حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم 2004
الصفحة السابقةبيان المحتوياتالصفحة التالية

السمات الخاصة

العولمة والتحضر ونظم الأغذية المتغيرة في البلدان النامية

مع وجود اكثر من 800 مليون شخص في البلدان النامية لا يزالون يعانون نقص الأغذية المزمن، سوف يطل الجوع والأمن الغذائي الأولوية العليا للسياسات الغذائية لسنوات عديدة قادمة. ولكن التغيرات الديموغرافية والاقتصادية العميقة تعمل على سرعة تحويل نظم الأغذية ونطاق وطبيعة التحديات التغذوية.

ومع أن سرعة التغير تختلف كثيرا" من إقليم إلى آخر، إلا انه يمكن تحديد اتجاهات مشتركة في بلدان العالم النامي. فالسكان يتجهون بشكل متزايد نحو التحضر. ومتوسط الدخول والمتحصل من السعرات الحرارية آخذ في الزيادة وأسعار السلع الأساسية والأغذية آخذة في الانخفاض. وتعمل البيئة التجارية العالمية المتكاملة بشكل متزايد ومرافق النقل المحسنة على إحداث قدر كبير من التركيز في صناعة الأغذية وتقارب الأنماط والأفضليات الغذائية.

النمو السريع للمدن ومستويات الدخل

وفقا" لأحدث تقديرات الأمم المتحدة فإن معظم النمو السكاني في العالم، خلال الفترة

ما بين عام 2000-2030، سوف يتركزفى المناظق الحضرية بالبلدان النامية. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فسوف يتساوى السكان الحضريون مع السكان الريفيين في حدود عام 2017. وبحلول عام 2030، سوف يعيش 60 في المائة تقريبا" من لسان البلدان النامية في المدن.

وكما أن التنمية الاقتصادية تغذي النمو الحضري، فإنها تدفع أيضا" الدخول الفردية إلى أعلى. وأخذت نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع ويعانون الجوع تتناقص ببطء وتشير آخر توقعات البنك الدولي إلى ان دخل القرد في البلدان النامية سوف ينمو بمعدل سنوي قدره 3.4 في المائة خلال الفترة 2006-2015، أي ضعف النسبة التي سجلت خلال تسعينات القرن الماضي وهي1,7في المائة.

وعلى مدى الفترة الزمنية ذاتها، من المتوقع أن يزداد متوسط المتحصل اليومي من السعرات الحرارية في البلدان النامية بنحو 200 سعر حراري (أنظر الرسم البياني). ومن المتوقع أن تتحقق أكبر المكاسب في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وفى جنوب آسيا، مع أن سرعة التقدم فى هذه المناطق لا يزال هبوطها محتملا عن المستوى اللازم لبلوغ هدف مؤتمر القمة العالمي للأغذية.

التقارب الغذائي

ساهم نمو المدن وارتفاع الدخول معا" في إحداث تغييرات كبيرة ليس فقط فى متوسط عدد السعرات الحرارية التى يستهلكها السكان فى البلدان النامية، ولكن في الأغذية التي يتكون منها طعامهم.

وكما زاد المتحصل الكلي من السعرات الحرارية، زادت أيضا نسبة السعرات الحرارية من الزيوت النباتية واللحوم والسكر والقمح. وهذا يعبر إلى حد كبير عن أفضليات المستهلكين الذين تسمح لهم دخولهم المتزايدة بشراء المزيد من الأغذية الأغلى ثمنا" والأعلى فى قيمتها الغذائية.

وثمة عوامل أخرى ساهمت فى هذه التغيرات كالانخفاض الحاد فى الأسعار والنمو السريع في واردات القمح والسلع الأساسية الأخرى المنتجة في مناطق معتدلة والتي تصدرها البلدان الصناعية اساسا". فقد زادت الواردات الصافية للبلدان النامية من هذه السلع الأساسية بعامل قدره 13 نقطة عما كانت عليه خلال 40 عاما" مضت، ومن المتوقع أن تنمو بنسبة أخرى تبلغ 345 في المائة بحلول عام 2030، مما يعطي دليلا" آخر على التغيرات في نطم الأغذية والأفضليات الغذائية.

