرات منظمة الأغذية والزراعة لعدد ناقصي الأغذية في العالم أكثر التقديرات المعمول بها والمقتبسة على نطاق واسع من تفريرحالة انعدام الأمن الغذائي في العالم. وتعتمد التفارير الجديدة بصيرة مستمرة على آخر الأرقام باعتبارها مقياسا" للتقدم نحو بلوغ الأهداف التي رسمها مؤتمر القمة العالمي للأغذية والأهداف الإنمائية للألفية، أي تخفيض عدد الجوعى بمقدار النصف بحلول عام 2015.

ونظرا لما تحظى به هذه التقديرات السنوية من اهتمام، فليس من الغريب أن تكون المنهجية التي اتبعت في حسابها موضع تدقيق ومناقشة كبيرة وقد أشار الخبراء من داخل منظمة الأغذية والزراعة ومن خارجها إلى حدود البيانات التي تقوم عليها هذه التقديرات إلى أسلوب المنظمة في تحليلها.

وفي عام 2002،استضافت المنظمة ندوة علمية دولية لاستعراض مختلف مناهج قياس الحرمان من الأغذية وقياس نقص التغذية والتعرف على طرق تحسين تقديرات المنظمة. ومنذ ذلك الوقت عملت المنظمة على تحسين هذه المنهجية ذاتها، واعتماد منهجيات تكميلية بديلة أخرى.

قياس الحرمان من الأغذية

تقوم تقديرات المنظمة في الأساس على قياس الحرمان من الأغذية استنادا" إلى حساب ثلاثة متغيرات رئيسية فى كل بلد. متوسط كمية الأغذية المتاحة لكل فرد، مستوى الاختلال في الحصول على تلك الأغذية والعدد الأدنى من السعرات اللازمة للفرد العادي.

وتأتي أرقام متوسط الأغذية المتوافرة من "الموازين الغذائية" التي تجمعها منظمة الأغذية والزراعة كل سنة، وذلك بجمع مقدار السلع الغذائية التي ينتجها البلد والتي يست!ردها وما يسحبه من مخوناتها، وطرح الكميات التي يصدرها أو الكميات المفقودة

أو المستخدمة كأعلاف او فى أي استخدامات غير غذائية أخرى، وقسمة المعادل السعري لجميع الأغذية المتوافرة للاستهلاك البشري على مجموع عدد السكان للتوصل إلى رقم المتحصل الغذائي اليومي في المتوسط أي إمدادات الطاقة الغذائية.

وتستخدم بيانات مسح الأسرة لاشتقاق "معامل التباين " الذي يدل على درجة الاختلال في الحصول على الأغذية. وبالمثل، لما كانت الاحتياجات من السعرات لدى الشخص البالغ كبيرة وتصل تفريبا" إلى ضعف احتياجات طفل في عمر ثلاث سنوات فإن الاحتياجات الدنيا للشخص في كل بلد تراعي مزيج العمر والجنس والحجم البدنى فى هذا البلد. وتقدم المنظمة تقريرا" عن نسبة السكان الذين يقل استهلاكهم الغذائي اليومي عن الاحتياجات الدنيا اليومية وتصفهم بأنهم ناقصو الأغذية.

والطريقة التي تتبعها المنظمة في تقدير الحرمان الغذائي لها عدة فوائد. فهي تعتمد بوجه خاص على بيانات متوافرة بنفس الطريقة تفريبا" من معظم البلدان مع تحديثها بصفة منتظمة. وبذلك يمكن إجراء المقارنات بين البلدان وبين القترات الزمنية.

ولكن منهجية المنظمة هذه تعانى أيضا" عدة قيود. فالتقديرات التى تنتهي إليها لا يمكن الاعتماد عليها ولا تكون دقيقة إلا بقدر دقة البيانات التي استخدمت في حساب الموازين الغذائية، ومستويات الاختلال، واحتياجات الطاقةاليومية. وفي كثير من البلدان لا يكون من المؤكد إمكان الاعتماد على البيانات التي تقوم عليها الموازين الغذائية وقياسات الاختلال. ووجود تباين بسيط نسبيا" في واحد فقط من هذه المتغيرات يمكن أن يؤدي إلى فرق كبيرفي تقدير مستوى الجوع في بلد ما (أنظر الرسم البياني). يضاف إلى ذلك أن التقديرات القائمة على أرقام الانتاج والتجارة الفطريين لا يمكن استخدامها لمعرفة تركز الجوع المتزايد في مناطق جغرافية وفي مجموعات اقتصادية اجتماعية معينة.