ويحدد خبراء التغذية اتجاهين واضحين يتأثران بهذه التغيرات. التقارب الغذائي والتكيف الغذائي. ويشير التقارب الغذائي إلى زيادة التشابه في الأغذية على نطاق العالم- وهذا يتسم بمزيد من الاعتماد على قاعدة ضيقة من الحبوب الأساسية (القمح والأرز)، وزيادة استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان والزيوت الغذائية والملح والسكر، وقلة المتحصل من الألياف الغذائية (أنظر الرسم البيانى). أما التكيف الغذائي فيعبر عن الخطوات السريعة والضغوط الزمنية لأساليب الحياة في الحضر. قفي الأسر التي يقوم فيها كلا الأبوين بقطع مسافات طويلة والعمل لساعات ممتدة يتناول المستهلكون مزيدا" من اللحوم خارج المنزل ويشترون المزيد من الأغذية المحفوظة من الأنواع المعروفة.

تركيز تجهيز الأغذية وتجارة التجزئة

ساعد أيضا" التركيز المتزايد في تجهيز الأغذية وتجارة التجزئة على ظهور اتجاهات نحو التقارب والتكيف الغذائيين. فقد شهدت أمريكا اللاتينية وآسيا، وهما المنطقتان اللتان ظهرت فيهما هذه الاتجاهات بشكل واضح، نموا" مفاجئا" في الاستثمارات من جانب شركات الأغذية عبر الوطنية وفى نسبة الأغذية التي تباع عن طريق الأسواق المركزية.

وفي العقد الذي بدأ من عام 1988إلى عام 1997، زاد الاستثمار الأجنبي المباشر فى صناعة الأغذية من 743 مليون دولار أمريكي إلى اكثر من 2,1 مليار دولار في آسيا، ومن 222مليون دولار أمريكي إلى 3.3 مليار دولار في أمريكا اللاتينية، ليتجاوز بذلك مستوى الاستثمارات في الزراعة (أنظر الرسم البياني). وخلال الفترة ذاتها تقريبا"، زاد نصيب مبيعات الأغذية عن طريق الأسواق المركزية إلى أكثر من الضعف فى أمريكا اللاتينية وفي شرق وجنوب شرق آسيا (أنظر الرسم البياني ). وفي أمريكا اللاتينية، زاد نصيب الأسواق المركزية من مبيعات الأغذية بالتجزئة في عقد واحد بمعدل احتاجت الولايات المتحدة الأمريكية إلى خمسين عاما" لتحقيقه. وفى البلدان الأكبر والأكثر ثراء والتي تستأثر بثلاثة أرباع الاقتصاد فى أمريكا اللاتينية، زاد نصيب الأسواق المركزية من نسبة تتراوح بين 15 و20 فى المائة في عام 1990 إلى 60 في المائة فى عام 2000. وفي آسيا، بدأ انتعاش الأسواق المركزية متأخرا ولكنه انطلق بسرعة أكبر. فخلال عامين، من 1999 إلى 2001، زاد نصيب الأسواق المركزية من مبيعات الأغذية المعلبة والمجهزة في المناطق الحضرية بالصين بأكثر من خمسين فى المائة.

وقامت شركات الأغذية عبر الوطنية بدور كبير أيضا" في هذا الانتعاش الذي شهدته الأسواق المركزية. ففي الفترة ما بين 1980 و2001، زاد كل من سلاسل الأسواق المركزية العالمية الخمس (وجميعها فى أوروبا أو في الولايات المتحدة) من عدد البلدان التي تعمل فيها بنسبة 270 في المائة على الأقل (أنظر الرسم البياني). ويعد النمو السريع والتركيز المتزايد للأسواق المركزية من أوضح أسباب ونتائج عملية التحول والتركيز في نظم الأغذية العالمية- والتي تشمل السلسلة الكاملة بدءا من الإنتاج الراعي عبر التجارة والتجهيز وتجارة التجزئة والاستهلاك. وكان لهذه التغيرات آثار عميقة بالنسبة للأمن الغذائي والرفاه التغذوي للسكان على طرفي السلسلة، ابتداء من المزارعين الذين ينبغي لهم أن يتواءموا مع متطلبات ومعاييرالأسواق المتغيرة إلى المستهلكين الحضريين الذين يعتمدون بشكل متزايد على الأغذية والوجبات المجهزة التى تشترى من الباعة في الطرقات ومن مطاعم الوجبات السر يعة.

أثر تغير النظم الغذائية على صغار المزارعين في البلدان النامية

كان للتغيرات فى أسواق الأغذية التي أحدثها النمو السريع فى المدن وفي الدخول، آثار كبيرة بالنسبة للأمن الغذائي للملايين من صغار المزارعين والعمال المعدمين في المناطق الريفية الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان العالم والذين يعانون الجوع بصورة مزمنة. وتنطوي عولمة صناعات الأغذية والتوسع فى الأسواق الكبرى بالنسبة لأسرهؤلاء على واجهتين، فهي فرصة للوصول إلى أسواق جديدة مربحة، وهي في ذات الوقت مخاطرة كبيرة ربما تؤدي إلى زيادة التهميش بل وإلى مزيد من الفقر.

وعلى مدى العقود الأخيرة حقق عدد محدود من الشركات عبر الوطنية المتكاملة أفقيا سيطرة متزايدة على التجارة العالمية فى الأغذية وتجهيزها ومبيعاتها- وتستأثر 30 سلسلة من أكبر الأسواق المركزية الآن بنحو ثلث مبيعات الأغذية على نطاق العالم. ففي أمريكا الجنوبية وشرق آسيا، زاد نصيب الأسواق المركزية من مبيعات الأغذية بالتجزئة من أقل من 20 في المائة إلى اكثر من 50 في المائة على مدى العقد الماضي (أنظر الرسم البياني). وتسيطر الآن أكير السلاسل، ومعظمها مملوك لشركات عملاقة متعددة الجنسيات، على ما بين 65 و95 فى المائة من مبيعات الأسواق المركزية فى أمريكا اللاتينية (أنظر الرسم البيانى)

الفرص والمخاطر

أدت السيطرة المتزايدة للأسواق المركزية إلى مزيد من الخيارات أمام المستهلك، ومستوى أعلى من المواءمة، وانخفاض متزايد في الأسعار، وجودة أعلى فى الأغذية، وأمان بالنسبة للمستهلكين الحضريين. وأدت أيضا إلى سلاسل إمداد متماسكة تتمتع فيها حفنة من شركات تجهيز الأغذية العملاقة وتجار التجزئة بسلطة متزايدة تسمح لها بتحديد المعايير والأسعار وجداول التسليم.

وأتاحت عولمة شراء الأسواق المركزية فرصا" غير مسبوقة أمام بعض المزارعين في البلدان النامية. ففي كينيا على سبيل المثال، ارتفعت صادرات القواكه الطازجة والخضراوات والزهور لبيعها في الأسواق المركزية الأوروبية إلى أكثر من 300 مليون دولار أمريكي في السنة. ويحصل صغار الملاك الذين يزرعون من أجل أسواق التصدير على دخول أعلى بدرجة كبيرة من دخول الأسر غير المشاركة. وتبين من دراسة أخيرة أنه إذا تمكنت الأسر الريفية غير المشاركة من زراعة المحاصيل البستانية لأغراض التصدير، فإن معدل الفقر لديها سوف ينخفض بنسبة 25 في المائة تقريبا" (أنطر الرسم البياني).

ولكن مع نمو حجم صادرات كينيا، تضاءل النصيب الذي ينتجه صغار الملاك. وقبل انتعاش الصادرات البستانية فى تسعينات القرن الماضي، أنتج صغار الملاك 75 في المائة من الخضراوات والفواكه التي شحنت من كينيا، ومع نهاية ذلك العقد، كان 40 فى المائة من الإنتاج يزرع في مزارع يملكها موردون من البلدان المتقدمة أو يستأجرونها بصورة مباشرة وكانت 42 في المائة اخرى تزرع في مزارع تجارية كبيرة في حين بلغ إنتاج صغار المزارعين 18 في المائة فقط.