مناهج وأبعاد أخرى

كان من بين المقترحات الكثيرة التي قدمتها الندوة المعنية بتحسين تقديرات المنطمة زيادة الاعتماد على البيانات المستفاة من مسح ميزانية الأسرة فالمسوحات المتاحة من عدد متزايد من البلدان النامية توفر بيانات يمكن استخدامها لحساب اثنين من المتغيرات التي تستخدمها المنظمة في تقديراتها، وهما المتحصل الغذائي اليومى ودرجة الاختلال في الحصول على الأغذية. كما يمكن استخدامها في قياس أبعاد أخرى للجوع وانعدام الأمن الغذائي، بما فى ذلك انخقاض نوعية الأغذية والتعرض للحرمان منها، ورصدها مع مرور الزمن في مناطق ومجموعات سكانية مختلفة. ولكن هذه المسوحات يشوبها أيضا" بعض نواحي الضعف. فالبيانات لا تجمع بصفة منتظمة في جميع البلدان. وإن تم ذلك لا يجري تحديث هذه المسوحات إلا مرة كل ثلاث أو خمس سنوات، وتكون النتائج في الغالب غير قابلة للمقارنة في ما بين البلدان أو حتى قي ما بين المسح والمسح التالي له.

وهذا يقلل من قيمتها لرصد الاتجاهات القطرية والعالمية سنويا. ويمكن أن تتأثر الحالة التغذوية تأثبرا" سلبيا" لا بسبب نقص الأغذية فقط بل أيضا لكثرة الإصابة بالمرض، او سوء أحوال الإصحاح وغير ذلك من الظروف التي تعوق الناس عن الحصول على الفوائد التغذوية الكاملة من أغذيتهم. وتقديرات المنظمة لنقص الأغذية لا تقيس إلا درجة الحرمان من الغذاء ولكن هناك مؤشرات أخرى مثل نسبة الأطفال الذين يعانون توقف النمو (قصيرو القامة بالنسبة لسنهم) او نقص الوزن، وهذه تقيس جميع الأبعاد التي تؤثر في الحالة التغذوية. ومعظم البلدان يجمع هذه القياسات الجسمية بصفة منتظمة وإن كان ذلك لا يحدث إلا كل عدة سنوات وبالنسبة للأطفال فقط.

ورغم أن انتشار توقف النمو أو نقص الوزن لا يتوافق إلا فى النادر مع مستحى نقص الأغذية، فإن الأهمية النسبية والاتجاهات العامة تتوافق بصفة عامة (أنظر الرسم البيانى). وتعتبر القياسات الجسمية مفيدة جدا" لإبراز الاتجاهات وتقييم التدخلات خصوصا" بين المجموعات الضعيفة، مثل الأطفال والنساء الحوامل.

دعم جهود الرصد

منذ تلك الندوة عملت المنظمة مع أكثر من 50 بلدا" لتحسين قدراتها على تطبيق منهجية المنظمة لقياس الحرمان من الأغذية بين مجموعات سكانية معينة. ويمكن اشتقاق متوسط الاستهلاك الغذائي، الذي يعتبر واحدا من المتغيرات الأساسية في تقديرات المنظمة، إما من الموازين الغذائية القطرية أو من مسج ميزانية الأسرة وعند حساب هذه التقديرات الواردة في هذا التفرير، تعتمد المنظمة على الموازين الغذائية لأنها الطريقة الوحيدة لتحقيق شمول عالمي وإقليمي متناسق وبصفة منتظمة. وعند الحديث عن استهداف مناطق جغرافية أو مجموعات سكانية معينة داخل بلد ما، يمكن تطبيق منهجية المنظمة باستخدام أرقام لكل من الاستهلاك الغذائي واختلال الحصول على الأغذية، مستمدة من بيانات المسح الأسري.

وباتباع هذا المنهج، استطاعت البلدان استخدام البيانات المجموعة من مسح دخل الأسرة وإنفاقها لتفدير مستويات الجوع في مناطق جغرافية معينة، مثل المناطق السكنية الحضرية والريفية أو مناطق إيكولوجية، أو أي مجموعات اجتماعية واقتصادية تتحدد طبقا لمعايير معينة مثل مستوى دخل الأسرة أو العمل الرئيسي و/ أو النشاط الاقتصادي الرئيسى (أنظر الرسم البياني).