وأدت زيادة الأسواق المركزية فى البلدان النامية إلى إيجاد قطاع داخلي ذي مشتريات مركزية ومعايير جودة عالية تجاوزت أسواق التصدير بسرعة في معظم البلدان. فالأسواق المركزية فى أمريكا اللاتينية، على سبيل المثال، تشتري الآن كميات من الفواكه والخضراوات الطازجة من المزارعين المحليين تزيد مرتين ونصف عما يصدره الإقليم إلى بقية العالم. وتتحول سلاسل الأسواق المركزية المحلية، شأنها شأن نظيراتها فى البلدان الصناعية، نحو إبرام عقود مع عدد محدود من الموردين الذين يستطيعون تلبية متطلباتها (أنظر الرسم البياني ).

وقد أقامت شركة Carrefour ، وهي أكير سلسلة من الأسواق المركزية في العالم، مركز توزيع ضخم خاصا بها في ساو باولو بالبرازيل، وهذا المركز يخدم سوقا" تضم أكثر كن 50 مليون مستهلك. وتشتري شركة Carrefour الشمام من ثلاثة مزارعين فقط فى شمال شرق البرازيل لتوريده إلى مخازنها البرازيلية وشحنه إلى مراكز التوزيع فى 21 بلدا" كذلك تحمل صغار مزارعى الألبان فى البرازيل أثر عملية الإدماج. ففي الفترة ما بين 1997و2001 استبعدت 12شركة من أكبر شركات تجهيز الألبان أكثر من 75000 مزارع برازيلي منتج للألبان من قوائمها (أنظر الرسم البيانى). وأغلب الظن أن معظم هؤلاء قد أنهوا نشاطهم. وجرت عمليات إدماج مماثلة بمعدل سرع فى آسيا. ففي أقل من خمس سنوات، خفضت سلسلة الأسواق المركزية الرئيسية في تايلند قائمتها الخاصة بموردي الخضراوات من 250 موردين إلى 15 موردين فقط.

ويواجه صغار الملاك عقبات كثيرة فى الانضمام إلى صفوف الموردين المحظوظين للأسواق المركزية. وقد يتطلب الالتزام بمعايير الجودة والعولية استثمارات كبيرة في الري - والبيوت الزجاجية وسيارات النقل ومخازن التبريد وتكنولوجيا التغليف. وقد تكون تكاليف معاملات الأسواق الكبرى عالية بدرجة كبيرة عند التفاوض بشأن العقود مع صغار المنتجين.

تمكين صغار المنتجين

تمكن صغار المزارعين الذين نجحوا كموردين للأسواق المركزية من التغلب بشكل عام على العقبات السابقة عن طريق إنشاء التعاونيات أو الانضمام إلى صفوف مزارعي التصدير المتفوقين. ففد استفادوا في أغلب الأحيان في بادئ الأمر من المعلومات والتدريب وأموال بدء المشاريع المقدمة من المبادرات الإنمائية للقطاعين العام والخاص.

وفي زامبيا، على سبيل المثال، ساعدت مجموعة شركات مكونة من هيئات حكومية وصناعية على إقامة شراكة ضمت وزارات حكومية وأكبر سلسلة من الأسواق المركزية في البلد وموردين للمستلزمات الراعية وجمعية المزارعين لفقراء فى لوانغيني. وأتاح المشروع للمزارعين فى لوانغيني البدء في توريد خضراوات عالية الجودة وأبلغ المزارعون المشاركون عن تحقيق دخول أعلى بدرجة كبيرة وعن تحسن التغذية.

واقتحم عدد من تعاونيات المزارعين الأسواق المربحة والدينامية الملائمة للحصول على ترخيص لإنتاجهم باعتباره إنتاجا

"عضويا"" ويحقق "التجارة النزيهة" و ملائما للبيئة". وأسعار هذه المنتجات مرتفعة ومن ثم فهي تحقق عائدات اعلى للمزارعين. وبالنسبة لصغار المنتجين، تحقق الزراعة العضوية فوائد إضافية تتمثل في خفض الاعتماد على المستلزمات المشتراة مثل مبيدات الآفات والأسمدة وزيادة استخدام الأيدي العاملة منخفضة التكلفة.

وازدهرت جمعية ديل كابو التعاونية في المكسيك، على سبيل المثال، عن طريق توريد الطماطم العضوية للأسواق المركزية فى الولايات المتحدة ومنذ تأسيسها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، تطورت هذه الجمعية التعاونية بحيث اصبحت تضم 250 مزرعة أسرية، كثير منها تقل مساحته عن هكتارين. وزاد متوسط الدخل في الجمعية التعاونية من 3000 دولار أمريكي إلى أكثر من 20000 دولار.

وتستطيع المنتجات المرخصة عموما" ان تصل إلى أسواق أفضل في البلدان الصناعية. وقد تتمتع بمزايا مماثلة فى الأسواق المركزية المحلية حيث يزداد اهتمام المستهلكين بنوعية الأغذية وأمانها واستدامتها. ولكن عملية الترخيص فى حد ذاتها مكلفة وقد تشكل عقبة كبيرة أمام صغار المنتجين، الذين لا يستطيعون فى اغلب الأحيان الحصول على القروض والمعلومات والتدريب لدخول هذه الأسواق الملائمة.

وبينما توسع الأسواق المركزية من اسواقها بحيث تمتد من الصفوة الغنية في المدن إلى الطبقة المتوسطة والعاملة في الأحياء المجاورة والمدن الصغيرة في جميع انحاء البلد، قدرت إحدى سلاسل الأسواق المركزية في أمريكا الوسطى أن 17 في المائة فقط من السكان يعجزون عن الوصول إليها. وتوصف هذه النسبة التي تبلغ 17 فى المائة بأنها القطاع الريفي الأكثر فقرا" بين السكان. ويخشى صغار المزارعين الذين يعجزون عن إيجاد موطئ قدم فى هذه السوق المعولمة من أن يجدوا أنفسهم معولين بصفة دائمة ضمن أقلية مهمشة، ومستبعدين من نظام الأغذية كمنتجين ومستهلكين على حد سواء.

الصورة المتغيرة للجوع وسوء التغذية

ارتبطت الدخول المرتفعة والمستويات المنخفضة للجوع وسوء التغذية عموما" بالنمو السريع للمدن في بلدان العالم النامي. ولكن مع أن نسبة السكان الذين يعانون الجوع تظل منخفضة عادة فى المدن، فإن أعداد سكان المدن الفقراء والجائعين ترتفع بسرعة مع إجمالي السكان الحضريين. وكشفت دراسة أجراها المعهد الدولى لبحوث السياسات الغذائية عن تحليل اتجاهات الفقير وسوء التغذية بالمناطق الحضرية فى 14 بلدا ناميا" فى الفترة ما بين 1985 و 1996، انه فى أغلب هذه البلدان يزداد عدد الأطفال ناقصي الوزن الذين يعيشون فى المناطق الحضرية، وبمعدل أسرع منه فى المناطق الريفية. وفي 11 بلدا" من مجموع 14 بلدا"، ارتفع أيضا نصيب الأطفال الحضريين بين الأطفال ناقصي الوزن قبل سن المدرسة على نطاق البلد (أنظر الرسم البياني).

ويعيش أكثر من 40 في المائة من جميع السكان الحضريين بالبلدان النامية فى أكواخ. وهذا يعني أن نحو 950 مليون شخص يفتقرون إلى واحدة أو أكثر من الخدمات الأساسية مثل الحصول على مساحة كافية للمعيشة ومياه نظيقة وخدمات صحية محسنة ويحرم الكثيرون أيضا" من الحصول على الغذاء الكافى، مع أن فقراء الحضر في كثير ينفقون 60 فى المائة أوأكثر من إجمالي مصروفاتهم على الأغذية. وفى الهند تبلغ نسبة أطفال الحضر ناقصي النمو 36 فى المائة وناقصي الوزن 38 في المائة.