وقد اعتمدت تقديرات المنظمة على بيانات مسح ميزانية الأسرة لاشتقاق فعامل التباين في اختلال الحصول على الأغذية. ولكنها طبقت معاملا" واحدا" على مختلف السلاسل الزمنية لكل بلد، مما أدى إلى الانتفاد بأنها لا تصل إلى مراعاة التغيرات في مدى المساواة مع مرور الزمن. ومنذ انعقاد الندوة استجابت المنظمة لهذا الأمر بإجراء استعراض لاتجاهات الاختلال في البلدان النامية. ويتبين من النتائج أن الاختلال قد انخفض في 28 بلدا من بين 38 بلدا توافرت عنها البيانات من مصدرين موثوق بهما على الأقل ومن مسوحات يمكن المقارنة بينها. ومتى أصبحت بيانات الاتجاهات الصالحة للمقارنة في ما بينها منتشرة على نطاق واسع، فإن المنظمة ستدخلها في تقديراتها لنقص الأغذ ية.

وهناك توافق فى الرأي بين الخبراء على عدم وجود مؤشر واحد فقط يستطيع أن يحيط بجميع جوانب الجوع وانعدام الأمن الغذائي. وبدلا" من ذلك، فإن استخدام عدة أساليب يمكن أن يوفر مجموعة من المؤشرات التي تقيس مختلف أبعاد انعدام الأمن الغذائى، سواء على المستوى العالمي أو داخل البلدان.

وقد تحفق تفدم كبير نحو إيجاد مثل هذا التتابع. فقد عملت المنطمة مع البنك الدولي مثلا لإقامة مجموعات بيانات تشمل معلومات عن الحرمان من الأغذية، وعن الدخل، واستهلاك الأغذية، وقياسات الجسم. وكلما بدأت هذه الجهود تأتي ثمارها، فإنها ستؤدي إلى تحسين رصد التقدم نحو بلوغ هدف مؤتمر القمة العالمي للأغذية والأهداف الإنمائية للألفية، وتحديد شكل الأعمال المطلوبة الأكثر إلحاحا وتركيزها على تعجيل هذا التقدم.

 

نقاط الجوع الساخنة

كان 35 بلدا" يواجه أزمات غذائية تستدعي مساعدات طارئة في يوليو/ تموز 2004. ولم تختلف الأزمات، لا من حيث عددها ولا من حيث مواقعها،اختلافا ملحوظا عن الوضع المشار إليه في حاثة انعدام الامن الغذائي فى العالم لعام 2003. وتركزت الأزمات في معظمها في أفريقيا وكان سببها الجفاف أو النزاعات أو الاثنان معا" (أنظر الخريطة). واستمر معظمها لفترة زمنية طويلة بلغت نحو تسع سنوات في المتوسط

وفى أفريقيا الشرقية وحدها، صار الأمن الغذائي لأكثر من 12 مليون نسمة مهددا بالأمطار الغزيرة المصحوبة بعواقب النزاعات المستجدة والمتواصلة. كما أن تفاقم الاضطرابات الأهلية في منطقة دارفور في السودان أدى إلى نزوح ما يزيد على مليون شخص عن ديارهم وأراضيهم، مخلفا بذلك أزمة حقيقية. وفي أماكن اخرى من الإقليم الفرعي، ألحقت موجات الجفاف المتكيرة خسائر فادحة بالمحاصيل والثروة الحيوانية في بعض المناطق من إثيوبيا واريتريا والصومال وأوغندا وكينيا.

الاتجاهات والأسباب بحسب المواقع

شهد عدد حالات الطوارئ الغذائية ارتفاعا" فى العقدين الماضيين، من 15 في السنة كمعدل خلال الثمانينات إلى أكثر من 30 فى السنة منذ بداية الألفية الجديدة وتركز القسم الأكبر من الزيادة في أفريقيا، حيث بلغ العدد المتوسط لحالات الطوارئ الغذائية في السنة ثلاثة أضعاف ما كان عليه تقريبا (أنظر الرسم البياني).

كما تحول ميزان الأسباب لحالات الطوارىء الغذائية مع الوقت. فمنذ عام 1992، بلغت نسبة حالات الطوارئ التي يتسبب فيها الإنسان بشكل رئيسي، كالأزمات أو الصعوبات الاقتصادية، أكثر من ضعف ما كانت عليه فارتفعت من 15 فى المائة تقريبا" إلى أكثر من 35 في المائة (أنطر الرسم البياني).