وأجرت دراسة أخيرة لمنظمة الأغذية والزراعة مقارنة بين مستويات نقص النمو في المناطق الحضرية والمناطق الريفية فى أنغولا وجمهورية أفريقيا الوسطى والسنغال. ومع أن النسبة العامة لنقص النموأعلى في المناطق الريفية، فإن هذا المعدل يتساوى من الناحية الأساسية في المناطق الحضرية والريفية عندما يؤخذ الوضع الاقتصادي فى الاعتبار (أنظر الرسم البياني).

تغير أساليب الحياة وارتباطه

بتغير الأنماط الغذائية

يعمل التحضر وعولمة نطم الأغذية على إعالة رسم خريطة الجوع وسوء التغذية وصورتيهما في البلدان النامية.

وبالنسبة لبلدان العالم النامي ككل، تضاعف استهلاك الفرد من الزيوت النباتية والأغذية ذات المصدر الحيواني مثل اللحوم والألبان والبيض والأسماك في الفترة ما بين 1961 و2000 وعندما تسارعت خطى التحضر والدخول لمتزايدة تسارعت أيضا" الأنماط الغذائية المتغيرة ففي الصين، ارتفعت نسبة البالغين الحضريين الذين يستهلكون أطعمة عالية الدسم، التي تمثل فيها الدهون أكثر من 30 في المائة من السعرات الحرارية، من 33 في المائة إلى 61 في المائة فى ست سنوات فقط بين عامي 1991و1997.

وقد نتجت التغييرات فى تركيب الأغذية والاستهلاك الزائد من الأغذية المجهزة عن تغير أساليب الحياة والنمو السريع لمنافذ بيع الوجبات السريعة وسلاسل الأسواق المركزية. وفى عام 1987، افتتحت شركة "كينتاكي فرايد تشيكن " أول مطعم للأطعمة السريعة مملوك للأجانب فى بيجين. وبعد 15 عاما"، تفاخر شركة "كينتاكى فرايد تشيكن " بأن لديها أكثر من 600 مطعم في الصين وأن إجمالى مبيعات الوجبات السريعة بلغ 24 مليار دولار أمريكي فى السنة.

وقد لا يكون في مقدور فقراء الحضرالذهاب إلى مطاعم الوجبات السريعة، ولكنهم يشاركون فى أسلوب الحياة والتغيرات الغذائية التي جاءت بها عملية التحضر. وفي مدن من بانكوك إلى باماكو، يشتري الفقراء غالبا أكثر من نصف وجباتهم من بائعي الأطعمة فى الطرقات وتبين من دراسة في أكرا، غانا، أن أفقر سكان المدينة ينفقون 40 في المائة من ميزانيتهم الغذائية وه 2 في المائة من إجمالي نفقاتهم على أطعمة الطرقات (أنظر الرسم البياني على الصفحة السابقة).

الأنماط الغذائية المتغيرة ومشاكلها

في الوقت الذي تستهلك فيه الشعوب المزيد من الزيوت واللحوم ومنتجات الألبان والقليل من الألياف الغذائية والمزيد من الوجبات السريعة والقليل من الوجبات المنزلية، يواجه كثير من البلدان النامية الآن تحديا" مزدوجا- جوع واسع الانتشار من ناحية وزيادات سريعة فى مرض السكر وأمراض الأوعية الدموية وغيرها من الأمراض غير السارية المرتبطة بالأغذية من ناحية أخرى.

ويعانى اليوم ما يقدر بنحو84 مليون من البالغين في البلدان النامية مرض السكر. وبحلول عام 2025، من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 228 مليونا"، من بينهم 40 في المائة سوف يعيشون في الهند والصين الأكثر ازدحاما" بالسكان (أنطر الرسم البياني). كما أن مستويات السمنة وأمراض القلب وغيرها من الأمراض المتعلقة بالأغذية ترتفع بسرعة، ليس فقط في المدن وإنما في المناطق الريفية التي تأثرت بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وما نجم عنها من حالة "التحول التغذوي ".

 

والأدلة كثيرة على أن الفقراء هم الأكثر تعرضا" للخطرليس فقط فيما يتعلق بالجوع وحالات نقص المغذيات الدقيقة، وإنما فيما يتعلق بمرض السكر والسمنة وارتفاع ضغط الدم. وتبين من دراسة أخيرة عن اتجاهات التغذية وأسبابها الكامنة في أمريكا اللاتينية أن معدلات السمنة أعلى وتزداد بدرجة أسرع بين قطاعات السكان الأكثر فقرا". وخلصت الدراسة إلى أن السمنة والأمراض المزمنة المتعلقة بها من المحتمل أن تزداد في البلدان التي يشيع فيها سوء التغذية بين الأمهات والأطفال جنبا" إلى جنب مع النمو الحضري والاقتصادي.

ومن المعروف منذ وقت طويل أن الأطفال الذين يولدون لأمهات يعانين نقص الأغذية من المحتمل أن يكونوا ناقصي الوزن عند الولادة وقد يتعرض نموهم الجسماني والإدراكي للخطر.

والآن توجد دلائل متزايدة على أن انخفاض الوزن عند الولادة ونقص النمو فى مرحلة الطفولة المبكرة يزيدان من مخاظر الإصابة بمرض السكر وأمراض القلب والأمراض الأخرى المرتبطة عادة بتناول المزيد من الأغذية وبذل القليل من النشاط الجسماني.

وقد أصبحت هذه الحالة تعرف باسم "فرضية باركز، نسبة إلى مؤلف دراسة تقول إن البالغين الذين كانوا ناقصي الوزن عند الولادة معرضون لمعدلات وفاة أعلى بسبب أمراض القلب والنوبات القلبية. وقد قيل إن هذا ربما يكون نتيجة لما يطلق عليه اسم "برمجة الجنين "، حيث يتكيف الجسم مع الحرمان التغذوي بطرق قد تساعد على قصر البقاء ولكنها قد تهدد الصحة على المدى البعيد. ومع أن هذه الفرضية لا تزال موضع جدل، فقد أظهرت دراسات أخرى علاقة مماثلة بين انخفاض الوزن عند الولادة وزيادة الإصابة بمقاومة الأنسولين والنوع الثاني من مرض السكر (أنظر الرسم البياني).

وأكدت الدراسات التي أجريت في مايسور جنوب الهند، أن الرجال والنساء الذين كانوا ناقصي الوزن عند الولادة معرضون بدرجة أكبر لخطر الإصابة بأمراض الأوعية الدموية ومقاومة الأنسولين. ولكن الأطفال قصار القامة والبدناء الذين يولدون لأمهات أكثر بدانة يواجهون خطرا" أكبر يتمثل فى الإصابة بمرض السكر. وتوحي هذه النتائج بأن مرض السكر المنتشر بشكل وبائي فى الهند قد يرجع سببه إلى انتشار الجوع والتحضر معا". وطبقا لهذه النظرية، فإن كثيرا" من هؤلاء الأمهات كن في وقت ما أطفالا" ناقصي الوزن عند الولادة ولهذا تعرضن للسمنة ومقاومة الأنسولين. وعندما ينتقلن إلى المدن، ويعدلن من نطامهن الغذائي ويصبحن أقل نشاطا" من الناحية الجسمانية، يصرن أكثر تعرضا للإصابة بسكر الدم. والمعروف أن الإصابة بفرط سكر الدم أثناء الحمل ترتبط بولادة أطفال قصيري القامة وبدناء ومعرضين للإصابة بمرض السكرعند البلوغ، تماما" مثل الأطفال الذين تناولتهم الدراسة في مايسور. ومواجهة هذا التحدي المزدوج للجوع المزمن وزيادة الأمراض غير السارية تبرز الحاجة إلى سياسات خاصة بالأغذية والتغذية توجه نحو الجماعات المعرضة بين فقراء الريف والحضر. ويعد ضمان حصول الأطفال والنساء في سني الحمل على طاقة غذائية كافية ومتنوعة أمرا اساسيا" لمنع انتقال الجوع وسوء التغذية من جيل إلى آخر ومن مرحلة الطفولة عبر حياة تقل فيها فرص النمو.

الصفحة السابقةاعلى هذه الصفحةالصفحة التالية