وفى حالات كثيرة، تتضافر العوامل الطبيعية والبشرية معا. ويكون هذا النوع من الأزمات المعقدة الأشد حدة والأطول مدى بالإجمالي. وبين عامي1986و2004 ، عانى 18 بلدا"أزمة" لأكثر من نصف المدة وكان سبب الأزمات فى هذه البلدان الحروب أو الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية أو أدت إلى تفاقمها (أنظر الرسم البيانى ). ومن ثم اصبحت هذه البلدان برهانا" على أن تكرار الأزمات واستمرارها يؤدي إلى انتشار نقص الأغذية المزمن على نطاق واسع . وتفيد آخر تقديرات المنظمة بأن 12 بلدا من بين البلدان الثمانية عشريعاني الجوع فيها أكثرمن 35 في المائة من السكان.

رصد نقاط الجوع الساخنة

لا بد من مراعاة خصائص مواقع حالات الطوارئ الغذائية وأسبابها المعقدة بغية تحديد "النقاط الساخنة" للجوع ورصدها. وقد يساهم في ذلك نسبيا" النظر إلى الظروف المناخية وتوقعات المحاصيل في الأقاليم المعرضة بانتظام للأمطار الموسمية وموجات الجفاف وغيرها من الظواهر المناخية. وليس من السهولة بمكان معرفة حالات الطوارئ المعقدة والتى يمكن أن تكون من فعلي الإنسان، حيث انها تستوجب تقييما" مستمرا للعديد من المؤشرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وعندما تتحدد حالة الطوارئ الغذائية، فإن الرصد يوفر المعلومات اللازمة لاتخاذ إجراءات الإغاثة وإعادة التأهيل الفغالة التي تلبي الاحتياجات.

وفي العديد من البلدان التي تعاني ظروفا مناخية غير مواتية لكن فيها اقتصادات وحكومات مستقزة نسبيا"، طبقت برامج للوقاية من الأزمات والتخفيف من وطأتها، وأقيمت قنوات فغالة لجهود الإغاثة وإعادة التأهيل. لكن في حال تصاعد الأزمات او انهيار الاقتصاد في بلد ما، غالبا" ما يؤدي ذلك إلى اختلال أو تقويض البرامج والبنى الأساسية المخصصة للوقاية والإغاثة وإعادة التأهيل.

وأفريقيا أبلغ مثال لهذا المعنى، باعتبارها القارة الأعلى نسبة وعددا في البلدان التي تعاني أزمات غذائية، خاصة عند تحليل الاختلافات بين الأقاليم الفرعية في القارة فأفريقيا الشرقية مثلا"، عانت عددا من أكثر الأزمات شدة في الفترة 2003-2004بل أن فيها ستة بلدان تعاني أزمة لأكثر من نصف المدة منذ عام1986. ويعانى هذا الإقليم الفرعي تكرار حالات الجفاف وأمطارا غزيرة بين الحين والآخر أو فيضانات. إلا أن بلدان افريفيا الشرقية التي عانت أكثر الأزمات استشراء" واستمرارا" إنما هي تلك التي عانت النزاعات أيضا". فاستشرت الأزمة الإنسانية في دارفور مثلا" بعدما كانت الأمطار والمحاصيل في المنطقة جيدة بالإجمال. وكان سبب الأزمة النزاع الدائر، الذي أدى إلى نزوح ما لايقل عن 1.2 مليون نسمة عن ديارهم وحال دون اهتمامهم بأراضيهم وقطعانهم.

والسودان وبلدان أخرى في أفريقيا الشرقية أقل تأثرا بالظروف المناخية من جيرانها في منطقة السهل، حيث لا تتعدى كمية الأمطار 575 ملم كمعدل في الموسم الراعي الواحد في السنوات الجيدة وتعاني موجات جفاف متكررة.

إلا أن بلدان السهل كانت بمنأى عن النزاعات نسبيا". وبعد سلسلة من موجات الجفاف المدمرة أدمجت الظروف المناخية المتقلبة والتي يتعذر التنبؤ بها ضمن سياساتها الراعية والتجارية وفي نظمها الراعية. فشهدت تلك البلدان نتيجة لذلك أزمات أقل من سائر بلدان القارة وإن وقعت الأزمات فإنها تكون أقل حدة وأقصر مدة منها في أماكن أخرى. ومنذ منتصف الثمانينات، كان معدل أطول حالات الطوارئ المستمرة قي منطقة السهل سنة واحدة أما في أفريقيا الشرقية، فتعدى المعدل 11 سنة (أنظر الرسم البيانى).

ولا بد من النظر إلى هذه الاختلافات في الأسباب الكامنة وراء الجوع والفقر وتأثر البلدان بالكوارث الطبيعية وبالأزمات التي يتسبب فيها الإنسان بغية رصد النقاط الساخنة المحتملة للجوع ومواجهة الأزمات بالفعالية المطلوبة حال ظهورها.

الصفحة السابقةبيان المحتوياتالصفحة التالية